“عَلِيّ”.. وفرضيّة “الباطن” داخل الإسلام

بعد أن تناولنا بعض التّصوّرات التّاريخيّة ونقدها (ونقد نقدِها) في الجزأين السّابقين، نتناول في هذا الجزء جانباً أساسيّاً يُعنى بتحوّل قضيّة وشخصيّة "عَلِيّ" إلى رمز صوفيّ (Mystique)، داخل الثّقافة الإسلاميّة بمختلف مذاهبها. سنرى أيضاً كيف أنّ الأسئلة المتأتّية من مقابلة التصوّرين السّائدَين حول شخصيّة "عليّ" من جهة، وشخصيّة "معاوية" من جهة أخرى: تدفع وعيَ الإنسان ولا-وعيَه (الفرديَّ والجماعيَّ) بقوّة مؤلمة واقعاً إلى طرح أسئلة حول الوجود نفسه وحول المعنى الكامن والباطن وراء تواجدنا في هذه الدّنيا.

لنتركْ جانباً نقاشَ صحّة التّصوّرات السّائدة بين المسلمين حول شخصيّة “عليّ” من جهة، وشخصيّة “معاوية” من جهة أخرى. ولنتركْ بطبيعة الحال نقاش الحُكم الدّينيّ أو المذهبيّ أو العقائديّ في ذاته على هذا التّصوّر أو ذاك، أو على هذه الشّخصيّة أو تلك. ولنُركّز على مجموعة من الأسئلة التي تتّخذُ إلى اليوم طابعاً إنسانيّاً وعالميّاً في واقع الأمر، ولو كان ذلك انطلاقاً من تلك التّراجيديا العلويّة كما سمّيناها، والتي غدتْ رمزاً إسلاميّاً وربّما عالميّاً، وبكلّ ما لكلمة (رمز) من (معنى) ظاهر أو باطن دفين:

  • ما هو معيار “نجاح” شخصيّة ما في هذا التّاريخ الإنسانيّ وفي هذا الوجود ككلّ؟
  • هل هو معيار محض مادّي ودنيويّ… و”ظاهر” كما يُعبّر البعض؟
  • هل يُؤخذُ النّجاحُ من زاوية النّتائج النّهائيّة المادّيّة فقط؟ هل العبرة هي “في ما حصل” ظاهراً، كما يُردّد البعض (ومنهم بعض المفكّرين المادّيّين، وبعض الفلاسفة الوجوديّين المتأثّرين بجان بول سارتر ومدرسته مثلاً)؟
  • ماذا عن ذوي النّيّات الحسنة، أو لنقلْ: ذوي الشّخصيّات “النّقيّة” و”النّظيفة”… من الذين لم يستطيعوا النّجاح من الزّاوية المادّيّة بسبب ظروف معيّنة، أو بسبب سياقات موضوعيّة كبيرة الحجم نسبيّاً طوّقت امكانيّات نجاحهم المادّيّ؟
  • هل هي صحيحة تلك النّظريّة الواعية واللّا-واعية التي تعتبر: أنّ “الآدميّ” الذي لم ينجحْ بسبب “أوْدَمتِه” كما نقول بالعاميّة… هو “فاشل”، أو هو “بسيط” غير ملمّ بشؤون الدّنيا وبالحياة؟

أعتقدُ أنّنا هنا أمام أسئلة جوهريّة تعني البشريّة جمعاء بمختلف ثقافاتِها وأديانِها ومذاهِبها الرّوحيّة وغير الرّوحيّة. في الواقع، نُلاحظُ أنّ أغلب التّيّارات الفكريّة والرّوحيّة تدّعي – في الظّاهر أقلّه – أنّ معيار النّجاح لا يُمكن أن يكون على أساس “أنّ الغايةَ تُبرّر الوسيلة”، أو على أساس لا يأخذ الأخلاقَ والاستقامة الخُلقيّة والسّلوكيّة بالاعتبار.

ومع ذلك، نرى كثيراً من المثقّفين وإلى اليوم، ومنهم أصدقاء وأحبّة، ومنهم أدباء ومفكّرون من الطّراز الرّفيع: “يهيّصون” للنّماذج-المثاليّة ذات النّجاح المبنيّ على ما يتعارضُ – في الأعمّ الأغلب – مع ما نسمّيه عادةً وعُرفاً بالأخلاق أو بالأخلاقيّات. نرى كثيراً من العوامّ، ولكن أيضاً من المثقّفين: يهيّصون للانتصارات المادّيّة البحتة (مهما كانت الوسائل المعتمدة للوصول إليها)… مع تبخيس وذمّ ضمنيَّين (وظاهرَين في بعض الأحيان) “للمهزوم” مادّيّاً، ولو كان هذا المهزوم قد قدّم كلّ الحجج البيّنة على مظلوميّته وعلى عدم تمكّنه – موضوعيّاً وبما لا يتصادم مع أخلاقيّاته وقيمه – من قَلب أو تَغيير النّتيجة المادّيّة النّهائيّة الظّاهرة.

أوّلاً؛ الثّقافة الشّيعيّة.. وفرضيّة “عقدة معاوية الباطنيّة”:

إذا عُدنا إلى قضيّة النّموذجَين-المثاليَّين (شبه الأسطوريَّين) لشخصيّة عليّ من جهة وشخصيّة معاوية من جهة أخرى، فمفارقة مهمّة تكمن حقيقةً في أنّه: حتّى ضمن كثير من البيئات “الشّيعيّة”… فهناك “تهييصٌ” لا يزال يحصل لكثيرٍ من النّماذج القريبة من نموذج “معاوية” ذاك.

ولا يعني ذلك فقط ملوكَ وسلاطينَ إيران الصّفويّة مثلاً، أو بعضَ حكّام الدّولة الفاطميّة وما إلى ذلك من أمثلة تاريخيّة معروفة: وإنّما تمتدّ تجلّياتُهُ إلى زماننا هذا… والصّور كثيرة وعديدة، والمبرّرات المُساقة مثلها كثيرة وعديدة.

ومن نماذج ذلك ما نسمعه في بعض الصّالونات ذات الطّابع الإسلاميّ الشّيعيّ في زماننا هذا، وفي بلاد متعدّدة، من قَبيل: “أنّ معاوية لا يُهزم إلّا من قبل مُعاوية آخر”. أو “أنّ الطّائفة يلزمها مُعاوية”. أو “أنّ فلان هو )مُعاوية شيعيّ(، وهو ضرورة لفوز شيعة عليّ في هذا الزّمان”… وما إلى ذلك من ظواهر يعلمها الأكثرون، ويجهلها القليلون أو المتجاهِلون.

ضمن الثّقافة الشّيعيّة-العلويّة تحديداً: هل يُمكننا الحديث عن “عقدة مُعاوية” عند كثيرٍ من الشّيعة؟ وهي عقدةٌ قد تكون من النّوع اللّا-واعي والدّفين والباطنيّ طبعاً، والمقموع من قبل النّفس الفرديّة والجماعيّة كما يفسّر أهل التّحليل النّفسانيّ من جماعة سيغموند فرويد أو من جماعة كارل غوستاف يونغ وغيرهم.

هي فرضيّة أؤمن بصحّتها إلى حدّ بعيد، وأعتقد أنّ على علماء ونخب الشّيعة – في وقتٍ لاحقٍ ربّما: العمل على الغوص في النّفس الجماعيّة لـ”شيعة أهل البيت” بهدف فهم هذه العقدة وتحليلها وحلّها ربّما. وإلّا فهُم برأيي أمام معضلات فكريّة وتاريخيّة وعقائديّة وأخلاقيّة كبيرة في ما يخصّ بعض الظّواهر “الأمويّة” بين أيديهم… في السّلطة وفي القيادة وفي المال. وقد تمتدّ الأمثلة إلى بعض الظّواهر ضمن المؤسّسات العلمائيّة نفسها، فترى مشايخ وفقهاء يتحرّكون عمليّاً في سبيل خدمة السّلاطين والزّعماء (والأنانيّات الشّخصيّة طبعاً)، والتّغطية على تصرّفات هؤلاء التي تُوصفُ عادةً ونموذجيّاً “بالأمويّة”… لدرجة أنّ الباحثَ والمحلّلَ قد يحسّ أحياناً بتواجد “معاوية” في بعض اللّا-وعي الشّيعيّ أكثر من تواجده في اللّا-وعي الخاصّ بغير الشّيعة… وهذه مسألة بحثيّة مهمّة نتركها لمناسبات أخرى إن شاء الله تعالى.

ثانياً؛ التّراجيديا-الرّمزيّة.. واستفزاز البُعد الباطنيّ في الإنسان:

لا شكّ في أنّ فاجعة أو تراجيديا أمستْ بهذا الحجم التّاريخي والسّيكولوجيّ-الاجتماعيّ والوجدانيّ والرّمزيّ (أقصد ما سمّيناه بالتّراجيديا السّياسيّة “العلويّة” بشكل خاص): لا شكّ في أنّها تولّد عادةً تموّجات ثوريّة ضخمة وعميقة ومُزمنة (وعنيفة الطّابع في الأغلب). وهذا ما حدث – وما زال يحدثُ – في ما يخصّ البُعد الظّاهريّ في الثّقافة والتّاريخ والمجتمعات الإسلاميّة… ومن تجلّياته الرّمزيّة المعروفة شعار “هيهات منّا الذّلّة!” الحُسينيّ الكربلائيّ مثلاً وما إلى ذلك من رموز كُبرى.

ولكنّني أعتقد أنّ الثّورة أمام تراجيديا بهذا الحجم وبهذا العمق (اللّا-واعيّ خصوصاً) تتخطّى (بل تخطّت فعلاً) بُعد الحركة السّياسيّة والاجتماعيّة الظّاهرة أو الظّاهريّة إن صحّ التّعبير. فمن الممكن طرحُ فرضيّة أخرى تتلخّص برأيي في ما يلي:

 إنّ حجمَ التّراجيديا العلويّة، وحجمَ الآلام النّاتجة عنها ومنها، وحجمَ الظّلم الذي أحسّ به كثيرٌ من المسلمين منذ وفاة محمّدٍ رسولِ الله “التّاريخيّ”، وعند محطّاتٍ جوهريّة من التّطوّر الدّيناميكيّ للتّاريخ الإسلاميّ… قد تكون أدّت جميعها إلى تقاربٍ – بيِّن أو ضمنيّ – عميقٍ بين:

 ١/ ما يُمكن تسميَتُهُ – عموماً ومع التّبسيط النّموذجيّ المقصود – بالتّيّار أو بالبُعد الصّوفيّ-العرفانيّ-الرّوحانيّ ذي الطّابع الباطنيّ-الرّوحيّ والما-ورائيّ والرّمزيّ الغالب (داخل الثّقافة الإسلاميّة طبعاً)؛

٢/ والتّيّار “العلويّ” بشكل عامّ ومُبسّط أيضاً: وهو يشمل جميع القوى والتّوجّهات والمجموعات والمنظّمات (إلخ.) الموالية مُباشرة لعليّ (كالمذاهب الشّيعيّة على اختلافها)، أو المتعاطفة معه، أو المستاءة من الظّلم الذي تعرّض لهُ وأهل بيته وولْده عبر التّاريخ وبشكل عام.

وبرأيي، يُمكن فهم جوهر هذه الفرضيّة بسهولة، لا سيّما إذا عدتَ إلى الأسئلة التي بدأنا بها هذه الوَرَقة: فمن الواضح أنّ العقلَ الإنسانيَّ ذا البُعد الصّوفيّ-العرفانيّ لا يُمكن أن يتقبّل الفكرة العامّة القائمة على “أنّ الغايةَ تُبرّر الوسيلة”… وعلى “أنّ النّجاحَ هو نجاحُ ظاهرِ الدّنيا”.

إقرأ على موقع 180  الدولة ووظائفها المُصادرة.. "فدرال بنك" نموذجاً!

لا يمكن لعقلٍ كهذا العقل، برأيي، أن يتقبّل وجهات نظر مادّيّة وظاهريّة كالتي ذكرناها آنفاً. فمنذ متى، حسب هذا العقل، يقبل العقلُ السّليم والقلبُ السّليم باستحسانِ انتصاراتِ “المنحرِفين” و”أهلِ الدّنيا”، فقط لأنّهم انتصروا؟ ومنذ متى تؤخذ النّجاحات بظاهرها المادّيّ؟ ومنذ متى يتقبّل العقلُ السّليم والقلبُ السّليم أنّ الفوزَ هو فوزُ الحياة الدّنيا، وفوزُ العاجِلة على الآجِلة، وفوزُ الظّاهر على الباطن… وفوزُ الفانِي من الإنسان على الباقي منهُ (وفوزُ النّتيجة المادّيّة على النّيّة، وقد علمتَ أنّ الأعمالَ عندهم إنّما تكونُ بِالنّيّات)؟

لا شكّ في أنّ مجرّد طرح الأسئلة التي بدأنا بها هذا الجزء: يستفزّ عقلاً كهذا العقل وبشكل عميق. وهو عقلٌ، كما ذكرنا سابقاً: يعتبر عموماً أنّ الحياة “الظّاهرة” لا تشكّل إلّا جزءاً صغيراً جدّاً من الحياة “الباطنة” (أي الحياة الحقيقيّة أو الملكوتيّة أو الرّوحيّة إلخ.).

من المرجّح أنّ شبه-أسطورة (أو أسطورة) التّراجيديا العلويّة مع الدّنيا شكّلت نموذجاً-مثاليّاً (واعياً ولا-واعياً) مهمّاً جدّاً لهذا النّوع من الفكر الإنسانيّ المتواجد طبعاً داخل الإسلام وداخل جميع الأديان والمدارس الرّوحيّة (قبل وبعد الرّسالة المحمّديّة). ولذلك، لا ينبغي أن نتفاجأ عندما نسمع أو نقرأ عن التّمجيد العظيم الذي يتكرّر ذكره لعليّ ولأهل بيته داخل عددٍ كبيرٍ من الزّوايا والتّكايا والطّرق الصّوفيّة، حتّى قال بعضهم إنّ جميع الطّرق الصّوفيّة تنسب نفسها – روحيّاً، وربّما عائليّاً – إلى عليّ بن أبي طالب… إلّا واحدة – كما نسمع عادةً في مجالسهم – وهي النّقشبنديّة والتي تنسب نفسها إلى الخليفة أبي بكر… لكن عبرَ ابنه محمّد بن أبي بكر!

وهذه طبعاً إشارةٌ باطنيّة ذات مغزىً كبير في الثّقافة الإسلاميّة… لعلمنا بطبيعة العلاقة بين محمّد بن أبي بكر من جهة، وبين عليّ بن أبي طالب من جهة أخرى، حتّى أنّ محمّداً هذا كانَ عمليّاً من “المُستشهَدين بين يدَي” أبي الحَسن[1].

ثالثاً؛ المعاناة كأداةٍ لحركة الخيمياء الباطنيّة (بمعنى Al-chimie):

سبق أن أشار عدد من الباحثين إلى هذه الفرضيّة العامّة حول العلاقة الوطيدة المفترضة بين التّيّار أو البُعد الباطنيّ-الرّوحيّ-الصّوفيّ في الإسلام من جهة، وبين التّيّارات العلويّة على اختلافها من جهة أخرى. وقد شكّلت أعمال المفكّر والفيلسوف الفرنسيّ المستشرق هنري كوربان (ت. ١٩٧٨ م) نقطة مفصليّة في هذا الإطار. وهو أحد أهمّ الاختصاصيّين حول العالم في ما يعني فلسفة الشّيخ الصّوفيّ الأكبر، وكبريت الخيميائيّين الأحمر، محيي الدّين بن عربيّ الأندلسيّ الطّائيّ.

ومن المهمّ هنا أن نشير إلى تشديد كوربان، وبشكل خاصّ، على العلاقة بين هذا البُعد الباطنيّ-الرّوحيّ-الصّوفيّ داخل الإسلام: وبين النّزعتَين الإسماعيليّة داخل التّيّارات الشيّعيّة من جهة، والسّيناويّة بشكل عام (نسبةً إلى الشّيخِ الرّئيس، والجوهرِ المعرفيِّ النَّفيس، ابن سينا) من جهة ثانية.

ليسَ من المستغرب عندي أبداً أن يغدوَ “عليّ” (كنموذج-مثاليّ) رمزاً كبيراً من رموز التّيّار أو البُعد الصّوفيّ-العرفانيّ داخل الإسلام. وقد حكى لي أحد شيوخ الصّوفيّة القادريّة المغاربيّة في فرنسا أنّ كثيراً من متصوّفة أهل السّنّة والجماعة يعتبرونَ إلى اليوم – ظاهراً، وفي الأغلب باطناً: أنّ “عليّاً” هو بلا منازع الخليفة الرّوحيّ “لمحمّد” (دون أن يؤثّر ذلك البتّة على رأيهم في مسألة خلافة أبي بكر وعمر وعثمان… السّياسيّة والتّاريخيّة لا الرّوحيّة).

إنّ جوّ المعاناة الدنيويّة العميقة يسهّل نموّ التّيّارات الباطنيّة-الرّوحيّة ضمن جميع الثّقافات. فكما يُردّد أهل التّصوّف والعرفان: إنّ الابتلاء عندهم هو نعمة يُنزلها اللّه على الإنسان حتّى لا يتعلّق بالدّنيا، ولكي يلتفتَ بالتّالي إلى الأبعاد الباطنيّة في الوجود. حسب هذا النّوع من التّفكير، تُصبح الثّورة الحقيقيّة: ثورةً على الباطل والظّلم “الظّاهريَّين” طبعاً… لكن قبل أيّ شيء آخر: تصبحُ ثورةً على الدّنيا بأجمعها وبزخرفها وبقناطيرها المقنطرة وبسلاطينها وبفاسديها وبملذّاتها وبمغرياتها الخدّاعة خداعَ الغَرور.

وتصبح ثورةً، في باطن الباطن، على هدفٍ طغيانيّ-حجابيّ أوحد حقيقيّ: هو النّفس الإنسانيّة التي تأمر بالسّوء وبالفحشاء، وبالأنانيّة وبحبّ النّفس، وتغرّ صاحبَها فلا يلتفتُ إلى أنّ الهدف من التّواجد في هذه الدّنيا ليس الدّنيا نفسها، وإنّما “ما فوقها” (أو “ما وراءها”).

علينا برأيي أن نعمّق دراسة هذه الفرضيّة قيد الطّرح والنّقاش، لكن من تلك الزّاوية تحديداً: زاوية المعاناة الدّنيويّة التي تولّد بدورها رحلة التّعالي (Transcendance) الباطنيّة الرّوحيّة السّرّيّة، أي الخيميائيّة (Alchimiste).

في النّهاية، قد تكون هذه الفرضيّة وبرأيي: أهمّ ما ينعكس علينا اليوم من جانب نموذج “عليّ” المثاليّ، ومن عظمته كنموذج عالميّ تصلُ تأثيراتُه ربّما إلى مستوى الفكر الإنسانيّ ككلّ… وهي طبعاً فرضيّة مدعّمة ومدعومة من داخل التّراث الشّيعيّ-العلويّ-الإسلاميّ نفسه، حتّى ذهب شاعر مسيحيّ لبنانيّ كبولس سلامة إلى أن يُنشد في هذا البُعد الخيميائيّ للقضيّة في المعروف عنه من الأبيات:

إنّما الخَلقُ كُلّهم لَعيالُ اللهِ

والشّهمُ منْ يكونُ تقِيَّا

فيولّي عن الظّلامِ، منيراً

كلَّ من راحَ في الظّلامِ غوِيَّا

تاركاً بعدَهُ من الخيرِ دنياً

وَمِن الذّكرِ هيكلاً سرْمَديَّا (…)

هوَ فخرُ التّاريخِ لا فخرُ

شعبٍ يدّعيهِ ويصطفيهِ وليَّا (…)

جلْجَلَ الحقُّ في المسيحيِّ حتّىْ

عُدَّ منْ فرطِ حبِّه عَلَوِيَّا (…)

يا سماءُ اشْهَديْ! ويا أرضُ قِرّيْ،

واخْشَعيْ: إِنّنيْ أردتُ “عليَّا”!

 أنصحُ بالتّأكيد بالاستماع إلى – وبمشاهدة – الطّريقة الخيميائيّة ذات السّرّ لإلقاء بعض هذه الأبيات، من قبل العلّامة المرحوم سماحة السّيد محمّد حسين فضل الله. ولنتذكّر على الدّوام كيف يستخدم الخيميائيّ في الظّاهر النّار ومختلف أنواع “الآلام” على المادّة حتّى يحوّلها إلى مادّة من نوع أرفع وأسمى… وكذلك تقوم المعاناة والمجاهدة في الباطن بتذويب نفس الإنسان وتعنيفها لكي تتزكّى وترتفع روحيّاً (وذلك للخيميائيّ لَهُوَ الفوزُ العظيم):

[1] لا تكتفي فرق النّقشبنديّة بمختلف تشعّباتها – عموماً – بهذا “النّسب” مع الإمام عليّ، بل تذكر عادةً صلات أخرى ذات سرّ روحيّ بيّن أو ضمنيّ: عبر الإمام جعفر الصّادق مثلاً وعبر سلمان الفارسيّ وغيرهما. ندعو القارئ بحقّ إلى محاولة الاطّلاع على هذه الإشارات الرّوحيّة بين طرق الصّوفيّة من جميع المذاهب الإسلاميّة من جهة، وبين عليّ بن أبي طالب (الإنسان، أو المفهوم، أو الرّمز إلخ.) من جهة أخرى.

Print Friendly, PDF & Email
مالك أبو حمدان

خبير ومدير مالي، باحث في الدراسات الإسلامية، لبنان

Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes
free online course
إقرأ على موقع 180  فورين أفيرز: روسيا "ليست نمراً من ورق".. هذه "خُرافة أميركية"!