ظاهريّاً، كان مؤتمر بوتسدام مخصّصاً لإدارة ألمانيا المهزومة، وترتيب الحدود والتعويضات ومناطق النفوذ، واستكمال الحرب ضدّ اليابان، لكن تحت سطح التحالف الذي هزم هتلر كانت الثقة بين واشنطن وموسكو تتآكل سريعاً. كانت الجيوش السوفيتيّة قد ثبتت وجودها في قلب أوروبا الشرقيّة، فيما بدأت الولايات المتّحدة تنظر بقلق إلى شكل آسيا بعد انهيار الإمبراطوريّة اليابانيّة. وبين القوتين ظهرت فجأة ورقة لم يعرف التاريخ مثيلاً لها: السلاح النوويّ.
لم تُصمّم القنبلة الذريّة في الأصل لمواجهة الاتحاد السوفيتيّ؛ فقد وُلد مشروع مانهاتن من الخوف من أن تسبق ألمانيا النازيّة الحلفاء إلى امتلاكها، ثم تحوّل بعد سقوط ألمانيا إلى مشروع موجّه ضد اليابان. غير أنّ القنبلة، ما إن أثبتت نجاحها، لم تعد مجرد سلاح آخر في ترسانة الحرب، بل أصبحت أيضاً أداة سياسية ودبلوماسية استثنائية: فمن يستطيع أن يمحو مدينة بقنبلة واحدة لا يدخل مفاوضات ما بعد الحرب بالوزن نفسه الذي كان يملكه قبلها. ومن هنا تبدأ القصّة الثانية لهيروشيما وناغاساكي. ليست قصّة الفيزياء والانشطار والنيوترونات، فقد تناولنا ذلك في المقالة الأولى، بل قصّة السياسة والقوة والتوقيت: ماذا كان يدور بين ترومان وستالين بينما كانت القنابل تُجهّز في جزيرة تينيان؟ ولماذا استعجل السوفييت دخول الحرب؟ وهل كانت إبادة مدينتين يابانيتين بالفعل ضرورة عسكرية لا بديل عنها، أم أن السلاح النووي تحوّل أيضاً إلى استعراض قوة موجّه إلى موسكو في اللحظة التي كانت تتشكّل فيها ملامح الحرب الباردة؟
الجزء الأوّل: همسة بوتسدام والسّر الذي لم يكن سرّاً
دخل هاري ترومان مؤتمر بوتسدام وهو أقلّ خبرة في السياسة الدوليّة من ستالين وتشرشل. كان روزفلت قد أدار التحالفات الكبرى لسنوات، أمّا نائبه ترومان فلم يكن قبل تولّيه الرئاسة مطّلعاً حتى على جميع تفاصيل مشروع مانهاتن. لكن السادس عشر من تموز/يوليو حمل إلى بوتسدام خبراً غيّر ميزان الثقة داخل الوفد الأمريكيّ: نجح اختبار «ترينيتي» في صحراء نيو مكسيكو. وصل الخبر الأول إلى وزير الحرب هنري ستيمسون في برقية مشفّرة أرسلها جورج هاريسون مساء ذلك اليوم، استخدمت لغة طبيّة مموّهة: «أُجريت العملية الجراحية هذا الصباح. التشخيص لم يكتمل بعد، لكن النتائج تبدو مرضية وتتجاوز التوقعات بالفعل». ثم بدأت التقارير الأكثر تفصيلاً تصل تباعاً. لم يعد السلاح احتمالاً في مختبر، بل أصبح حقيقة قابلة للاستخدام. وتكشف يوميات ستيمسون نفسها مقدار التأثير النفسي والسياسي للخبر؛ فقد كتب بعد وصول تفاصيل الاختبار أن ترومان بدا «معززاً» بشدة بالنتائج، وروى تشرشل لاحقاً أنه لاحظ في الرئيس الأمريكي قدراً أكبر من الثقة والحزم. من المستحيل بالطبع اختزال موقف ترومان كله في القنبلة، لكن من غير المعقول أيضاً تصور أن امتلاك سلاح بهذه القوة لم يغيّر شيئاً في حساباته وهو يجلس قبالة ستالين ليقرّر معه شكل عالم ما بعد الحرب.
قبل ترينيتي، كانت المشاركة السوفيتيّة في الحرب ضد اليابان مرغوبة أمريكيّاً؛ فدخول جيش أحمر ضخم من الغرب كان سيزيد الضغط على طوكيو ويخفّف، على الأرجح، كلفة الغزو الأمريكي المتوقع للجزر اليابانيّة. لكن نجاح السلاح الجديد غيّر المعادلة. بدأ بعض كبار المسؤولين في واشنطن ينظرون إلى دخول السوفييت لا بوصفه مساعدة عسكرية فقط، بل أيضاً بوصفه مشكلة سياسية: فكل كيلومتر يقطعه الجيش الأحمر في منشوريا وكوريا سيكون ورقة سوفيتيّة على طاولة التسوية الآسيويّة. وفي الرابع والعشرين من تموز/يوليو، وبعد إحدى جلسات المؤتمر، اقترب ترومان من ستالين وأبلغه في حديث جانبي قصير أن الولايات المتحدة أصبحت تمتلك «سلاحاً جديداً ذا قوة تدميرية غير عادية». لم يقل إنه سلاح ذري، ولم يشرح آليته. ولا يوجد محضر رسمي حرفي للمحادثة، كما تختلف روايات الشهود في تفاصيل المترجمين والحاضرين؛ لكن جوهر الحادثة ثابت. ووفق رواية ترومان، ردّ ستالين بهدوء بأنه سعيد بسماع ذلك، وأنه يأمل أن تحسن الولايات المتحدة استخدام السلاح ضد اليابانيين.
لم يُظهر ستالين دهشة، فخرج بعض الغربيين من اللقاء معتقدين أنه لم يفهم المعنى الحقيقي لما قيل له. لكن المفارقة أن السر الأمريكي لم يكن سراً كاملاً بالنسبة إلى موسكو. فقد اخترقت الاستخبارات السوفيتيّة البرنامج النووي الغربي اختراقاً عميقاً، وكان من أهم مصادرها الفيزيائي كلاوس فوكس، والفيزيائي الأمريكي الشاب تيودور هول، والمهندس ديفيد غرينغلاس، إلى جانب مصادر أخرى. ومن خلال هذه الشبكة حصلت موسكو على معلومات تقنية ثمينة عن البلوتونيوم وتصميم الانضغاط الداخلي ومكوّنات السلاح النووي. وكان البرنامج السوفيتي قد بدأ رسمياً أصلاً منذ عام 1942، وإن ظل محدود الموارد أثناء الحرب ضد ألمانيا. ولذلك كان ستالين أقدر بكثير على فهم تلميح ترومان مما تصوره الأمريكيون. وتروي شهادات سوفيتيّة لاحقة أنه ناقش الأمر بعد اللقاء مع مولوتوف ومسؤولين آخرين، وشدد على ضرورة تسريع العمل النووي. لا يمكن إثبات كل جملة متداولة في هذه الروايات حرفياً، لكن النتيجة التاريخية لا لبس فيها: خلال أسابيع فقط، تحوّل المشروع النووي السوفيتي من برنامج محدود إلى أولوية استثنائيّة للدولة. وهكذا كان ترومان يظن أنه يكشف لستالين ورقة جديدة، بينما كان ستالين يعرف ما يكفي ليفهم معناها ويقرر أنه لا يستطيع السماح لواشنطن بالاحتفاظ بها وحدها.
الجزء الثاني: لماذا أُلقيت القنبلة؟
منذ عام 1945، لم يتوقف الجدل حول السبب الحقيقي لاستخدام القنبلتين. وليس السؤال بسيطاً كما يبدو، لأن قرارات الحرب الكبرى نادراً ما تنشأ من دافع واحد. فقد اجتمعت في صيف 1945 اعتبارات عسكرية وسياسية ودبلوماسية ونفسية، إلى جانب حقيقة أن الولايات المتحدة أنفقت موارد هائلة على سلاح أصبح جاهزاً بالفعل.
الرواية التقليديّة: القنبلة لتجنّب الغزو
تمثل المدرسة التقليديّة إلى حد بعيد الرواية التي قدمتها الإدارة الأمريكية بعد الحرب، ودافع عنها ترومان، وصاغ وزير الحرب هنري ستيمسون واحداً من أشهر تعبيراتها في مقاله «قرار استخدام القنبلة الذرية» المنشور عام 1947. وفق هذه القراءة، كان الهدف إنهاء الحرب بسرعة وتجنب غزو الجزر اليابانية الرئيسيّة. وكانت معارك إيوو جيما وأوكيناوا قد أظهرت شراسة المقاومة اليابانية، واستعداد وحدات كاملة للقتال حتى المراحل الأخيرة، واستخدام هجمات الكاميكازي، وسقوط أعداد هائلة من العسكريين والمدنيين. وكانت الولايات المتحدة تعد بالفعل «عملية داونفول» لغزو اليابان، وكان من المقرر أن تبدأ بعملية «أوليمبيك» ضد كيوشو في تشرين الثاني/نوفمبر 1945، يعقبها، إذا استمر القتال، هجوم «كورونيت» على سهل كانتو قرب طوكيو في عام 1946.
ومع ذلك، فإن السردية التقليدية التي تدعي أن ترومان كان يواجه تقديرات رسمية بخسارة نصف مليون إلى مليون جندي أمريكي، تفتقر إلى الدعم في الوثائق التاريخية. ففي اجتماع البيت الأبيض في الثامن عشر من حزيران/يونيو، لم يقدم الجنرال جورج مارشال مثل هذا الرقم بوصفه تقديراً رسمياً للغزو، بل ناقش القادة سيناريوهات أقل بكثير للمراحل الأولى، مع اعترافهم بأن الخسائر قد تتصاعد بقوة إذا طال القتال. وفي الوقت نفسه، كانت هناك بالفعل دراسات أكثر تشاؤماً بكثير؛ فقد خلصت دراسة شارك فيها الفيزيائي ويليام شوكلي إلى أن إخضاع اليابان عسكرياً في سيناريو شامل قد يؤدي إلى 1.7–4 ملايين إصابة أمريكية، بينها نحو 400–800 ألف قتيل، وإلى ملايين القتلى اليابانيين. وهذا يوضح أن تقديرات الغزو لم تكن رقماً واحداً، بل طيفاً واسعاً جداً يعتمد على الفرضيات المستخدمة. ولم يكن الخوف من الغزو اختراعاً دعائياً؛ كانت اليابان تعد فعلاً خطة «كيتسوغو» للدفاع عن الوطن وتحشد قوات ضخمة، وكان هدفها إيقاع خسائر أمريكية مروعة على الشواطئ أملاً في فرض شروط أفضل. لكن وجود حجة عسكرية لا يعني تلقائياً أن القنبلة كانت الخيار الوحيد أو الضروري.
المدرسة المراجِعة: القنبلة والدبلوماسية الذرية
منذ ستينيات القرن العشرين، برزت بقوة مدرسة مراجِعة ارتبطت خصوصاً بالمؤرخ غار ألبيروفيتش وكتابه «الدبلوماسية الذرية: هيروشيما وبوتسدام». رفض المراجعون تصوير استخدام القنبلة بوصفه مجرد ضرورة عسكرية، وسألوا: ماذا لو كانت اليابان قد أصبحت منهكة وقريبة من الخروج من الحرب، وكان السلاح يخدم أيضاً غرضاً آخر، هو إظهار القوة أمام الاتحاد السوفيتي؟ استند هؤلاء إلى عدد كبير من الوثائق، منها الاتصالات اليابانية التي كانت الولايات المتحدة تعترضها ضمن برنامج «ماجيك». فقد عرفت واشنطن أن الإمبراطور هيروهيتو وبعض المسؤولين اليابانيين كانوا يبحثون عن وسيلة لإنهاء الحرب عبر وساطة موسكو.
لكن البرقيات نفسها تكشف صورة أكثر تعقيداً. فقد كان السفير الياباني في موسكو ناوتاكي ساتو أكثر واقعية من حكومته، وكان يدعو إلى قبول الهزيمة مع محاولة الحفاظ على المؤسسة الإمبراطورية، أما وزير الخارجية شيغينوري توغو فرفض أن تتحول الوساطة إلى قبول مباشر للاستسلام غير المشروط، وظل يأمل في الحصول على شروط تفاوضية أفضل. إذن لم تكن اليابان قد قدمت، قبل هيروشيما، عرضاً حكومياً موحداً يقول: «سنستسلم مقابل بقاء الإمبراطور فقط». لكنها كانت دولة تبحث عن مخرج، داخل قيادتها تيار يعرف أن الحرب ضاعت، وتيار عسكري لا يزال يراهن على معركة أخيرة. وهنا تظهر واحدة من أكثر مفارقات القضية إثارة: كان الحفاظ على «الكوكوتاي»، أي المؤسسة الإمبراطورية ومكانة العرش، المسألة الأكثر حساسية داخل طوكيو. ولم يقدم إعلان بوتسدام ضماناً صريحاً ببقاء الإمبراطور. وبعد هيروشيما وناغاساكي ودخول السوفييت الحرب، قبلت الولايات المتحدة عملياً في النهاية استمرار هيروهيتو في العرش، وإن تحت سلطة الاحتلال ونظام سياسي جديد. وهذا يفتح سؤالاً مشروعاً: لو قُدّم مثل هذا الوضوح قبل استخدام القنابل، هل كان يمكن تسريع الاستسلام دون إبادة مدينتين؟ لا يمكن إثبات الجواب بصورة يقينية، لكن السؤال نفسه يمنعنا من التعامل مع القصف النووي باعتباره مساراً وحيداً حتمياً.
بين المدرستين: القراءة الأكثر تركيباً
مع فتح الأرشيفات، ظهر اتجاه أكثر تركيباً لا يرى ضرورة الاختيار بين روايتين مغلقتين. فمن الممكن أن يكون ترومان قد أراد إنهاء الحرب بسرعة وتجنب الغزو، وفي الوقت نفسه أدرك أن القنبلة تمنحه مكسباً جيوسياسياً هائلاً في مواجهة موسكو؛ فالهدفان ليسا متناقضين. وبالمثل، ليس ضرورياً أن يكون استسلام اليابان نتيجة «القنبلة وحدها» أو «السوفييت وحدهم». كانت اليابان تتعرض في أيام قليلة لانهيار استراتيجي شامل: هيروشيما، ثم دخول الاتحاد السوفيتي، ثم الهجوم على منشوريا، ثم ناغاساكي، فوق حصار بحري وقصف حارق واقتصاد يحتضر.
لكنني، بعد قراءة هذه الوقائع مجتمعة، أميل بوضوح إلى موقف أقرب إلى المدرسة المراجِعة. لا أرى أن الأدلة تجعل تدمير هيروشيما، ثم خصوصاً تدمير ناغاساكي بعد ثلاثة أيام، «ضرورة عسكرية» لا مفر منها. كانت اليابان مهزومة استراتيجياً، وكانت قنوات البحث عن السلام قائمة، وكان دخول الاتحاد السوفيتي على وشك تحطيم آخر أوهام القيادة اليابانية بإمكان استخدام موسكو وسيطاً. وكان من الممكن تجربة بدائل أخرى: توضيح مصير الإمبراطور، انتظار أثر الدخول السوفيتي، أو حتى استعراض السلاح في موقع غير مأهول. وفي تقديري، فإن البعد السوفيتي ليس هامشاً في هذه القصة، بل يقع في قلبها. كانت القنبلة وسيلة لإنهاء الحرب، نعم، لكنها كانت أيضاً استعراضاً نووياً لا يمكن فصل رسالته عن الرجل الجالس في الجانب الآخر من طاولة بوتسدام: جوزيف ستالين. لم يكن المقصود فقط أن ترى طوكيو ما تستطيع الولايات المتحدة فعله؛ كان على موسكو أيضاً أن ترى ذلك.
الجزء الثالث: ستالين يدخل الحرب وساعة آسيا تبدأ بالعدّ
أعاد المؤرخ تسويوشي هاسيغاوا بناء الأيام الأخيرة للحرب بوصفها سباقاً ثلاثياً بين واشنطن وموسكو وطوكيو. وفي هذه القراءة، لا تكمن أهمية القنبلة وحدها في قوتها التدميرية، بل في توقيتها داخل سباق للسيطرة على نهاية الحرب. ففي مؤتمر يالطا، تعهد ستالين بأن يدخل الاتحاد السوفيتي الحرب ضد اليابان بعد شهرين أو ثلاثة أشهر من انتهاء الحرب في أوروبا، لا «بعد تسعين يوماً» بوصفها مهلة قانونية حرفية. استسلمت ألمانيا في الثامن من أيار/مايو، وبحلول مطلع آب/أغسطس كانت القوات السوفيتية قد اكتملت استعداداتها تقريباً في الشرق الأقصى. بالنسبة إلى واشنطن، كان دخول السوفييت يحمل وجهين: عسكرياً يعني زيادة الضغط على اليابان، وسياسياً يعني أن موسكو ستكسب أراضي ونفوذاً في منشوريا وكوريا وسخالين والكوريل، وربما لاحقاً في اليابان نفسها.
وفي الخامس من نيسان/أبريل كانت موسكو قد أخطرت اليابان بأنها لن تمدد معاهدة الحياد السوفيتية اليابانية الموقعة عام 1941. أما في الثامن من آب/أغسطس فلم يكن مولوتوف «يلغي المعاهدة» من جديد، بل استدعى السفير ساتو في الخامسة مساءً بتوقيت موسكو، أي نحو الحادية عشرة ليلاً بتوقيت طوكيو، وأبلغه بأن الاتحاد السوفيتي سيدخل الحرب ضد اليابان اعتباراً من التاسع من آب/أغسطس. وكانت الاستعدادات العسكرية قد سبقت هيروشيما، ولذلك لا يمكن القول ببساطة إن ستالين قرر الحرب بسبب القنبلة، لكن بعض المؤرخين يرون أن هيروشيما زادت استعجاله: فإذا استسلمت اليابان قبل تحرك الجيش الأحمر، فقد تفقد موسكو المكاسب التي انتظرتها منذ يالطا.
وبعد منتصف الليل في الشرق الأقصى، اندفعت القوات السوفيتية والمغولية، التي بلغ قوامها نحو مليون ونصف المليون جندي، عبر جبهة هائلة في منشوريا في هجوم عُرف لاحقاً في الأدبيات الغربية باسم «عاصفة آب». واجه السوفييت «جيش كوانتونغ»، الذي كان في السابق إحدى أقوى تشكيلات الجيش الياباني لكنه كان قد أُضعف بنقل وحدات ومعدات إلى جبهات أخرى. لم يُسحق الجيش «في ساعات» كما توحي بعض الروايات، لكن الهجوم أربك قيادته وشل تماسكه الاستراتيجي بسرعة مذهلة، واخترق دفاعاته على محاور واسعة خلال أيام، فيما واصلت بعض الوحدات والحصون القتال بعد إعلان الاستسلام نفسه. وكان أثر الصدمة في طوكيو أعمق من الخسارة العسكرية المباشرة، لأن الاستراتيجية اليابانية الأخيرة كانت تقوم على إقناع موسكو بالتوسط للحصول على شروط أفضل من واشنطن. وفي ليلة واحدة، تحول الوسيط الذي كانت اليابان تراهن عليه إلى عدو يهاجمها من الشمال.
وفي التاسع من آب/أغسطس، بينما كانت طوكيو تحاول استيعاب هذه الكارثة الجديدة، كانت «بوكسكار» في طريقها إلى اليابان بالقنبلة الثانية. وهنا يجب إزالة سوء فهم شائع: لم يصدر ترومان صباح التاسع من آب/أغسطس أمراً جديداً بإسقاط القنبلة على ناغاساكي رداً على السوفييت. كانت أوامر الخامس والعشرين من تموز/يوليو قد سمحت باستخدام القنبلة الأولى عندما تصبح الظروف مناسبة، ثم باستخدام القنابل الإضافية عندما تصبح جاهزة. أي أن مهمة ناغاساكي كانت قد دخلت المسار العملياتي قبل الهجوم السوفيتي. وهذا لا يلغي الأثر الجيوسياسي للضربة، لكنه يمنع اختراع علاقة سببية مباشرة لم تثبتها الوثائق. أما احتمال وصول السوفييت إلى اليابان نفسها فلم يكن خيالاً محضاً؛ فبعد إعلان الاستسلام طلب ستالين رسمياً أن تشمل منطقة الاستسلام السوفيتي شمال هوكايدو، وظهرت خطط سوفيتية لإنزال قوات هناك، لكن ترومان رفض الطلب، فلم تنقسم اليابان كما انقسمت ألمانيا وكوريا. وهذه الحقيقة تكشف حجم الرهان: كان السباق على نهاية الحرب سباقاً أيضاً على شكل آسيا التي ستولد بعدها.
الجزء الرابع: رحلتا «إينولا غاي» و«بوكسكار»
وراء الجغرافيا السياسية الكبرى كانت تفاصيل عملياتية صغيرة: غيمة، ومضخة وقود، ورؤية من منظار قنابل. لكنها كانت كافية لتقرر مصير عشرات الآلاف من البشر.
هيروشيما: الدقة الميكانيكية الباردة
في نحو الساعة الثانية وخمس وأربعين دقيقة من صباح السادس من آب/أغسطس، أقلعت «إينولا غاي» من نورث فيلد في جزيرة تينيان بقيادة العقيد بول تيبتس، وكانت من المجموعة المركبة 509 التابعة للقوات الجوية للجيش الأمريكي. حملت في بطنها قنبلة اليورانيوم «الولد الصغير»، التي بلغت كتلتها نحو 4.4 أطنان، ورافقتها «ذا غريت آرتيست» المحملة بأجهزة القياس و«نيسيساري إيفل» للتصوير والمراقبة. وكانت طائرات استطلاع جوية قد سبقت التشكيل الرئيسي لمعاينة الأهداف؛ فتولت «ستريت فلاش» تقييم الأحوال فوق هيروشيما وأفادت بأن الرؤية تسمح بالقصف البصري.
عند الساعة الثامنة والربع صباحاً بالتوقيت الياباني، كانت «إينولا غاي» على ارتفاع يقارب 9.5 كيلومترات. حدّد رامي القنابل، الرائد توماس فيريبي، جسر آيوي ذا الشكل المميز كنقطة التسديد. أُطلقت القنبلة، ونفذت الطائرة انعطافاً حاداً مبتعدة عن الهدف، وبعد نحو 43 ثانية انفجرت «الولد الصغير» على ارتفاع يقارب 600 متر فوق المدينة. وكان المسقط الأرضي لمركز الانفجار بالقرب من مستشفى شيما الجراحي، وعلى مسافة تقارب 170 متراً من جسر آيوي. انتهت المهمة بالنسبة إلى الطائرة خلال دقائق؛ أما بالنسبة إلى المدينة، فقد بدأ زمن آخر تماماً.
ناغاساكي: كوكورا التي نجت والمدينة التي أخذت مكانها
في التاسع من آب/أغسطس، أقلعت «بوكسكار» بقيادة الرائد تشارلز سويني من تينيان حاملة قنبلة البلوتونيوم «الرجل البدين». وبدأت المشكلات قبل الوصول إلى اليابان، إذ جعل عطل في مضخة نقل الوقود نحو 2300 لتر من الوقود في أحد الخزانات غير قابلة للاستخدام، وفي رحلة طويلة فوق المحيط لم يكن ذلك عيباً هامشياً. لكن الهدف الأصلي لم يكن ناغاساكي، بل ترسانة كوكورا، وهي مجمع عسكري وصناعي ضخم لإنتاج السلاح والذخيرة. وعندما وصلت الطائرة إلى المنطقة، كانت الترسانة محجوبة بالغيوم والدخان والضباب. وكان جزء من الدخان مرتبطاً بقصف ياهاتا الصناعية المجاورة في اليوم السابق، فيما تذكر روايات محلية يابانية أن منشآت في المنطقة أطلقت أيضاً دخاناً عمداً، ومنه حرق قطران الفحم، للمساعدة على حجب الأهداف.
نفذ الطاقم ثلاث جولات فوق كوكورا محاولاً رؤية نقطة التسديد، لكن الدخان ظل يحجبها، فيما بدأ الوقود ينخفض وأصبحت الدفاعات الجوية عاملاً إضافياً. فأصدر سويني القرار الذي أنقذ كوكورا: التوجه إلى الهدف البديل، ناغاساكي. ومن هنا ولد التعبير الياباني «حظ كوكورا»، أي النجاة من كارثة محققة بسبب سلسلة من المصادفات التي لا يملك الإنسان السيطرة عليها. لكن حظ كوكورا كان مأساة ناغاساكي. وصلت «بوكسكار» إلى ناغاساكي قبيل الحادية عشرة صباحاً بالتوقيت الياباني، وكانت السحب تغطي معظم المدينة. ومع اقتراب الوقود من الحد الحرج، وافق ضابط السلاح النووي الكوماندر فريدريك أشوورث على الاستعداد لاستخدام الرادار إذا ظل الهدف محجوباً. ثم ظهرت فتحة في السحب، ولمح رامي القنابل النقيب كيرميت بيهان جزءاً من المنطقة الصناعية، وتمكن من تنفيذ الإلقاء بصرياً. وفي الساعة 11:02 صباحاً انفجرت «الرجل البدين» على ارتفاع يقارب 500 متر فوق وادي أوراكامي.
وكانت تضاريس ناغاساكي مختلفة عن هيروشيما؛ فقد أدت الجبال والوديان إلى الحد من الانتشار الجانبي لموجة الضغط والإشعاع الحراري، فحجبت بعض المناطق الواقعة خلف المرتفعات عن أشد التأثيرات، فيما تركز الدمار الكارثي داخل وادي أوراكامي. وفي قلب الوادي كانت كاتدرائية أوراكامي والجماعة المسيحية التي تناولنا تاريخها في المقالة الأولى. وهكذا انفجرت قنبلة البلوتونيوم فوق حي كان أجداد كثير من أهله قد تحملوا قروناً من الاضطهاد بسبب دينهم. لا يمكن للتاريخ أحياناً أن يكتب مفارقة أشد قسوة من ذلك.
الجزء الخامس: اليابان بين القنبلة والسوفييت والقرار الإمبراطوري
بينما كانت ناغاساكي تحترق في التاسع من آب/أغسطس، كانت القيادة اليابانية تواجه انهياراً استراتيجياً لم تعرف مثله منذ بداية الحرب. ففي ثلاثة أيام فقط، دُمّرت هيروشيما، ودخل الاتحاد السوفيتي الحرب، واجتاح منشوريا، ثم جاءت أنباء القنبلة الثانية. وكان «المجلس الأعلى لتوجيه الحرب»، أو «الستة الكبار»، منقسماً بالتساوي. ضم رئيس الوزراء كانتارو سوزوكي، ووزير الخارجية شيغينوري توغو، ووزير الحرب كوريشيكا أنامي، ووزير البحرية ميتسوماسا يوناي، ورئيس أركان الجيش يوشيجيرو أوميزو، ورئيس أركان البحرية سويـمو تويودا. رأى سوزوكي وتوغو ويوناي أن استمرار الحرب أصبح يقود البلاد إلى الفناء، وأن قبول إعلان بوتسدام بات ضرورياً مع الحفاظ على المؤسسة الإمبراطورية، أما أنامي وأوميزو وتويودا فتمسكوا بشروط أوسع: الحفاظ على العرش، وأن تتولى اليابان نزع سلاح قواتها بنفسها، وأن تحاكم هي مجرمي الحرب، وألا تخضع لاحتلال أجنبي شامل. وكان الجيش لا يزال يستعد لخطة «كيتسوغو»، ويحشد أكثر من مليوني عسكري داخل الجزر الرئيسية، إضافة إلى آلاف الطائرات والقوارب المعدة لهجمات انتحارية. لم يكن الهدف الواقعي هزيمة الولايات المتحدة، بل جعل الغزو دموياً إلى درجة تدفعها إلى التفاوض.
وفي ليلة التاسع والعاشر من آب/أغسطس، وصل المجلس إلى طريق مسدود. وبعد فشل المجتمعين في الاتفاق، طلب رئيس الوزراء سوزوكي من الإمبراطور هيروهيتو أن يحسم الخلاف بإبداء قراره، وهو إجراء استثنائي في نظام كان يفترض عادة أن يصل الوزراء إلى التوافق قبل عرض الأمر على العرش. ووفق شهادات الحاضرين، أعلن الإمبراطور أنه لا يرى طريقاً آخر لإنقاذ الدولة والشعب، وأن استمرار الحرب سيقود إلى مزيد من الدمار، وأيّد قبول شروط بوتسدام مع المحافظة على المؤسسة الإمبراطورية. وبكى عدد من الموجودين في الاجتماع، لكن القرار لم يغلق الأزمة؛ ففي العاشر من آب/أغسطس أبلغت اليابان الحلفاء استعدادها للقبول بشرط ألا يمس الاتفاق امتيازات الإمبراطور بوصفه حاكماً سيادياً، وجاء الرد الأمريكي المعروف باسم «مذكرة بيرنز» ليقول إن سلطة الإمبراطور والحكومة، منذ لحظة الاستسلام، ستخضع للقائد الأعلى لقوات الحلفاء، وأن الشكل النهائي للحكومة اليابانية سيحدده الشعب الياباني. أعاد هذا الرد الخلاف إلى القيادة اليابانية، واضطر هيروهيتو إلى التدخل مرة ثانية في الرابع عشر من آب/أغسطس لتثبيت قرار الاستسلام.
ومع ذلك حاول ضباط متشددون إيقافه. ففي ليلة الرابع عشر إلى الخامس عشر من آب/أغسطس، قاد الرائد كينجي هاتاناكا وضباط آخرون محاولة انقلاب عُرفت باسم «حادثة كيوجو». احتل المتمردون أجزاء من القصر الإمبراطوري، وقتلوا قائد الحرس الفريق تاكيشي موري، وراحوا يبحثون عن تسجيل خطاب الإمبراطور لإتلافه ومنع إذاعته، لكن التسجيلات أُخفيت وفشل المتمردون في كسب الوحدات العسكرية الرئيسية، فانهارت المحاولة. وفي فجر الخامس عشر من آب/أغسطس، انتحر وزير الحرب كوريشيكا أنامي وفق طقس السيبوكو (الانتحار الطقسي). وعند الظهر، استمع معظم اليابانيين للمرة الأولى إلى صوت إمبراطورهم في الخطاب المعروف باسم «غيوكوؤن هوسو» (Gyokuon-hōsō)، أي «بث الصوت الإمبراطوري»، ويعني اسمه حرفياً شيئاً قريباً من «بث الصوت الجوهري». وكان المرسوم مكتوباً بلغة إمبراطورية رسمية قديمة ومعقدة، حتى إن كثيراً من اليابانيين وجدوا صعوبة في فهمه عند سماعه.
ولم يستخدم هيروهيتو كلمة «استسلام» بصورة مباشرة، لكنه، خلافاً لما يقال أحياناً، ذكر القنبلة الذرية بوضوح. تحدث عن أن «العدو بدأ باستخدام قنبلة جديدة بالغة القسوة»، وأن قدرتها على إحداث الضرر لا تُقاس، ثم حذر من أن استمرار الحرب قد يؤدي إلى انهيار اليابان وفناء الحضارة الإنسانية. وفي الخطاب نفسه وردت العبارة التي أصبحت رمزاً لنهاية الحرب: أن على اليابانيين أن «يتحمّلوا ما لا يُحتمل ويطيقوا ما لا يُطاق». لكن هناك تفصيلاً بالغ الأهمية: لم يذكر هيروهيتو دخول الاتحاد السوفيتي الحرب في الخطاب الموجه إلى الشعب. فهل يعني ذلك أن السوفييت لم يكونوا عاملاً حاسماً؟ العكس قد يكون أقرب إلى الحقيقة. بعد يومين فقط، في السابع عشر من آب/أغسطس، أصدر الإمبراطور مرسوماً منفصلاً موجهاً إلى ضباط وجنود القوات المسلحة، وفي هذا النص ذكر صراحة أن الاتحاد السوفيتي «دخل الحرب ضدنا»، وأن استمرار القتال في ظل الظروف الجديدة يهدد «أساس وجود الإمبراطورية». وهذا التفريق لافت للغاية: للشعب، استُخدمت صورة القنبلة الجديدة لتفسير قبول الهزيمة، أما للجيش، الذي كان يحتاج إلى سبب استراتيجي يبرر إلقاء السلاح، فقد ظهر الاتحاد السوفيتي في صميم النص. ولا يثبت ذلك وحده أن دخول السوفييت كان العامل الوحيد في الاستسلام، لكنه يجعل من الصعب جداً قبول الرواية المبسطة التي تقول إن اليابان استسلمت لأن هيروشيما وحدها «صدمتها إلى الاستسلام». كانت الصدمة أوسع: انهارت آخر قناة دبلوماسية لطوكيو، وفتح الجيش الأحمر جبهة جديدة، وأصبح احتمال وصول السوفييت إلى أراضي الإمبراطورية نفسها واقعياً.
خاتمة: من رماد الحرب الساخنة إلى برد الحرب الجديدة
انتهت الحرب العالمية الثانية رسمياً في الثاني من أيلول/سبتمبر عام 1945 على متن البارجة الأمريكية «ميسوري» في خليج طوكيو، حيث وُقعت وثائق الاستسلام. لكن نهاية الحرب لم تكن بداية سلام عالمي مستقر؛ بل كانت أيضاً لحظة انتقال من صراع دموي قديم إلى صراع جديد بين الحليفين المنتصرين. ومن هذا المنظور، يمكن النظر إلى هيروشيما وناغاساكي لا بوصفهما آخر فصلين مروّعين في الحرب العالمية الثانية فحسب، بل بوصفهما أول ظلين ثقيلين للعصر النووي والصراع الأمريكي السوفيتي الناشئ.
وهنا أجد نفسي غير مقتنع بالرواية المريحة التي تقول إن مدينتين كان لا بد أن تُبادا لكي «تنقذا الأرواح». إن هذا التفسير، في رأيي، يحوّل قراراً تاريخياً معقداً ومحملاً بالسياسة إلى معادلة أخلاقية بسيطة: اقتل عشرات الآلاف الآن كي لا يموت عدد أكبر لاحقاً. لكن الوثائق لا تقدم لنا مثل هذه المعادلة اليقينية. لم يكن هناك رقم واحد متفق عليه لخسائر الغزو، وكانت اليابان تبحث بالفعل عن مخرج من الحرب، وكان مصير الإمبراطور أحد أكبر العوائق ثم احتفظ الأمريكيون به في النهاية، وكان الاتحاد السوفيتي على وشك دخول الحرب بقوة ساحقة، وهو العامل الذي دمر آخر رهان استراتيجي لطوكيو. وحتى بعد هيروشيما، لم يُمنح هذا العامل وقتاً كافياً ليُظهر أثره قبل إلقاء القنبلة الثانية. ولهذا أميل بقوة إلى أن تدمير هيروشيما وناغاساكي لم يكن ضرورة عسكرية محتومة، بل كان أيضاً، وربما بدرجة كبيرة، استعراضاً للقوة النووية أمام ستالين. لم يكن ترومان بحاجة إلى أن يقول له: «هذه هي القنبلة، وهذه رسالتنا إليك». كانت السماء فوق اليابان تقول ذلك نيابة عنه.
قنبلة واحدة دمّرت مدينة في السادس من آب/أغسطس، وبعد ثلاثة أيام فقط انفجرت أخرى. بالنسبة إلى طوكيو كانت تلك كارثة؛ أما بالنسبة إلى موسكو فكانت أيضاً معلومة استراتيجية: الولايات المتحدة لا تمتلك تجربة مخبرية وحيدة، بل سلاحاً تستطيع استخدامه في الحرب. وقد فهم ستالين المعنى جيداً. ففي العشرين من آب/أغسطس 1945، بعد أحد عشر يوماً من ناغاساكي، أنشأت لجنة الدفاع الحكومية السوفيتية لجنة خاصة ذات صلاحيات واسعة لتسريع المشروع الذري، برئاسة لافرينتي بيريا، فيما ظل إيغور كورتشاتوف يقود العمل العلمي. وتحول البرنامج إلى أولوية وطنية سخّرت لها الدولة السوفيتية العلماء والمصانع والمناجم وأجهزة الاستخبارات وموارد هائلة. لم تعد القنبلة الأمريكية نهاية سباق؛ لقد أصبحت طلقة البداية في سباق آخر.
وفي التاسع والعشرين من آب/أغسطس عام 1949، فجّر الاتحاد السوفيتي أول قنبلة ذرية له، RDS-1، وانتهى الاحتكار النووي الأمريكي. ثم جاءت القنابل الهيدروجينية، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات النووية والقاذفات الاستراتيجية. ومع امتلاك كل طرف القدرة على الرد حتى بعد تلقّي ضربة نووية أولى، تبلور لاحقاً منطق «التدمير المتبادل المؤكد»: يصبح السلام قائماً لا على الثقة ولا على الأخلاق، بل على يقين كل طرف بأنه إذا أبَاد خصمه فسوف يُباد معه. وهكذا وصلت مفارقة العصر النووي إلى شكلها الأكثر جنوناً: السلاح الذي قيل إنه استُخدم لكي ينهي حرباً أصبح أساس نظام عالمي يمنع الحرب عن طريق التهديد الدائم بإفناء العالم.
لكن خلف ترومان وستالين، ومؤتمرات بوتسدام، وخطط الغزو، وبرقيات «ماجيك»، وحسابات الجنرالات، هناك حقيقة أبسط من كل هذه النظريات: القرارات اتُّخذت في واشنطن وطوكيو وموسكو وبوتسدام، أما الذين دفعوا الثمن فكانوا تحت القنبلتين. وفي المقالة الثالثة والأخيرة سنترك غرف الاجتماعات والمذكرات الدبلوماسية وخطط الجيوش، وننزل إلى الأرض تحت مركز الانفجار نفسه: ماذا يحدث لجسد الإنسان عندما تضيء فوقه شمس نووية؟ ماذا فعلت موجة الضغط والحرارة والإشعاع بمن بقي حياً؟ ومن هم «الهيباكوشا» الذين حملوا هيروشيما وناغاساكي داخل أجسادهم وذاكرتهم حتى نهاية حياتهم؟ هناك، بعيداً عن لغة «الضرورة العسكرية» و«التوازن الاستراتيجي»، تبدأ القصة التي لا يستطيع أي جدول للخسائر أن يختصرها.
(يُتبع قريباً…)
(*) راجع الجزء الأول بعنوان: فجر العصر النوويّ: سيرةُ هيروشيما وناغاساكي.. والعلوم الشيطانيّة لمشروع مانهاتن
