هبة الشارع اللبناني.. تلاقي الساحات

أكثر من أربع وعشرين ساعة، كانت كفيلة بإتساع الحراك الشعبي في الشارع اللبناني، إحتجاجا على سياسات الحكومة، وخصوصا توجهها لفرض ضرائب جديدة على الفقراء وذوي الدخل المحدود.

ككرة ثلج بدا ما تشهده شوارع لبنان وساحاته منذ عصر أمس الخميس. الزخة الأولى إنطلقت بعيد الرابعة عصراً بعد دعوة إنتشرت كإنتشار النار في الهشيم عبر مواقع التواصل الإجتماعي للتظاهر رفضاً لحزمة ضرائب تسرب عبر الصحف الصباحية أن الحكومة متجهة إلى فرضها؛ على خدمة المخابرات عبر الواتساب،على البنزين، وصولاً إلى رفع الضريبة على القيمة المضافة.

هذه النار تشبه تلك التي شاهد اللبنانيون مثيلها على مدى يومين عبر محطات التلفزة وهي تجتاح الأحراج وتحرق البيوت والقلوب، فيما السلطة عاجزة منذ عقود عن وضع خطة إستباقية لما تحمله الطبيعة في كل موسم تشريني، فإنفجر الغضب.

منظمة “لحقي” وهي منظمة قاعدية منتشرة في مناطق عدة لا سيما في بيروت والشوف وعاليه كانت أول من وجه الدعوة التي لباها نحو 100 شخص بالتجمع في ساحة رياض الصلح. “هناك أطلقنا الشرارة، ومنها إنتقلنا إلى مصرف لبنان في الحمراء، فوزارة الداخلية ثم وسط بيروت من جديد، وفي الطريق كانت الجموع تنضم إلينا بشكل عفوي” يقول ماهر أبو شقرا الناشط في المنظمة لموقع 180. أخذت الموجة تكبر وتغذي بعضها، وينتقل صداها من منطقة إلى أخرى. غضب الناس واحد، لكن تعبيراتهم مختلفة. المهم أن الشرارة إندلعت.

النزول العفوي إلى الشارع تأطر شيئاً فشيئاً. إنضمت مجموعات من المجتمع المدني إلى الحراك في بيروت والمناطق من دون أن يتحول إلى حركة بقيادة موحدة وواضحة. كما أن الشعارات السياسية التي أطلقت في غير ساحة وشارع عكست تسلل “أجندات” سياسية ربما، (إسقاط الحكومة، إسقاط العهد، إعلان حالة الطوارىء وتسليم السلطة للجيش) لكنها لم تحجب الصرخة الأساس: غضب الناس وضيق صدرهم من السياسات الإقتصادية.

أمام تعاظم الحركة الإحتجاجية وتشكيلها حالة عابرة للمناطق والطوائف خلال ساعات قليلة، وجدت هيئات المجتمع المدني نفسها أمام أسئلة وتحديات.

إجتماعات مفتوحة. تشكيل خلية طوارىء تضم كل المجموعات الأساسية (لحقي، المرصد الشعبي، طلعت ريحتكم، بيروت مدينتي…). لا تبدو المهمة سهلة أمام هؤلاء. بداية لجهة التوافق حول وحدة الشعارات التي يُخاض بها الحراك، الذي “نجح منذ اللحظة الأولى في تحقيق هدف مهم وهو إسقاط الضرائب التي كانت الحكومة تنوي فرضها” وفق ما يقول الناشط في حملة “بيروت مدينتي” طارق عمار، الذي يشدد على أمرين أساسيين لنجاح التحرك الشعبي هما:

المهم أن يُترك للشارع قوة الدفع كي يفرض شعاره وسقفه على أن يكون واقعياً

أولاً، أن يبقى عفوياً ومتنوعاً، وأن يبقى محرراً من القيادة التي تولد وجوهاً تسمح للسلطة بمهاجمتها، والإكتفاء بمواكبة من الخلف لدوزنة المطالب وجعلها واقعية وعملية.

ثانياً، أن يبقى قائماً في المناطق كافة، لا أن يتحول إلى حراك مركزي في ساحة أو إثنتين على غرار ما كان يحصل في السابق.

الدعوة لمواكبة نبض الشارع يؤيدها ماهر أبو شقرا الذي يقول “المهم أن يُترك للشارع قوة الدفع كي يفرض شعاره وسقفه على أن يكون واقعياً”. والواقعي هنا بنظر أبو شقرا قد يكون “بتشكيل حكومة طوارىء إنقاذية مصغرة من خارج قوى المحاصصة تؤمن العدالة الإقتصادية”. أي أن نطلق شعاراً محدداً وواضحاً نكون قادرين على تحقيقه.

إذاً شرط النجاح هو قوة دفع الشارع المنزهة عن الإستخدام في الإصطفافات الداخلية، والقدرة على تقديم بديل يفرض نفسه على طاولة السلطة التي فشلت في إنقاذ البلد من أزماته المتمادية فهل ينجح اللبنانيون هذه المرة؟ يقول طارق عمار لموقع 180 إن “إنفلات الأمور وارد”، لكنه إحتمال لن يلجم غضب الموجودين في الشارع . الحل هو “بالتوازن بين توقعات الناس والممكن لا بالذهاب إلى شعارات مثل إسقاط النظام”، التي أسقطت حراكات سابقة وأبقت النظام وأهله على كراسيهم.

لا تفاؤل بقدرة الحراك على تغيير النظام أو هزه. لذلك، يصبح شعار “إسقاط النظام” شعاراً كلاسيكياً تطلقه حناجر المحتجين كلما تجمعوا حول قضية كبرت أو صغرت، فلا طبيعة التركيبة اللبنانية ولا الظروف الإقليمية تسمح بتغيير من هذا النوع، لكن المشهد الذي يحتل الشاشات اللبنانية منذ 24 ساعة غير مسبوق. وما أفرزته الساحات غداة إغتيال الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط / فبراير 2005 من معسكرين (8 و14 آذار)، نجح هذا الحراك في تبديده، فإنقلبت الحشود التي أفرزت قيادات هذين المعسكرين وأعادت تجديد ولاءها لها ثلاث مرات منذ العام 2005 حتى الآن. مشهد جديد تبدى في الساعات الأخيرة، عندما غدت ساحتا “الشهداء” و”رياض الصلح” ساحة واحدة يلونها علم واحد هو العلم اللبناني.

هذه مشهدية يُعول عليها، ناهيك عن شريحة لها وزنها ترمي بثقلها في الحراك هم متقاعدو الجيش اللبناني الذين يستكملون حراكاً بدأوه منذ طرح تخفيض سلسلة الرتب والرواتب. وفي مقدمة هؤلاء العميد شامل روكز الذي وجه الى رئيس الجمهورية ميشال عون دعوة لتغيير الحكومة وتشكيل حكومة مصغرة. فهل تلاقي دعوته رؤية بعض هيئات المجتمع المدني لحكومة إنقاذ مصغرة، أم تمثل مفتاحاً لعنوان أوسع هو إيلاء الجيش دورا أكبر في إدارة البلاد؟ وبالتالي يأخذ بالحراك نحو المحظور من الأجندات على غرار مصادرة العسكر للحراكات الشعبية في بعض الدول العربية؟

الأيام المقبلة قد تحمل إجابات عما قد تنجح “قوة دفع” الشارع اللبناني في تحقيقه.

جمانة بعلبكي

صحافية لبنانية

Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
udemy paid course free download