اغتيال خامنئي في الصحافة العبرية بين نشوة الحسم وهاجس الاستنزاف

على الرغم من تمكن الضربة الأميركية–الإسرائيلية الأولى، صباح السبت الماضي، من اغتيال رأس النظام الإيراني المرشد السيد علي خامنئي وعدد كبير من قادة الصف الأول، لم تُبدِ الصحف العبرية تفاؤلًا بانهيار النظام. بل على العكس، حذّرت من احتمال الانزلاق إلى حرب استنزاف لا تقوى إسرائيل، ولا حتى الولايات المتحدة، على تحملها.

ووفق رواية ناحوم برنياع في “يديعوت أحرونوت”، فإن الأميركيين أرادوا حملة عسكرية من أربعة إلى خمسة أيام من شأنها أن تعيد إيران ضعيفة إلى طاولة المفاوضات. “وحسب أحد المصادر، نقل مصدر أميركي لإيران اقتراحاً مبالغاً فيه وأكثر ثورية؛ اقترح من خلال وسيط، على ما يبدو إيطالي، التوصل إلى اتفاق وقف نار اليوم أو غداً. أما الإيرانيون فرفضوا الفكرة رفضاً باتاً”. ويخلص برنياع إلى اقتراح الآتي: “علينا جميعاً أن نخفض التوقعات. كل محاولات إسرائيل السابقة لتغيير أنظمة الآخرين انتهت بإخفاقات لاذعة. الهدف القابل للتحقق في الجولة الحالية هو تدمير منشآت إنتاج صناعة الصواريخ، المنصات وكل ما يرتبط بالمشروع النووي. كلما كان أكثر كان أفضل. ليس مجدياً تكرار التصريحات المتبجحة في نهاية حملة “الأسد الصاعد” في حزيران (يونيو) 2025. لم نُدمّر قوة إيران العسكرية في حينه ولن ندمرها الآن. سيرممونها بسرعة. لكن كل ضربة للقوة العسكرية الإيرانية تعطينا زمناً مقدراً باهظ الثمن إذا عرفنا كيف نستغله”.

حرب استنزاف

ويرى السفير الإسرائيلي الأسبق في مصر، تسفي برئيل، في مقالة له في «هآرتس»، أن “قتل مستشارين وقادة كبار، مثل علي شمخاني، لا يؤدي بالضرورة إلى انهيار المؤسسات التي كانوا يرأسونها. فقد استمر البرنامج النووي برغم اغتيال علماء بارزين، ولم ينهَر الحرس الثوري بعد مقتل قائده حسين سلامي، كما واصل الجيش عمله بعد مقتل قائده محمد باقري”.

ويحذّر برئيل من أن يحوّل النظام الإيراني الصراع إلى حرب استنزاف طويلة “تلحق أضرارًا مستمرة، وتضع الولايات المتحدة وإسرائيل أمام معضلة: هل تستحق مواصلة الحرب تكلفتها الإقليمية، بينما تُطيل في الوقت نفسه عمر النظام؟”.

ويضيف أن حرب استنزاف مطوّلة قد تؤثر في احتمالات تجدّد الاحتجاجات الداخلية. وحتى في حال توقف القصف، يمتلك النظام عددًا كافيًا من المسلحين لقمع أي محاولة احتجاج بعنف شديد، ما قد يحوّل “الفرصة التاريخية” التي يعرضها ترامب على المحتجين إلى مذبحة. كما أن سقوط ضحايا مدنيين قد يعزز خطاب النظام القائل إن الحرب تستهدف الشعب الإيراني، وأن “التضامن الوطني” هو السبيل لمواجهة “الإمبريالية الغربية”.

ويخلص الكاتب إلى أنه في ظل غياب بديل قيادي واضح قادر على تحقيق الأهداف العسكرية والسياسية التي طرحها ترامب، قد يكتفي الرئيس الأميركي بإنجازات عسكرية ملموسة ليعلن النصر. فإضعاف القدرات العسكرية الإيرانية، ولا سيما منظومات الصواريخ الباليستية وتدمير المنشآت النووية، قد يقلّص التهديد الاستراتيجي بدرجة كبيرة، لكنه لا يضمن تغيير النظام.

مخاطر الاغتيال وحدود القوة

بدوره، يوافق عاموس هرئيل، في «هآرتس»، على أن اغتيال خامنئي يمثل تطورًا بالغ الخطورة، لكنه يشير إلى أمرين: أولًا، أن إضعاف النظام لا يعني انهياره، إذ استعد الإيرانيون لمثل هذا السيناريو وأعدّوا سلسلة خلفاء محتملين. وثانيًا، أن الأمر لا يتعلق باغتيال زعيم منظمة إرهابية، بل زعيم قوة إقليمية.

ويتساءل هرئيل: “هل الجمهور مستعد لتعريض حياته للخطر مرة أخرى؟ إسقاط نظام بالقوة الجوية وحدها مهمة شديدة الصعوبة، لا سيما إذا كان التحرك يعتمد فقط على الضغط العسكري كما يصر ترامب”.

ويضيف أن المعضلة قد تتفاقم إذا أبدت إيران مرونة بشأن مشروعها النووي. فهل يعلن ترامب النصر ويذهب إلى اتفاق، أم يمضي نحو إسقاط النظام كما يحثه بنيامين نتنياهو؟ ويحذر من أن تعقّد الحرب وارتفاع كلفتها على الأميركيين قد يدفع ناخبين من الحزبين الجمهوري والديموقراطي إلى اتهام إسرائيل بجرّ الولايات المتحدة إلى صراع غير محسوب.

لا حروب فاخرة

من جهته، يدعو الدكتور نحمان شاي، في «معاريف»، الجبهة الداخلية إلى الصبر ودعم الجيش، مؤكدًا أنه “لا توجد حروب فاخرة”. فحتى منظومات الدفاع الأكثر تطورًا قابلة للاختراق، والحياة المدنية ستدفع الثمن: المدارس، أماكن العمل، الاقتصاد، السياحة والعلاقات الدولية، ويشدد على أن “الجبهة الداخلية هي مفتاح نجاح المعركة”، وأن صمود الجمهور يمنح الجيش الوقت اللازم للضغط على إيران، مستندًا إلى التحالف مع الولايات المتحدة بما يوفره من دعم عسكري وربما اقتصادي.

أما الدكتور راز تسيمت، في «يديعوت أحرونوت»، فيرى أن تحييد القيادات الإيرانية قد يفتح نافذة تحول، حتى لو بقي النظام. فغياب خامنئي لا يعني بالضرورة تغيير النظام، لكنه قد يمهّد لانتقال من حكم رجال الدين إلى صيغة أخرى، ربما مجلس قيادي جماعي يضم سياسيين وضباطًا كبارًا، أو حتى بقاء مؤسسة “المرشد” مع إضعاف صلاحياتها. ويخلص إلى أن “عصرًا انتهى في الجمهورية الإسلامية”.

حرب لا مفر منها 

في المقابل، يسخر جدعون ليفي، في «هآرتس»، من لغة “النصر الكامل” التي أُعلنت قبل أشهر، معتبرًا أن ما وُصف حينها بـ“الإنجاز التاريخي” لم يدم سوى لحظة. فبعد ثمانية أشهر فقط، تعود إسرائيل إلى البحث عن “نصر” جديد، فيما تتكاثر أسماء العمليات العسكرية ذات الطابع الاستعراضي، ويؤكد أن “الحل النهائي” لا يتحقق بالقوة العسكرية وحدها، محذرًا من أن استمرار الاحتلال وسياسات القوة سيُنتج جولات أكثر دموية، وأن الولايات المتحدة قد لا تنسى أنها جُرّت إلى هذه الحرب.

على الضفة الأخرى، يرى المؤرخ إيال زيسر، في «يسرائيل هيوم»، أن الضربات التي تلقتها إيران خلال العامين الماضيين لم تردعها، بل دفعتها إلى إعادة بناء قدراتها. ويخلص إلى أن “الحرب مع إيران باتت بالنسبة إلينا حربًا لا مفر منها”، وأن الهدف لا يجب أن يقتصر على الانتصار العسكري، بل إزالة نظام آيات الله، لأن بقاءه يعني حتمية جولات مواجهة أشدّ تعقيدًا في المستقبل.

وأشار المحلل الأمني في صحيفة “يديعوت أحرونوت”، رونين بيرغمان، إلى أنه “لا يزال بعيداً اليوم الذي بإمكان أحد ما أن يقرر إذا كانت الحرب الحالية ناجحة، وكيف يعرّفون النجاح في حرب كهذه. فبعد أن وصف ترامب ونتنياهو الحرب السابقة في نهايتها بأنها نجاح مذهل وانتصار مطلق، وأنها ’أزالت التهديد النووي والصاروخي الإيراني’، اضطرت الدولتان بعد ثمانية أشهر إلى العمل مرة أخرى من أجل إزالة هذا التهديد مرة أخرى. وهذا يذكّر قليلا بهزيمة حماس وكتيبة كهذه أو لواء كهذا لها في غزة مرة تلو الأخرى”، وأضاف أن “المشكلة لا تكمن في إنجازات الحرب السابقة التي كانت أفضل من التوقعات. المشكلة هي ماذا فعل نتنياهو وترامب منذ ذلك النجاح. والادعاءات في حينه تثير علامات استفهام لدى كثيرين اليوم”.

الخلاصة

في الخلاصة، تكشف الصحف الإسرائيلية عن انقسام واضح بين من يحذر من حرب استنزاف طويلة قد تُنهك الجميع، ومن يرى في المواجهة فرصة لإعادة تشكيل المشهد الإقليمي بالقوة. وبين هذين المسارين، يبقى السؤال: هل تكفي الضربة القاضية لتغيير النظام، أم أن منطق الاستنزاف سيُغرق المنطقة في دورة جديدة من عدم اليقين؟ (المصادر: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، القدس العربي، عرب 48، “الأيام” الفلسطينية، 180 بوست).

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  من إدلب إلى شرق الفرات .. نهاية سياسة الفصل!
مهدي عقيل

أستاذ جامعي، كاتب لبناني

Premium WordPress Themes Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Free Download WordPress Themes
free online course
إقرأ على موقع 180  أميركا تفتقد لمجلس صيانة دستور.. ولبزشكيان!