النازح اللبناني.. حين يُصبح الأمان محلّ نقاش!

في كل مرة تشتعل فيها الحرب في لبنان، يعود مشهد النزوح ليحتل الواجهة. سيارات محمّلة بما تيسّر من الأمتعة؛ عائلات تغادر على عجل؛ أطفال يتركون غرفهم ومدارسهم وألعابهم، وشيوخ يودّعون بيوتاً لا يعرفون إن كانوا سيعودون إليها قريباً. لكن ما يثير القلق أكثر من مشهد النزوح نفسه هو الطريقة التي يتحوّل فيها النازح، بعد أيام قليلة، إلى مادة للجدل السياسي والسجال الاجتماعي، وكأننا ننسى أنّ الحديث يدور، أولاً وأخيراً، عن مواطن لبناني اضطر إلى مغادرة منزله قسراً بحثاً عن الأمان.

النزوح ليس خياراً. لا أحد يترك منزله وأرضه وذكرياته وأسلوب حياته بإرادته. ولا أحد يختار العيش في مدرسة أو عند أقارب أو في منزل مستأجر يرهق إمكاناته المالية إذا كان يملك بديلاً آمناً. لذلك، فإنّ التعامل مع النازحين يجب أن ينطلق من حقيقة بسيطة: هؤلاء ليسوا ضيوفاً على وطنهم، بل مواطنون يمارسون حقاً أساسياً من حقوق الإنسان، وهو الحق في الحماية والأمان.

ربما تختلف الآراء حول أسباب الحرب ومسؤولياتها ونتائجها. وربما تنقسم المواقف السياسية، كما جرت العادة في لبنان. لكن يجب أن يبقى هناك حد أدنى من الإجماع الوطني: لا يجوز أن يُترك أي لبناني وحيداً في مواجهة الخوف والنزوح والتشرد. فحين يصبح الأمان محلّ نقاش، تصبح فكرة المواطنة نفسها في خطر

خلال الأشهر الماضية، أظهرت فئات واسعة من اللبنانيين مستوى عالياً من التضامن الإنساني. فُتحت البيوت، وقُدّمت المساعدات، وتحركت البلديات والجمعيات والأفراد لتعويض جزء من غياب الدولة. لكن، بالتوازي مع ذلك، ظهرت أصوات تنظر إلى النازحين باعتبارهم عبئاً أو مشكلة أو تهديداً لمصالح المناطق المستضيفة. وهي مقاربة لا تظلم النازحين فقط، بل تظلم المجتمع اللبناني بأسره.

عندما يهرب مواطن من منطقة تتعرض للقصف، فإنّ أولويته ليست السياسة ولا الاصطفافات ولا الحسابات الضيقة. أولويته أن يحمي أطفاله وعائلته. ومن حقه أن يجد مكاناً آمناً داخل بلده من دون أن يُعامل وكأنه متهم يحتاج إلى تبرير وجوده. فالكرامة الإنسانية لا تتجزأ، وحق الإنسان في الأمان لا يسقط بسبب انتمائه السياسي أو الطائفي أو الجغرافي.

المشكلة الحقيقية ليست في النازحين، بل في غياب الدولة القادرة على إدارة الأزمات. فالضغط الذي تعانيه المناطق المستضيفة سببه نقص الخدمات وضعف البنية التحتية وغياب التخطيط، وليس وجود عائلات اضطرت إلى الفرار من الخطر. ولو كانت مؤسسات الدولة أكثر استعداداً وكفاءة، لما تحوّل التضامن الأهلي إلى البديل الوحيد في مواجهة أزمة بهذا الحجم.

ومن المؤسف أن يتحول بعض الخطاب العام إلى عملية فرز بين “نازح مستحق” و”نازح غير مستحق”، أو بين منطقة تستحق التعاطف وأخرى لا تستحقه. فالحروب لا تميّز بين اللبنانيين، والخوف من الموت لا يسأل عن الهوية السياسية لمن يهرب منه. لذلك، فإنّ أي دفاع عن حق النازحين هو، في جوهره، دفاع عن حق كل لبناني في أن يشعر بأن وطنه يحميه عندما يصبح في خطر.

الأمان ليس منّة من أحد، بل هو حق. والنازح اللبناني لا يطلب امتيازات خاصة، بل يطلب الحد الأدنى الذي يجب أن تضمنه أي دولة لمواطنيها: سقفاً آمناً، وتعليماً لأطفاله، ورعاية صحية عند الحاجة، وفرصة للعودة إلى منزله عندما تسمح الظروف بذلك.

ربما تختلف الآراء حول أسباب الحرب ومسؤولياتها ونتائجها. وربما تنقسم المواقف السياسية، كما جرت العادة في لبنان. لكن يجب أن يبقى هناك حد أدنى من الإجماع الوطني: لا يجوز أن يُترك أي لبناني وحيداً في مواجهة الخوف والنزوح والتشرد. فحين يصبح الأمان محلّ نقاش، تصبح فكرة المواطنة نفسها في خطر.

لهذا السبب، فإنّ الدفاع عن النازحين ليس موقفاً سياسياً، بل موقف أخلاقي وإنساني ووطني. والدفاع عن حقهم في الأمان هو دفاع عن صورة لبنان التي نريدها: دولة تحمي مواطنيها، ومجتمعاً لا يتخلى عن أبنائه عندما يحتاجون إليه أكثر من أي وقت مضى.

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  إسرائيل تُحدِّث خططها الحربية.. ماذا بعد الإنتخابات الأميركية؟
Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Nulled WordPress Themes
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  لبنان بين "الأمة المستحيلة" و"اليوتوبيا المتعددة الطوائف"