هناك عند قلعة الشقيف، تسلّق شاب القلعة ومزّق علم إسرائيل، بل ورماه في الوادي البعيد، ومكانه رفع العلم اللبناني.. ليست المرة الأولى، بل في كل حرب يتكرر المشهد، ربما بتفاصيل مختلفة وأسماء لشباب آخرين، ولكنه هو هو؛ يفاجئنا اللبنانيون نساءً وشبابًا وأطفالًا وشيوخًا ورجالًا ومقاتلين مقاومين محبين لأرضهم.. وهناك وقفت فاطمة، العائدة بعد لحظات فقط من إعلان وقف إطلاق النار، لتردد على الجنود الصهاينة المختبئين خلف الشجرة، أو هكذا بدأت، تقول لهم: ارحلوا، فهذه الأرض ليست لكم، وها قد عدنا، وتعيدها وتقترب بنظرات مليئة بفرح العودة.
***
يبهرك اللبنانيون، فما إن تتوقف مكنة الموت القادمة من السماء والبحر حتى تزدحم الطرقات «غير السالكة» إلى الضاحية والجنوب والبقاع وكل أرض استباحوها. تكتظ الشوارع، أو ما نجا منها من قصفهم، والأزقة والأوتوسترادات العريضة التي نالها نصيب من ذلك الدمار. ازدحمت الطرق بالنازحين في عرباتهم التي تكدست فوقها فرش الإسفنج، تلك التي أصبحت مرادفة للنزوح الدائم في لبنان.
***
الآلاف يتسابقون ليحضنوا ما تبقى من منزل أو محل أو مزرعة صغيرة أو غيرها، رغم أن التحذيرات من بقايا قنابل لم تنفجر، أو حتى ألغام، تزداد، إلا أن عشقهم أقوى من خوفهم ربما. لم توقفهم الجسور المحطمة، بل خاضوا في مياه الأنهار ومجاريها، في مشهد أعاد لنا ما رأيناه في 2006، هو هو، وهم أنفسهم ربما، بعد أن خسروا أفرادًا آخرين من عائلتهم أو جيرانهم أو أصحابهم، يتدفقون دون انتظار. لا دموع هنا إلا دموع فرح العودة وحزن الذين رحلوا. فتيات يرفعن أيديهن بعلامات النصر، وأخريات ينشدن الأغاني، وأطفال يبحثون بين ركام بيتهم عن أي من بقايا ألعابهم وأشيائهم الحميمة. لا تزعجهم زحمة السير واكتظاظ الطرقات، كعادتهم في أيامهم السابقة للحرب، بل يردد بعضهم بأنها «أحلى زحمة»، أو كما يقول اللبناني «أحلى عجقة سير».
***
يبهرك اللبنانيون بحبهم للحياة وأرضهم، كما رأينا أهل غزة وفلسطين، الماسكين على الجمر والموت، المتشبثين بتراب الأرض وملح بحرهم. وصل الجنوبيون، أو بعضهم، إلى قراهم وبلداتهم قبل أن تخرج الدبابات الإسرائيلية «ميركافا»، أو بعضها، كانوا هم الماسكين بتراب الأرض أسرع من الماسك على زر الموت والدمار! طارد الأطفال الجنود الإسرائيليين الذين كانوا، حتى قبل أقل من شهر، يحلمون بالبقاء والعيش هنا على هذه الأرض، جنوب الجنوب!
***
بقي على اللبنانيين الآن أن يدفنوا موتاهم، هناك فسحة، إلا أن المقابر أصابها ما أصابها من مجازر على اتساع وطن. قال الأخوان: سندفن أمنا وأخانا هنا في بيروت حتى نستطيع نقلهم إلى مقابرنا في النبطية جنوبًا. كم محزن أن لا يجد الشهيد حفرة في أرضه وحفنة من تراب فوقه. تساقطت الوجوه والأسماء الآن، هناك فسحة أو بعض فسحة للبكاء على من رحلوا، هناك وهناك، وفي كل بقعة من تلك الأرض.. أطفال ونساء، شاعرات وفنانات وكُتاب وصحفيون ومهندسون وأطباء ومسعفون وكثيرون غيرهم. الآن يستطيع اللبنانيون أن يتنفسوا قليلًا بعيدًا عن رائحة الموت، ويقوموا بطقوس الحب للأرض والإنسان الذي دافع عنها، وفي انتظار جولة أخرى من حرب الإبادة، ستفتح بيروت، بل كل لبنان، أذرعها للقادمين بقلوبهم الباحثين عن معنى العيش بكرامة وعزة.
وكأنهم يرددون ما قاله محمود درويش: «إنهم يحبون الحياة أيضًا»، نعم، هم من يحب ويعرف معنى الحياة.
(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية
