جاء في البيان الصادر عن مراقب الدولة، متنياهو إنغلمان، أن الإصدار “يشمل أربعة تقارير تفحص تعامل أجهزة الحكم مع حالات الطوارئ”. وعدّد الجوانب التالية: التحصين والإيواء في السلطات المحلية؛ تحصين المستشفيات؛ جاهزية ونشاط سلطة الضرائب في تعويض أضرار الحرب؛ وجاهزية جهاز التعليم للتعلّم في حالات الطوارئ وتشغيله خلال الحرب.
وقال المراقب: “عندما لا تستعد الحكومة وقيادة الجبهة الداخلية والسلطات المحلية بالشكل المناسب في أوقات السلم، فإنّ مواطني إسرائيل يتضررون عند اندلاع الأزمة. التقارير التي تُنشر اليوم تؤكد الأهمية الحاسمة لرقابة الدولة، إذ تكشف أوجه القصور في عمل مختلف السلطات التي لم تستعد لتقديم الخدمات اللائقة للمواطنين، وتُبرز الحاجة إلى تصحيح الإخفاقات بصورة فورية”.
وضع السلطات المحلية: ملايين السكان بلا تحصين
فحص مكتب مراقب الدولة بين شهري آذار (مارس) وتشرين الثاني (نوفمبر) 2024، موضوع التحصين والملاجئ في خمس سلطات محلية: بلديات أشكلون (عسقلان)، جفعتايم، حولون؛ المجلس المحلي البعنة؛ والمجلس الإقليمي الجلبوع (يضم 33 بلدة، بينها 8 كيبوتسات، 14 موشاف، 6 بلدات جماهيرية و5 قرى عربية)؛ إضافة إلى التجمعات العربية البدوية في النقب. كما أُجريت فحوصات استكمالية في قيادة الجبهة الداخلية، وزارة التربية والتعليم، وزارة البناء والإسكان، وسلطة تطوير واستيطان البدو في النقب. وبناءً على طلب لجنة شؤون رقابة الدولة بتاريخ 4 حزيران (يونيو) 2024، فحص المكتب كذلك قرار وزارة المساواة الاجتماعية والنهوض بمكانة المرأة إغلاق غرفة الطوارئ (غرفة العمليات) لدعم المجتمع العربي.
وتبين أن نحو ثلاثة ملايين إنسان لا تتوافر لهم إمكانية الوصول إلى غرفة محصّنة، أو ملجأ، أو أي وسيلة تحصين معيارية أخرى. وقال المراقب: “غياب التحصين يعرّض الأرواح للخطر. ثلث سكان إسرائيل غير محميين بشكل مناسب من الصواريخ، ومن بينهم أكثر من 42 ألف نسمة يقيمون في بلدات تقع على مسافة تصل إلى 9 كيلومترات من الحدود مع سوريا ولبنان”.
وأظهرت المراقبة أنّ قيادة الجبهة الداخلية اختارت تجميد تنفيذ المرحلة الثانية من خطة التحصين على مستوى السلطات المحلية، من دون توفير خطة بديلة. وكان من المفترض أن تضمن خطة “درع الشمال” للعام 2018 جاهزية الجبهة الداخلية لحالات الطوارئ، إلا أنّ الميزانية التي خُصصت لتنفيذ الخطة كانت أقل من نصف المبلغ الذي قررت الحكومة تخصيصه، وحتى هذه الميزانية لم تُستغل بالكامل. وبحسب المراقب: “اتخذت الحكومة قراراً بشأن خطة متعددة السنوات من دون تخصيص مصادر ميزانية لها”.
كما كُشفت إخفاقات عديدة في صيانة الملاجئ العامة في السلطات المحلية التي خضعت للفحص: فنحو 12% من الملاجئ العامة في إسرائيل لا يمكن المكوث فيها؛ إذ عُثر خلال المراقبة على ملاجئ متسخة، بلا كهرباء، مغمورة بالمياه، أو ذات مخارج طوارئ مسدودة. أما في المجتمع العربي، فالوضع أشد خطورة: إذ أن أقل من نصف في المائة من الملاجئ العامة في إسرائيل تقع في البلدات العربية، وفي قسم منها لا يمكن المكوث. قرابة نصف مليون طفل تعلّموا في مدارس من دون تحصين معياري حتى آذار (مارس) 2024. ولم تكن لدى وزارة التربية والتعليم معطيات حول التحصين المعياري في أكثر من 50% من رياض الأطفال.
في مرمى الصواريخ: مستشفيات ومدارس معرّضة للإصابة

يقول مراقب الدولة إن “إصابة الصاروخ الإيراني لمستشفى سوروكا يجب أن تُحدث صدمة للحكومة. لا بد من معالجة فجوات التحصين في المستشفيات”. وقد بيّنت المراقبة أنّ 56% من أسرّة الاستشفاء و41% من غرف العمليات في المستشفيات العامة غير محصّنة. وفي المستشفيات الكبيرة القريبة من الحدود، فإنّ 56% من غرف القسطرة وتصوير الأوعية الدموية غير محصّنة. ويزداد الوضع سوءاً في المستشفيات النفسية، حيث نحو 75% من أسرّة الاستشفاء غير محصّنة، وفي مستشفيات المسنّين، حيث نحو 63% من الأسرّة بلا تحصين.
ويضيف المراقب أنه خلال الحرب، بما يشمل الحرب القصيرة مع إيران، اضطرت مستشفيات إلى نقل أقسام كاملة إلى مواقف سيارات تحت الأرض، إلا أنّ العديد من المستشفيات لا تتوافر لديها مواقف محصّنة كهذه. كما أنّ المواقع المعرّفة على أنّها “الأكثر تحصيناً الممكن” والتي تعمل فيها المستشفيات، ليست محصّنة وفق المعايير فعلياً. ويُخشى أن تكون قدرة العديد من المستشفيات على مواصلة تقديم الخدمات الطبية لكافة السكان خلال حرب شاملة وطويلة محدودة.
وهنا يؤكد التقرير: “لقد أوضحت الحرب أنّ الدولة بأكملها معرّضة لتهديد الصواريخ والقذائف، وليس فقط المستشفيات القريبة من الحدود، ومن هنا تبرز أهمية تحصين جميع المستشفيات”.
فالمستشفيات دخلت حالات الطوارئ والحرب وهي تعاني فجوات خطيرة في التحصين المادي والجاهزية التشغيلية. فعدد غير قليل من أقسام الاستشفاء، بما فيها أقسام حيوية، لا يتمتع بتحصين معياري وفق متطلبات قيادة الجبهة الداخلية، ولا تتوافر لدى بعض المستشفيات قدرة كافية وسريعة على نقل المرضى والطواقم إلى مساحات محصّنة عند التعرض للقصف، ولا سيما في المستشفيات القديمة.
ويشير التقرير إلى أن هذه الفجوات ليست تقنية فحسب، بل ناتجة عن إخفاقات في التخطيط والتمويل والتنسيق بين الجهات المسؤولة، وعلى رأسها وزارة الصحة ووزارة المالية وقيادة الجبهة الداخلية. فلم تُستكمل حتى الآن خطة وطنية شاملة ومموّلة لتحصين المستشفيات على المدى المتوسط والبعيد، كما أن تنفيذ المشاريع القائمة يسير بوتيرة بطيئة ولا يواكب سيناريوهات القتال متعدد الجبهات. وبدل حلول بنيوية دائمة، جرى في أحيان كثيرة الاعتماد على ترتيبات مؤقتة لا تضمن حماية كافية ولا استمرارية علاجية سليمة.
ويحذرمراقب الدولة من أن استمرار هذا الوضع قد يعرّض حياة المرضى والطواقم الطبية للخطر، ويقوّض قدرة الجهاز الصحي على أداء دوره خلال حرب طويلة أو طوارئ ممتدة. ويوصي التقرير ببلورة خطة وطنية متعددة السنوات بميزانيات مضمونة وجداول زمنية واضحة، مع إعطاء أولوية لتحصين الأقسام الحيوية التي لا يمكن تعطيلها، وتحديث خطط الطوارئ والتدريب الدوري للطواقم، بما ينسجم مع المكانة المركزية للمستشفيات في منظومة الأمن الصحي الوطني (…).
ويُظهر تقرير مراقب الدولة “الاستنتاج المقلق بأنّ جهاز التعليم لم يستخلص العبر اللازمة من أزمة كورونا”. وبحسبه “على الرغم من توصيتنا منذ العام 2021 بشأن التدريس والتعلّم عن بُعد خلال فترة كورونا، لم تُنجز وزارة التربية والتعليم بعد إعداد خطة استراتيجية وطنية متعددة السنوات لتعزيز التعلّم الرقمي. إذ أظهرت استطلاعات المديرين والأهالي التي أجراها مكتب مراقب الدولة أنّه حتى خلال الحرب كان هناك نقص ملحوظ في وسائل التعلّم والتدريس عن بُعد. وكذلك في الوصول إلى الملاجئ”. ومؤكداً على أن “جهاز التعليم غير جاهز” ويفصّل: “أظهر استطلاع أجريناه أنّه في نحو 40% من المدارس التي شملتها العيّنة، لم يتمكّن جميع الطلاب من الوصول إلى الملاجئ خلال زمن الإنذار” (…).
توصيات موجهة للسلطات المحلية والجيش والسلطة المركزية
ويخلص التقرير إلى أنه في ضوء النتائج التي كُشِف عنها في فحص الملاجئ العامة في السلطات التي شملها التدقيق، يُوصى لقيادة الجبهة الداخلية بزيادة عدد فحوصاتها للتأكّد من التزام السلطات المحلية بالتعليمات والمتطلبات التي حدّدتها. كما يُوصى بإعطاء أولوية لفحص الملاجئ التي لم تُفحَص إطلاقاً في السنوات الأخيرة، بدل إجراء فحوصات متكرّرة للملاجئ التي سبق فحصها، ولا سيّما تلك التي تبيّن أنّها صالحة.
ويقول تقرير مراقب الدولة إنّ الفجوات في الاستجابات الحكومية المقدّمة لتلبية احتياجات الطوارئ في المجتمع العربي “تبرز الحاجة إلى أن يعمل مكتب رئيس الحكومة، بالتعاون مع وزارة المساواة الاجتماعية، على إقامة هيئة تنسيقية شاملة، قادرة على حشد الوزارات الحكومية، والسلطات المحلية، والهيئات العامة ذات الصلة، لسدّ الفجوات في الجاهزية المدنية لحالات الطوارئ، من أجل تقليص الأضرار المحتملة التي قد تلحق بالمواطنين نتيجة الحرب”.
ولغرض تنفيذ برنامج «درع الشمال»، تلقّت قيادة الجبهة الداخلية فعلياً خلال الأعوام 2019–2024 مبلغاً إجمالياً قدره 1.406 مليار شيكل، (نحو 440 مليون دولار) منها 869 مليون شيكل في العام 2024 وذلك بالرغم من أنّ قراراً حكومياً نصّ على ضرورة تخصيص مبلغ 3 مليارات شيكل لتنفيذ البرنامج خلال هذه الفترة (500 مليون شيكل سنوياً). كما تبيّن أنّ تنفيذ الميزانيات التي خُصِّصت حتى نهاية العام 2024 بلغ نحو 733 مليون شيكل فقط، أي ما يقارب 52% من إجمالي الميزانية التي خُصِّصت فعلياً. ويُشار إلى أنّ هذا المبلغ يعكس المدفوعات التي نُفِّذت فعلياً حتى تموز (يوليو) 2025، ولا يشمل التزاماتٍ مالية إضافية لم تُنفَّذ بعد بالدفع.
ويتعيّن على الطاقم الوزاري المشترك، برئاسة مجلس الأمن القومي، استكمال فحص الفجوات وصياغة خطة متعدّدة السنوات مموّلة، بالتنسيق مع رئيس قسم الميزانيات في وزارة المالية والمدير العام لوزارة الدفاع، مع التركيز على فجوات التحصين في البلدات الواقعة على خطوط المواجهة في الشمال والجنوب، وذلك تمهيداً لعرضها على المجلس الوزاري المصغّر (الكابينيت).
(*) لمراجعة النص كاملاً على موقع “مدار”
