الانقسام اللبناني: أزمة المعنى الوطني والمصير المشترك

ليست الأمم مجرد جماعات تعيش فوق الأرض نفسها، بل جماعات تتشارك معنى وجودها فوق هذه الأرض. غير أن هذا المعنى لا يتولد من الوقائع وحدها، بل من الطريقة التي تُفهم بها تلك الوقائع وتُدمج داخل سردية مشتركة تمنحها دلالتها وموقعها في الوعي الجماعي. وبين الحدث وتفسيره، وبين الواقع وإدراكه، يتشكل ذلك العالم الرمزي الذي يجعل جماعة من البشر ترى نفسها شعباً واحداً ومصيراً واحداً ومستقبلاً واحداً.

وحين يضطرب هذا المعنى، تعود إلى الواجهة الأسئلة التي كانت تبدو محسومة: من نحن؟ وما الذي يجمعنا؟ وما الذي يجعل مستقبلنا مشتركاً رغم اختلاف ذاكرتنا وتجاربنا ومصالحنا؟

ومن هنا لا تكشف الحروب موازين القوى فحسب، بل تكشف أيضاً البنية العميقة للمجتمعات التي تخوضها أو تتعرض لها. ففي لحظات الخطر الوجودي لا تختبر المجتمعات قدرتها على الصمود فقط، بل تُجبر على مواجهة الأسئلة التي تؤجلها في أوقات الاستقرار.

ولا تكمن خصوصية الحالة اللبنانية في تعرّضها المتكرر للحروب والأزمات، بل في الطريقة التي يفهم بها اللبنانيون تلك الأحداث ويتفاعلون معها. فكلما واجه لبنان منعطفاً مصيرياً عاد الجدل حول تعريف الخطر ومعنى الوطن وطبيعة المصلحة الوطنية والجهة التي تملك حق اتخاذ القرارات الكبرى التي تحدد مصير البلاد.

وقد أعادت الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان كشف هذه الظاهرة بوضوح. فبينما رأى بعض اللبنانيين في إسناد غزة ومواجهة إسرائيل واجباً وطنياً وأخلاقياً لا يمكن التخلي عنه، رأى آخرون أن الأولوية تكمن في حماية المجتمع والدولة وتجنيب لبنان كلفة الانخراط في حرب لا يملك جميع اللبنانيين قرارها.

غير أن المفارقة لا تكمن في اختلاف الموقفين بحد ذاتهما، بل في أن كلاً منهما يتحدث باسم الوطن نفسه ويستند إلى تصور مختلف للمصلحة الوطنية. فالمؤيد للمقاومة يرى أنه يدافع عن لبنان من خلال حماية سيادته وردع التهديدات التي يتعرض لها، فيما يرى المعترض أنه يدافع عن لبنان من خلال حماية استقراره ومؤسساته ومجتمعه من الانهيار. وهكذا يتحول الحدث الواحد إلى معانٍ مختلفة، لا لأن اللبنانيين يعيشون في أوطان مختلفة، بل لأنهم ينظرون إلى الوطن ذاته من خلال مرجعيات وتجارب ومخاوف متباينة.

ذلك أن الأحداث السياسية لا تدخل إلى الوعي بوصفها وقائع خالصة، بل بوصفها معاني. فالناس لا يستجيبون للوقائع وحدها، بل للمعنى الذي يمنحونه لها. والوقائع لا تتحول إلى قوة سياسية إلا عندما تُدمج داخل سردية تمنحها موقعها ومعناها في الوعي الجماعي. ولهذا لا تنشأ الانقسامات الكبرى من الأحداث ذاتها، بل من الطرق المختلفة التي تُفهم بها تلك الأحداث.

فالوعي الجماعي لا يتشكل من الوقائع وحدها، بل من الذاكرة والخوف والتجربة التاريخية. ولكل جماعة خريطتها الخاصة للمخاوف التي تحدد أولوياتها وتعريفها للمصلحة الوطنية. ومن هنا لا ينشأ الخلاف حول الوسائل فقط، بل حول القيم التي تمنح تلك الوسائل معناها: أيهما أولى، السيادة أم الاستقرار؟ الكرامة أم الأمن؟ مواجهة الخطر أم تجنب كلفته؟

لكن التعدد في المواقف ليس مشكلة بحد ذاته. فالمجتمعات الحية لا تقوم على التطابق الكامل في الرؤى، بل على قدرتها على إدارة اختلافاتها داخل إطار سياسي وأخلاقي مشترك. والمشكلة تبدأ حين تفقد الجماعة الوطنية المرجعية الجامعة القادرة على تحويل هذه القراءات المختلفة إلى فهم مشترك للمصلحة الوطنية وإلى قرار وطني مشترك.

فالجغرافيا أو اللغة أو التاريخ المشترك لا تكفي وحدها لبناء جماعة وطنية متماسكة. إن ما يوحّد المجتمعات حقاً هو وجود معنى مشترك يجعل أفرادها يشعرون أنهم ينتمون إلى مصير واحد، وأن ما يصيب جزءاً من الجماعة يصيبها كلها. وحين يضعف هذا المعنى، لا يعود الخلاف يدور حول الوسائل فقط، بل حول الوطن نفسه وطبيعة الخطر الذي يواجهه والمصلحة التي ينبغي الدفاع عنها.

ومن هذا المنظور لا يبدو الانقسام اللبناني حول الحرب والمقاومة خلافاً سياسياً عابراً، بل تعبيراً متكرراً عن أزمة أعمق تتعلق بضعف المعنى الوطني المشترك وغياب المرجعية الوطنية الجامعة. ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس لماذا يختلف اللبنانيون حول الحرب الراهنة، بل لماذا يعجزون، في كل مرة يواجهون فيها اختباراً مصيرياً، عن تحويل الخطر المشترك إلى وعي وطني مشترك، وإلى مشروع تاريخي يشعر الجميع أنهم شركاء في بنائه كما هم شركاء في تحمّل نتائجه.

حين يتقدم الانتماء على الوطن

ليست المشكلة الكبرى في حياة الأمم أن تتعدد انتماءاتها، بل أن تفقد المبدأ الذي يمنح هذه الانتماءات مكانها داخل الكل. فالجماعات السياسية لا تتماسك لأنها متجانسة، بل لأنها تنجح في بناء معنى أعلى من اختلافاتها، معنى يجعل التنوع ممكناً من دون أن يتحول إلى تفكك، ويجعل الولاءات المتعددة قابلة للاجتماع داخل مصير واحد.

فالوطن، في جوهره، ليس مجرد أرض أو دولة أو عقد قانوني بين أفراد وجماعات، بل هو المرجعية الرمزية والأخلاقية التي تمنح الانتماءات المختلفة أفقاً مشتركاً. إنه الإطار الذي يجعل الاختلاف قابلاً للحياة، ويحول الجماعات من كيانات متجاورة إلى جماعة سياسية واحدة.

غير أن هذا البناء ليس نهائياً. فالوطن لا يعيش بقوة مؤسساته وحدها، بل بقدرته على أن يبقى المصدر الأعلى للمعنى والشرعية. وحين يفقد هذه القدرة، تبدأ الجماعات بالبحث عن يقين بديل. وعندها لا تعود الانتماءات الجزئية مجرد روابط اجتماعية أو ثقافية، بل تتحول إلى عوالم مكتملة تفسر التاريخ والواقع والمستقبل من داخلها، وتعيد تعريف الأولويات والمصالح والخصومات وفق منطقها الخاص.

وهنا تبدأ الأزمة الحقيقية. فالمشكلة ليست أن الجماعات تمتلك هويات مختلفة، بل أنها تبدأ بالتعامل مع هذه الهويات بوصفها مرجعيات سياسية نهائية. وعندما يحدث ذلك، لا يعود الوطن هو الذي يمنح الانتماءات معناها، بل تصبح الانتماءات هي التي تعيد تعريف الوطن وفقاً لمعانيها الخاصة.

ومن هذه اللحظة يتغير معنى السياسة نفسها. فالخلاف لا يعود يدور حول الخيارات، بل حول مصدر مشروعيتها. ولا يعود السؤال: ما المصلحة الوطنية؟ بل: من يملك حق تعريفها؟ ومن يملك حق تحديد الأولويات التي تُبنى عليها؟ ومن يملك حق التحدث باسم الجماعة السياسية كلها؟

ولهذا لا يكمن الخطر في أن ينتمي اللبناني إلى فضاء ديني أو ثقافي أو حضاري أوسع من حدود الدولة، فالتاريخ الإنساني كله قائم على دوائر متداخلة من الانتماءات. وإنما يكمن الخطر في أن تتحول أي دائرة من هذه الدوائر إلى مرجعية سياسية أعلى من المرجعية الوطنية المشتركة. فعند هذه النقطة لا يصبح الانقسام خلافاً داخل الوطن، بل خلافاً على الوطن نفسه.

وعندما تصل الجماعات إلى هذا المستوى من التباعد، تبقى الكلمات واحدة لكن العوالم التي تقف خلفها تصبح مختلفة. الدولة، السيادة، المقاومة، الأمن، السلام، الكرامة؛ جميعها ألفاظ مشتركة، لكن كل جماعة تمنحها معناها الخاص انطلاقاً من موقعها داخل العالم الذي تنتمي إليه. وهكذا يتحول النقاش العام تدريجياً من اختلاف في الرأي إلى اختلاف في الواقع نفسه.

إقرأ على موقع 180  معركة مأرب.. مصير اليمن بين أصابع بلقيس

ومن هنا لا يبدو الانقسام اللبناني تعبيراً عن تنوع سياسي طبيعي، بل عن أزمة أعمق في إنتاج المرجعية الجامعة التي تجعل هذا التنوع قابلاً للاستمرار. فالأمم لا تتفكك عندما تتعدد هوياتها، بل عندما تفقد القدرة على ترتيب هذه الهويات داخل معنى مشترك، وعندما يصبح الجزء قادراً على تعريف الكل أكثر مما يصبح الكل قادراً على احتضان أجزائه.

ولهذا لا يتمثل التحدي اللبناني في الوصول إلى إجماع مستحيل، بل في إعادة تأسيس المعنى الوطني بوصفه الأفق الذي تلتقي عنده الانتماءات المختلفة دون أن تُلغى، والمرجعية التي تستمد منها شرعيتها دون أن تستبدلها. فالأوطان لا تنهض حين تنتصر جماعة على أخرى، بل حين ينجح الجميع في بناء معنى أعلى من انتصاراتهم وهزائمهم ومصالحهم الآنية؛ معنى يجعلهم يرون أنفسهم شركاء في تاريخ واحد ومستقبل واحد ومصير واحد.

من الانقسام إلى أزمة المعنى الوطني

إذا كان الانقسام اللبناني يتكرر مع كل أزمة كبرى، فلأن جذوره أعمق من الوقائع التي تكشفه. فالحروب لا تصنع الانقسامات بقدر ما تكشف حدود المعنى المشترك الذي يفترض أن يحوّل جماعات مختلفة إلى جماعة وطنية واحدة.

ومن هنا لا تبدو الأزمة اللبنانية أزمة خيارات متعارضة بقدر ما تبدو أزمة مرجعية متنازع عليها. فالمشكلة ليست أن اللبنانيين يختلفون حول السياسات، بل أنهم يختلفون حول المعنى الذي يمنح هذه السياسات مشروعيتها الوطنية. وعندما تتعدد المرجعيات، يتحول الخلاف من نزاع على الخيارات إلى نزاع على تعريف الجماعة السياسية نفسها.

ولهذا لا تفقد الدولة قدرتها على أداء وظيفتها الجامعة بسبب ضعف مؤسساتها فقط، بل لأنها تعجز عن التعبير عن معنى وطني يحتكم إليه الجميع. وعندما يغيب هذا المعنى، يتحول الوطن من إطار جامع إلى ساحة تتنافس فيها سرديات متعارضة عن الماضي والحاضر والمستقبل.

ولعل خصوصية التجربة اللبنانية تكمن في أن الكيان سبق اكتمال الأمة. فقد نشأت الدولة فيما ظل السؤال الوطني مفتوحاً على تفسيرات متباينة لمعنى لبنان ووظيفته ودوره. ولهذا كانت الأزمات الكبرى تعيد دائماً فتح الأسئلة المؤسسة نفسها.

غير أن المعضلة الأعمق لا تكمن في غياب معنى وطني متفق عليه فحسب، بل في ضعف القدرة على إنتاج هذا المعنى وتجديده. فالأمم لا تعيش على المعاني التي ورثتها، بل على قدرتها على إعادة إنتاجها كلما تغيرت الظروف وتبدلت التحديات. فالمعنى الوطني ليس ميراثاً يُحفظ، بل قدرة تاريخية تُنتج وتُجدد باستمرار. وحين تضعف هذه القدرة، تبدأ الجماعات بالعيش على ذاكرة ما أنجزته بالأمس أكثر مما تنشغل بإنتاج ما يحتاجه الغد.

غير أن إنتاج المعنى الوطني لا يحدث تلقائياً، بل هو نتاج عمل تاريخي وثقافي ومؤسساتي مستمر؛ وحين تعجز الدولة والنخب والمؤسسات التربوية والثقافية عن أداء هذا الدور، يضعف المعنى المشترك وتتسع قدرة الجماعات على إنتاج مرجعياتها الخاصة.

ومن هنا ظل النقاش اللبناني يدور طويلاً حول إدارة الانقسامات أكثر مما دار حول بناء المشروع القادر على تجاوزها. لقد نجح اللبنانيون مراراً في إنتاج توازنات تمنع الانفجار، لكنهم لم ينجحوا بالقدر نفسه في إنتاج غاية مشتركة تمنح هذه التوازنات اتجاهاً ومعنى.

فالتوازنات قد تمنع الصدام، لكنها لا تبني أمة. والتسويات قد تؤجل الأزمات، لكنها لا تصنع تاريخاً. وما يصنع الأمم هو قدرتها على تحويل اختلافاتها إلى مشروع، لا مجرد قدرتها على تنظيمها.

ولهذا فإن الأمم لا تتوحد لأنها تمتلك ذاكرة واحدة، بل لأنها تنجح في بناء مستقبل واحد. فالماضي يفسر نشأة الجماعات، أما المستقبل فهو الذي يبرر استمرارها معاً. وحين تفقد جماعة سياسية قدرتها على إنتاج أفق مشترك، يبقى كل طرف أسير ذاكرته الخاصة، ويتحول الوطن إلى إطار للتعايش أكثر منه مشروعاً تاريخياً جامعاً.

ومن هنا لا يبدو الانقسام اللبناني سوى أحد تجليات أزمة أوسع: أزمة جماعات ما زالت أكثر قدرة على حماية رواياتها الخاصة من قدرتها على إنتاج رواية وطنية مشتركة.

ولهذا لا يمكن اختزال المأزق اللبناني في تسوية سياسية أو إصلاح مؤسساتي أو توازن جديد للقوى. فجوهر الأزمة يكمن في استعادة القدرة على إنتاج المعنى الوطني نفسه؛ المعنى الذي يحوّل التعدد إلى مشروع، والذاكرة إلى مستقبل، والانقسام إلى إرادة مشتركة لصناعة التاريخ.

الخاتمة

يكشف الانقسام اللبناني حول الحرب والمقاومة حقيقة تتجاوز الحدث نفسه. فالأزمة لا تكمن في اختلاف اللبنانيين حول الخيارات، بل في اختلافهم حول المعنى الذي يضفي على تلك الخيارات مشروعيتها الوطنية ويمنحها موقعها داخل المصير الجماعي.

فالمشكلة ليست في تعدد الانتماءات أو تباين المواقف، بل في غياب المرجعية الوطنية الجامعة القادرة على تحويل هذا التعدد إلى مشروع، وهذا التنوع إلى إرادة مشتركة. وحين يضعف هذا الإطار الجامع، لا يعود الوطن فضاءً يحتضن الاختلافات، بل يصبح موضوعاً تتنازع الجماعات على تعريفه واحتكاره والتحدث باسمه.

غير أن المأزق اللبناني لا يكمن فقط في غياب معنى وطني مستقر، بل في ضعف القدرة على إنتاج هذا المعنى وتجديده. فالتوازنات قد تمنع الانفجار، والتسويات قد تؤجل الأزمات، لكنها لا تؤسس أمة ولا تصنع تاريخاً. ذلك أن الأمم لا تُبنى بإدارة الانقسامات، بل ببناء المشروع الذي يمنح وجودها غايته، ويمنح تضحياتها معناها، ويمنح حركتها في الزمن اتجاهها.

ولهذا لا يتمثل التحدي الحقيقي أمام اللبنانيين في الاتفاق على قراءة واحدة للماضي، فالماضي سيبقى مجالاً مفتوحاً للتأويل والاختلاف. أما التحدي الأعمق فهو القدرة على بناء أفق مشترك للمستقبل. فالأمم لا تتوحد لأنها تتشارك الذاكرة نفسها، بل لأنها تنجح في صياغة غاية تاريخية واحدة ترى فيها جماعاتها المختلفة مبرراً للاستمرار معاً.

ويبقى السؤال الذي يتجاوز الحرب الراهنة وسواها من الأزمات:

هل يستطيع اللبنانيون الانتقال من إدارة الانقسام إلى إنتاج المعنى، ومن منطق التوازن إلى منطق المشروع، ومن التعايش داخل الكيان إلى المشاركة في صناعة مستقبل وطني مشترك؟

فمن دون ذلك سيبقى لبنان جماعات تتقاسم دولة. أما مع ذلك، فقد يصبح وطناً قادراً على تحويل تعدده إلى قوة، وذاكرته إلى أفق، وانقساماته إلى إرادة جامعة؛ وطناً لا يكتفي بالتعايش مع التاريخ، بل يشارك في صناعته.

Print Friendly, PDF & Email
علي العزي

كاتب، أكاديمي، لبنان

Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes
online free course
إقرأ على موقع 180  هل يُغرِق ترامب العرب في بحر.. غزة؟