الفراغ الرئاسي والصراع على صيغة الحكم

معضلة لبنان أنه قائم على التسويات وليس على صيغة غالب ومغلوب. لأنه كذلك، لا تأتي تسوياته بسهولة، بل غالباً ما تكون الحلول معقدة، برغم صغر حجم هذا البلد وعدد سكانه.

لا شك أن التعددية الطائفية بقدر ما كانت مصدر غنى وأثرت تنوع لبنان الثقافي، إلا أنها كانت أيضاً نقمة أعاقت تطوره السياسي والاقتصادي والإجتماعي. ومن مظاهر هذه المعضلة أن الانتخابات الرئاسية اللبنانية تواجه محظور الفراغ مع نهاية كل عهد رئاسي وأحياناً لفترات طويلة، وهذا ما شهدنا عدداً من فصوله منذ العام 1988 حتى يومنا هذا.

بعد إنتهاء الحرب الاهلية اللبنانية في العام 1990، شهد لبنان فراغاً في رئاسة الجمهورية للمرة الأولى في العام 2007 بعد انتهاء ولاية الرئيس إميل لحود ثم في العام 2014 بعد انتهاء ولاية الرئيس ميشال سليمان. كان الخلاف في الحالتين السابقتين متمحوراً حول موقع لبنان الإقليمي.

تمت الانتخابات في العام 2008، إثر مؤتمر الدوحة، على أساس لا غالب ولا مغلوب فانتخب قائد الجيش العماد ميشال سليمان رئيساً بوصفه حلّاً يُرضي الجميع. وفي المرة الثانية (عام 2016)، تم انتخاب حليف حزب الله، العماد ميشال عون، مؤسس التيار الوطني الحر، رئيساً للجمهورية، في تعبير عن موازين القوى المحلية والإقليمية في تلك اللحظة.

حالياً، يمر لبنان بالفراغ الرئاسي الثالث بعد انتهاء ولاية ميشال عون في الحادي والثلاثين من تشرين الأول/أكتوبر 2022. في الظاهر، هناك خلاف حول هوية الرئيس المقبل ولكن في المضمون هو خلاف على صيغة الحكم وموقع لبنان الإقليمي في المرحلة المقبلة.

هذه المرة تختلف مقاربة الأطراف السياسية للانتخابات الرئاسية، ولا سيما التيار الوطني الحر. فالمسألة الأولى التي يقف عندها التيار البرتقالي هي رفضه لمرشح “الثنائي الشيعي” رئيس تيار المردة سليمان فرنجية وكذلك للمرشح الجدي الثاني قائد الجيش الحالي العماد جوزيف عون. يعتبر التيار الحر أنه لا يمكن الاستمرار بصيغة الحكم الحالية وهو يُحمّلها مسؤولية إفشال عهد ميشال عون. هذه الصيغة تقوم على تسويات بين الأطراف الرئيسية في البلاد ولو كانت على حساب الإصلاح السياسي والاقتصادي وكانت تؤدي، في جزء منها، الى تهميش دور المسيحيين.

وعندما حاول العماد عون إطلاق ورشة إصلاحات اقتصادية، وُوجه من قبل الأطراف السياسية التقليدية الممسكة بمفاصل السلطة منذ العام 1992 بالمعارضة والعرقلة. لذلك اعتبر رئيس التيار الوطني الحر، جبران باسيل، أن انتخاب فرنجية سوف يؤدي إلى إعادة إحياء المنظومة التي حكمت لبنان بعد الطائف. أما بالنسبة الى جوزيف عون الذي أتى به العهد العوني إلى قيادة الجيش، فإن سر رفضه يتراوح بين الخلاف معه حول أدائه داخل المؤسسة العسكرية ورفضه الإنصياع لـ”الأوامر العونية” وبين الخشية من دور مستقبلي له في الساحة المسيحية.

المسألة الثانية التي يقف عندها التيار الوطني هي فشل عهد ميشال عون في تحقيق إصلاحات اقتصادية وبالتالي فهو يسعى الى أن يكون له تأثير وازن في انتخاب الرئيس المقبل، ذلك أن سقوط شعارات الإصلاح سيرتد سلباً على شعبية التيار الذي نادى منذ تأسيسه بالإصلاح وسمى تكتّله النيابي بتكتل الإصلاح والتغيير. ولكن عندما استلم السلطة تبين له أن الحكم في لبنان قائم على توازن دقيق لتوزيع الصلاحيات وبالتالي لا يستطيع أن يحكم رئيس الجمهورية منفردا. من هنا كان موقف عون بأن لبنان لا يمكن أن يُحكم بثلاثة رؤوس (رئاسات الجمهورية ومجلس النواب والحكومة).

لا أظن أن العوامل التي أدت الى اتفاق الطائف متوفرة اليوم، فلا قرار من أي طرف لبناني بإشعال الحرب ولم يعد الواقع السياسي والديموغرافي للمسيحيين يتحمل صراعات دموية، بالإضافة إلى ذلك ليس لدى الأطراف المسيحية قدرة عسكرية ومادية على إشعال الحرب

موقف عون الأصلي المعارض لاتفاق الطائف، هو ما استفز بري وجعله في موقع المعارض للعهد. بالنسبة لبري فإن ما أنجزه من دور سياسي كبير خلال فترة ما بعد الطائف لم يحصل في تاريخ رئاسة مجلس النواب ولا لدى القيادات الشيعية. لذلك يعتبر أن مشروع عون هو الانقلاب على الطائف ومحاولة إعادة إحياء المارونية السياسية من جديد..

الاشكالية التي تواجه التيار هي عدم قدرة جبران باسيل على طرح نفسه كمرشح رئاسي وذلك لعدة أسباب منها أن واشنطن فرضت عقوبات عليه والخصومة الواسعة التي يواجهها من القوى السياسية التقليدية، والعامل المهم هو أن “الثنائي الشيعي” يُفضل فرنجية لأنه على علاقة جيدة مع معظم القوى السياسية اللبنانية وليس لديه مشروع لإعادة صياغة الحكم وبالتالي لن يكون مستفزاً لأحد، بما في ذلك دول الخليج.

فشل حتى الان التيار الوطني الحر بتغيير صيغة الحكم وما سوف يعزز من فشله هو خلافه الجديد مع حزب الله حول اجتماعات حكومة تصريف الاعمال. بخسارة حليفه الرئيسي، أي حزب الله، والمعارضة القوية التي ووجه بها من قبل بري ونجيب ميقاتي سوف تضعف قدرته على تزكية الرئيس القادم.

إقرأ على موقع 180  أردوغان ينتشر في إدلب.. فيختفي الجولاني

بعد تجربة ميشال عون في الحكم، أصبح التيار الوطني الحر أكثر إدراكا لأهمية ودور صيغة الحكم في تعزيز الدور المسيحي في النظام الطائفي وموقع رئاسة الجمهورية في أي عملية إصلاحية. والسؤال الذي يطرح نفسه هل ينجح التيار في مشروعه؟

بناء على تجارب سابقة، يمكن القول إن أي عملية تغيير لصيغة الحكم في لبنان غير ممكنة إذا لم تتغير موازين القوى الداخلية ويجب أن يتوافر الحاضن الخارجي للتغيير. عندما طالب المسلمون بتغيير صيغة الحكم قبل الحرب الاهلية كي تعكس الاحجام الديموغرافية للطوائف خصوصاً وأن أعداد المسلمين قد زادت كثيرا عما كانت عليه عند تأسيس الكيان عام 1920 رفض المسيحيون مطلبهم، وكان لهذا المطلب دوره في إشعال حرب اهلية استمرت 15 عاماً. ولم يُؤخذ بمطالب المسلمين حتى تم توقيع اتفاق الطائف عام 1989 حيث عُدل الدستور وتساوى المسلمون والمسيحيون في توزيع المقاعد والوظائف. لا أظن أن العوامل التي أدت الى اتفاق الطائف متوفرة اليوم، فلا قرار من أي طرف لبناني بإشعال الحرب ولم يعد الواقع السياسي والديموغرافي للمسيحيين يتحمل صراعات دموية، بالإضافة إلى ذلك ليس لدى الأطراف المسيحية قدرة عسكرية ومادية على إشعال الحرب وبالتالي فإن مشروع التيار لتغيير الحكم غير ممكن وكل ما يقوم به من محاولات ضغط سوف تزيد من عزلة التيار وتعقّد المشهد السياسي في البلد، خاصة في ظل ما يحصل من تطورات في الإقليم وأبرزها الإتفاق السعودي ـ الإيراني برعاية الصين.

لقد أخطأ التيار الوطني الحر برفع سقفه الإصلاحي من دون الاخذ بالاعتبار التوازنات السياسية والطائفية، وبالتالي على قيادته أن تجري مراجعة نقدية لمشروعها الإصلاحي وآليات التغيير في ظل إنتفاء القدرة على قلب الطاولة داخلياً وتوجه الخارج لخفض حدة التوتر الداخلي لمصلحة إدارة الأزمة. فالأسس التي ينطلق منها التيار مبنية على تناقضات، فهو يريد تعزيز الدور المسيحي في النظام الطائفي وفي الوقت ذاته يريد تغيير صيغة الحكم من أجل تنفيذ مشروعه الإصلاحي. هناك أصبح ما يشبه الإجماع بين اللبنانيين أن الطائفية والإصلاح لا يجتمعان، فمن يريد تنفيذ مشروع إصلاحي عليه أن يعتمد خطاباً وطنياً غير فئوي، ولعل تجربة التيار الحر خير دليل على ذلك، فهو لم يحقق إنجازات على الصعيد الوطني وانجازه الأبرز كان من خلال قانون انتخابي حسّن التمثيل المسيحي في مجلس النواب، ولكن في الملفات الاقتصادية الأساسية مثل الكهرباء التي استلم ملفها عبر وزارة الطاقة منذ أكثر من عقد ونصف من الزمن.. فشل فشلاً ذريعاً في إصلاحها.

إذا إستمر مناخ التفاهم الإقليمي (السعودي ـ الإيراني) بالتدحرج الإيجابي، فإن مناخ التوتر السني الشيعي الداخلي سيتراجع وبالتالي يضعف دور العناصر و”التفاهمات” الطائفية الأخرى التي كانت بمثابة بدل عن ضائع منذ العام 2005 حتى يومنا هذا. هل ثمة من يقرأ هذه التطورات؟

Print Friendly, PDF & Email
عباس عاصي

أكاديمي وكاتب لبناني

Download WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Nulled WordPress Themes
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  دياب: الإحتياطي في العام 2002 قارب الصفر ولم تقم القيامة؟