تُطرح فكرة «الشعب اللبناني» غالبًا بوصفها حقيقة بديهية: جماعة وطنية تجمعها هوية واحدة ووعي سياسي مشترك. غير أن النظر في البنية الاجتماعية والتاريخية لـ لبنان يكشف أن هذه الفكرة أقرب إلى افتراض أيديولوجي منها إلى واقع اجتماعي متحقق. فالمجتمع اللبناني، منذ نشأة الكيان الحديث، يتكوّن من جماعات طائفية متمايزة، لكل منها شبكات تضامنها ومصالحها السياسية وروايتها الخاصة للتاريخ. لذلك تظهر الانقسامات فيه غالبًا على نحو عمودي يقطع المجتمع بأسره، بدل أن تتبلور فيه انقسامات أفقية تجسد الصراع بين الفئات والطبقات الاجتماعية داخل فضاء وطني واحد.
يمكن فهم هذه الظاهرة بوضوح أكبر من خلال المقاربتين اللتين قدّمهما كل من مهدي عامل ومسعود ضاهر. فمهدي عامل، في إطار تحليله المستند إلى الاقتصاد السياسي وقراءة مادية للتاريخ، يرى أن الطائفية ليست مجرد بقايا ثقافية أو دينية، بل هي شكل سياسي محدد لتنظيم المجتمع وإعادة إنتاج السلطة فيه. في هذا المنظور لا تظهر الطوائف كجماعات روحية فحسب، بل كأطر سياسية تُعاد عبرها صياغة الصراعات الاجتماعية. فبدل أن يتجسد التناقض الاجتماعي في شكل صراع طبقي أفقي، يُعاد تنظيمه في صورة انقسامات طائفية عمودية. وبهذا المعنى تصبح الطائفية آلية فعالة لتفتيت المجتمع ومنع تشكّل وعي اجتماعي موحد، أي منع تشكّل «شعب» بالمعنى السياسي الحديث.
من جهته، يضيء المؤرخ مسعود ضاهر على الجذور التاريخية لهذا التشكل. فمن خلال عمله في التاريخ الاجتماعي يُبيّن أن المجتمع في جبل لبنان ثم في الكيان اللبناني لم يتطور ضمن إطار دولة مركزية متجانسة، بل عبر توازنات بين جماعات دينية واجتماعية مختلفة تشكلت في سياق تحولات اقتصادية وسياسية طويلة، ولا سيما منذ القرن التاسع عشر مع اندماج المنطقة المتزايد في الاقتصاد العالمي. وقد أدت هذه التحولات، إلى جانب تدخل القوى الخارجية، إلى ترسيخ البنى الطائفية بوصفها أطرًا لتنظيم المجتمع والسلطة معًا. وهكذا لم تتبلور هوية وطنية جامعة بقدر ما ترسخت هويات جماعية متوازية.
عند الجمع بين هاتين المقاربتين تتضح الصورة أكثر. فالطائفية ليست مجرد وعي زائف أو خطاب سياسي عابر، بل بنية اجتماعية تاريخية تعيد إنتاج نفسها عبر الدولة والمؤسسات والاقتصاد. لذلك لا يتجسد الانقسام في لبنان في اختلاف سياسي عادي داخل شعب واحد، بل في انقسامات عمودية تمس تعريف القضايا الأساسية نفسها. ويظهر ذلك بوضوح في مسألة تعريف «العدو» أو تحديد موقع البلاد في الصراعات الإقليمية والدولية: فالقضية التي تُعرَّف لدى فئة واسعة باعتبارها قضية تحرر وطني قد تُعرَّف لدى فئات أخرى بوصفها عبئًا أو تهديدًا للاستقرار. هذا التباين لا يعكس مجرد اختلاف في الرأي السياسي، بل يعكس انقسامًا أعمق في البنية الاجتماعية والمرجعيات التاريخية والولاءات السياسية.
يمكن فهم هذا الانقسام العامودي عبر ربطه بالهياكل الاقتصادية القائمة منذ نشوء الدولة الحديثة، حيث تتقاطع الطائفية مع توزيع الموارد الاقتصادية والسياسية. فالانقسام الطائفي ليس مجرد اختلاف ثقافي أو مذهبي، بل إطار يعبّر عن تفاوت السيطرة الاقتصادية بين الجماعات المختلفة، ويعيد إنتاجها عبر المؤسسات السياسية والدولة الطائفية.
تاريخيًا، شكّلت النخب المسيحية في لبنان العمود الفقري للقطاع المالي والتجاري. هذا الامتياز ليس مسألة صدفة، بل نتاج مسار تاريخي طويل ارتبط بخصائص الاقتصاد اللبناني تحت الانتداب الفرنسي، وبدعم القوى الأوروبية خصوصاً فرنسا، وبتركيز رأس المال التجاري والصناعي في المدن الكبرى.
وفق تحليل مسعود ضاهر، فإن “الجماعات” المسيحية اكتسبت ميزتها الاقتصادية من التفاعل مع الاقتصاد العالمي منذ القرن التاسع عشر، وبخاصة من خلال تجارة الحرير والصناعات الصغيرة والتمويل المحلي، ما منحها القدرة على بناء شبكات اقتصادية قوية ومستقلة نسبيًا عن الفلاحين والمجتمعات الريفية.
من جانب آخر، يرى مهدي عامل أن هذه الهيمنة الاقتصادية لم تكن مجرد امتيازات مالية، بل أداة لإعادة إنتاج الهيمنة السياسية والاجتماعية: النخب المسيحية بدعم من الاستعمار الفرنسي وبدور بارز للكنيسة استثمرت موقعها المالي في تشكيل الدولة الطائفية، وتوظيف الطائفية كآلية لإدارة الصراعات الاجتماعية والسياسية، والحفاظ على موقعها المهيمن داخل السلطة اللبنانية. فبفضل التحكم في رأس المال والخدمات المالية والتجارية، استطاعت هذه النخب أن تؤثر بشكل مباشر على التشريعات والسياسات، وأن تحدد أولويات الدولة بما يخدم مصالحها الاقتصادية والسياسية.
ضمن هذا المسار التاريخي يمكن فهم أحد أبرز الانقسامات السياسية في لبنان: الموقف المتباين من القومية العربية أو المشروع العروبي. فجزء مهم من النخب السياسية المسيحية في لبنان نظر تاريخيًا إلى العروبة بوصفها تهديدًا محتملًا لخصوصية الكيان اللبناني ولموقع الجماعات المسيحية فيه. تعود جذور هذا الموقف إلى ظروف تشكّل الكيان نفسه في ظل فرنسا بعد الحرب العالمية الأولى، حين تبلور تصور للبنان باعتباره كيانًا متميزًا عن محيطه العربي أنشأته فرنسا الاستعمارية للمسيحيين عموماً وللموارنة خصوصاً. وفي هذا السياق ارتبطت بعض الاتجاهات الفكرية والسياسية المسيحية بفكرة «الخصوصية اللبنانية» أو حتى بنزعات فينيقية ثقافيًا وسياسيًا، ما جعل المشروع العروبي المرتبط بحركات التحرر العربية في منتصف القرن العشرين، يُواجه بالرفض والريبة.
النخب السنية لم تمتلك نفس السيطرة على رأس المال الكبير، لكن لديها حضور تجاري في المدن وأسواق المال الصغيرة. ومع صعود المشروع العروبي في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، خصوصًا في ظل حقبة جمال عبد الناصر، وجد هذا المشروع صدى واسعًا في أوساط سنية وشرائح شعبية رأت فيه إطارًا للتحرر من الهيمنة الغربية ودعمًا للقضية الفلسطينية. لكن هذا الميل شهد تحولات عميقة لاحقًا، ولا سيما بعد نهاية الحرب الأهلية اللبنانية. ففي مرحلة ما بعد الحرب، ومع صعود المشروع الاقتصادي والسياسي المرتبط بـ رفيق الحريري، برز اتجاه جديد داخل البيئة السنية يمكن وصفه بأنه انتقال من أفق سياسي قومي إلى أفق اقتصادي-ليبرالي. قامت الحريرية على إعادة دمج لبنان في الاقتصاد العالمي عبر نموذج اقتصادي قائم على الخدمات والمال وما أصطلح على تسميته بمشروع إعادة الإعمار. وفي هذا الإطار تراجعت مركزية الخطاب العروبي التحرري لصالح خطاب يضع الاستقرار الاقتصادي والعلاقات مع الغرب ودول الخليج، في موقع الأولوية.
بقيت الجماعة الشيعية تاريخيًا على هامش التراكم الاقتصادي في لبنان، وبخاصة في القطاعات المالية والخدماتية الكبرى، نتيجة تركزها في الأطراف وضعف اندماجها المبكر في الاقتصاد التجاري-المالي. غير أن هذا الموقع بدأ يتغير تدريجيًا عبر مسارين متداخلين:
الأول، هو صعود رأس المال الاغترابي، خصوصًا من أفريقيا، والذي ساهم في تحسين الموقع الاقتصادي النسبي عبر الاستثمار والإيداعات وتمويل الشبكات المحلية.
أما المسار الثاني، فهو التحول السياسي-الأيديولوجي الذي أعقب الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، والذي لعب دورًا حاسمًا في إعادة تنظيم الجماعة الشيعية في لبنان. فقد وفّرت هذه الثورة إطارًا أيديولوجيًا جامعًا عزز الهوية السياسية، ودعمًا ماديًا وتنظيميًا ساهم في بناء مؤسسات اجتماعية وخدماتية، ورافعة سياسية وعسكرية أعادت تموضع الشيعة كقوة فاعلة في الداخل اللبناني خصوصاً مع تعاظم دور حزب الله في المقاومة.
هذا التحول لم يكن اقتصاديًا بالمعنى الكلاسيكي (أي سيطرة على المصارف أو رأس المال المالي)، لكنه ساهم في خلق بنية مؤسساتية موازية (تعليم، صحة، خدمات)، ما عزز من قدرة الجماعة على إعادة إنتاج نفسها اجتماعيًا وتعزيز دورها السياسي خارج القنوات التقليدية للنظام الاقتصادي.
بالتالي، يمكن القول إن تحسن موقع الشيعة لم يكن نتيجة عامل واحد، بل حصيلة تفاعل بين رأس المال الاغترابي، والتحول السياسي بعد الثورة الإيرانية، وبناء قوة تنظيمية مرتبطة بالمقاومة.
لكن، برغم ذلك، بقيت هذه التحولات جزئية من حيث اختراق المركز المالي للنظام اللبناني، حيث استمرت البنية المصرفية والتجارية الكبرى خارج سيطرة مباشرة لهذه الجماعة.
في هذا السياق، تكتسب القوة السياسية والاجتماعية، خصوصًا عبر المقاومة والتنظيم، دورًا مركزيًا، إذ تشكّل تعويضًا عن محدودية الاندماج في مركز النظام الاقتصادي، لا بديلاً كاملاً عنه. وهنا يتقاطع التحليل مع ما طرحه مهدي عامل حول أن الطائفية تعيد تنظيم الفوارق الاجتماعية بدل أن تلغيها، ومع ما يبيّنه مسعود ضاهر من أن تطور الجماعات في لبنان جرى عبر مسارات غير متكافئة تاريخيًا.
عند الجمع بين هذه المسارات المختلفة تتضح طبيعة الانقسام العمودي في المجتمع اللبناني. فالتباين لا يقتصر على اختلاف البرامج السياسية، بل يمتد إلى اختلاف في الرؤى التاريخية والمرجعيات الثقافية وحتى في تعريف القضايا الكبرى، مثل موقع لبنان في محيطه العربي أو تحديد طبيعة العدو والصديق في الصراعات الإقليمية.
من هنا يمكن القول إن الحديث عن «الشعب اللبناني» بوصفه جماعة متجانسة ذات وعي سياسي موحد يبقى إلى حد بعيد تعبيرًا معياريًا أكثر منه توصيفًا سوسيولوجيًا دقيقًا. فالواقع يشير إلى مجتمع تتجاور فيه جماعات متعددة، لكل منها تاريخها السياسي وشبكة علاقاتها ومصالحها، دون أن تندمج بالكامل في إطار هوية وطنية واحدة. وفي هذا المعنى، فإن الانقسام حول الخيارات الكبرى أو حول تعريف العدو ليس عرضًا طارئًا، بل هو انعكاس لبنية اجتماعية تاريخية لم تفضِ بعد إلى تشكّل شعب موحّد بالمعنى الحديث للكلمة.
ما يكشفه الصراع الراهن في لبنان ليس مجرد تباين في الخيارات السياسية، بل استحالة استمرار الوهم القائل بوجود وحدة وطنية متحققة. فالانقسام حول المقاومة والتطبيع وهوية لبنان ليس خلافًا داخل شعب، بل تعبير عن بنية لم تنتج شعبًا بعد.
