قمة الجزائر.. كأنها لم تكن!

انتهت قمة الجزائر العربية بترحيب ودعم ومساندة وقبلات ومصافحات ولقاءات وكفی الله المؤمنين شر القتال. لا دولار صعد؛ ولا يورو نزل؛ ولا تغيير في أسعار النفط؛ ولا حل لمشاكل هذه الدولة أو تلك؛ ولا أمل بايقاف هذه الحرب أو تلك.

قمة انتهت كما انتهت من قبلها قمم عربية كثيرة. خيبة أمل وتجاهل من قبل شعوب سئمت من الخطابات التي لا تسمن ولا تغني عن جوع؛ “كان في ودي أن أبكي.. ولكني ضحكت”، علی حد قول الشاعر الراحل نزار قباني.

أكد البيان الختامي للقمة علی مركزية القضية الفلسطينية والدعم المطلق لحقوق الشعب الفلسطيني وضرورة التمسك بمبادرة السلام العربية بكل عناصرها وأولوياتها. لا أذكر بقية بنود البيان لأنها مخجلة ومحبطة وتدعو للشفقة. تضامن عربي مع الشعب الليبي. دعم الحكومة الشرعية في اليمن. إيجاد حل سياسي للأزمة السورية. ترحيب بتنشيط الحياة الدستورية في العراق. تضامن مع لبنان. رفض حملات التشكيك التي تطاول قطر. رفض التدخلات الخارجية في الشؤون الداخلية للدول العربية؛ وضرورة انشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية في الشرق الاوسط إلخ..

شخصياً؛ أتعاطف مع من كتب البيان الختامي ومع من وقع عليه لأن ليس بالامكان أفضل مما كان. قمة الجزائر التي سُميت “قمة لمّ الشمل” اعترفت من إسمها بتشتت شمل عربي أرادت لمّهُ؛ وتدرك أيضاً غياب التضامن العربي بدليل ما قاله الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون من أن القمة “خطوة في طريق التضامن العربي”.

من أخطر الحالات التي تمر بها الشعوب والأنظمة السياسية هي “تفريق الشمل وغياب التضامن”. أمتنا العربية مصابة بهذا الداء مع الأسف وباعتراف قمتها. القمة لم تستطع أن تعيد سوريا إلى مقعدها الفارغ منذ سنوات وهي تتحدث عن “لّم الشمل”. لم تتفق على آلية لدعم الشعب السوري الذي يعاني من مشاكل حياتية مستعصية منذ أكثر من عقد من الزمان. لم تستطع ان تدخل الفرحة في قلوب السوريين وهم يبحثون عن الحياة في أعماق البحار. يبحثون عن حلول لمشاكلهم الاقتصادية والسياسية والامنية والسيادية.

إذا كانت تجارب القرن المنصرم قد فرضت علينا الوصاية والتبعية وتقسيم البلدان والاحتلال، كيف لنا أن نمضي خلال القرن الجديد الذي مضی عليه عقدان من الزمان؟ وهل سنكون فاعلين في مجريات الأحداث أم مجرد متلقين لما يُرسم لنا من مصائر؟

القمة لم تتحمل عناء التفكير بامكانية وضع آلية لإنهاء الحرب اليمنية والتدخل لدی جميع الأطراف لحل النزاع اليمني اليمني بمساع حميدة أو بوساطة لعودة الحياة لليمن الذي لم يعد سعيداً.

القمة اكتفت بالتضامن “الكامل” وليته لم يكن كاملاً مع الأزمة الليبية؛ ذلك أن أعضاء القمة من قادة العرب منشغلون بقضايا أهم من دخول أكثر من دولة عربية علی خط الصراع الليبي الليبي.

في السودان الجريح، تفرّجت القمة علی عذابه وشجونه وآهات شعبه دون أن تسمح لنفسها بمد يد العون لإنهاء الأوضاع المضطربة التي يعاني منها الشعب السوداني المهدد بالتفكيك والجوع.

أما في لبنان الذي يواجه أوضاعاً اقتصادية مأزومة وسياسية غير مريحة، فإن العرب ما زالوا متفرجين علی جراحه وهو يرقص من الألم.

العراق يحتاج إلی أكثر من كلمة ترحيب يتيمة وتعاطف مع “تنشيط حياته الدستورية”. طبعاً ليس بحاجة للمال وهو مستعد لدعم التضامن العربي لكن بشيء من المصداقية التي يريد أن يلمسها من أشقائه العرب لتجاوز وضعه الأمني والسياسي الصعب. إنه العمق العربي الذي وقف مع العرب لكنه الآن بحاجة إلى دعم ومساندة عملية وواقعية وحقيقية.. والمهتمون يعرفون ما أقول.

اما مشكلة مشاكلنا فهي فلسطين وشعبها الذي يرزح تحت الاحتلال والتمييز العنصري خصوصا في ظل اليميني المتطرف بنيامين نتنياهو الذي يريد تشكيل حكومته المقبلة بشراكة كاملة مع أحزاب الصهيونية الدينية التي تتبنى الفكر الكاهاني وتضع اليهود في مواجهة كل من هو غير يهودي على أرض فلسطين المحتلة..

ما هو الفرق الذي أحدثته قمة الجزائر في حياة الشعوب العربية؟

ربما يأخذ عليّ البعض بأنني أطالب قمة الجزائر بما هو ليس بمقدورها ولا تستطيع اتخاذه؛ وان اتخذته وقررت فإنها لا تستطيع تنفيذها. ولو افترضنا جدلاً “وفرض المحال ليس بمحال” أن هذا التصور صحيحٌ جداً. يبرز سؤال ساذج جداً.. إذاً لماذا يجتمع قادة العرب؟ “أن نجتمع أفضل من أن لا نجتمع”؛ يقول مسؤول عربي. أقول إذا كان هذا المستوی من التوقعات لمواجهة كل هذه التحديات الداخلية والخارجية التي تواجه الأمة العربية سواء التي ذكرتها قمة الجزائر أو تلك التي لم تذكرها من الأمن الغذائي ومشاكل المناخ والزراعة والأمن المائي والمشاكل الامنية والسياسية والعسكرية. فكيف لنا أن نواجه المستقبل بكل تحدياته وتعقيداته وظروفه؟ وإذا كانت تجارب القرن المنصرم قد فرضت علينا الوصاية والتبعية وتقسيم البلدان والاحتلال، كيف لنا أن نمضي خلال القرن الجديد الذي مضی عليه عقدان من الزمان؟ وهل سنكون فاعلين في مجريات الأحداث أم مجرد متلقين لما يُرسم لنا من مصائر؟

إقرأ على موقع 180  الهجرة اليهودية إلى فلسطين.. أرقام ودلالات

باختصار شديد؛ العالم يتغير وهو مقبل علی نظام دولي جديد. تتوزع فيه المصالح والمغانم والمحاور؛ “فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ؛ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ؛  وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ؛ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ”، صدق الله العلي العظيم.

([email protected])

Print Friendly, PDF & Email
محمد صالح صدقيان

أكاديمي وباحث في الشؤون السياسية

Download Best WordPress Themes Free Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
free online course
إقرأ على موقع 180  ماكرون يتوه في سراب الغاز الجزائري