وُلِدَ اليمين اللبناني من سؤال قديم ظلّ يرافق الجماعات الصغيرة في الجبال والسواحل: كيف تصون جماعة محدودة صورتها عن ذاتها داخل محيط واسع متحوّل؟ ومن هذا السؤال خرجت السياسة كطقس، والهوية كحرز، والطائفة كجسد رمزي يبحث عن مأوى داخل التاريخ.
منذ أواخر القرن التاسع عشر، راحت النخب المارونية تصوغ لبنان بوصفه مكانًا ذا وظيفة خلاصية. الجبل صار أكثر من جغرافيا؛ صار معبدًا للتمايز، وذاكرةً مختارة، وموضعًا يتراكم فيه معنى الحماية. هنا تبلورت سرديات “لبنان الرسالة”، و“لبنان الملجأ”، و“لبنان المختلف”، بوصفها صورًا مؤسسة لعالم كامل. المدرسة، الكنيسة، اللغة الفرنسية، التاريخ الفينيقي، العمارة الحجرية، والجامعة. جميعها تحولت إلى علامات طقسية تمنح الجماعة إحساسًا بأن وجودها يحمل خصوصية تتجاوز حدود الدولة الحديثة.
بهذا المعنى، تشكّل اليمين اللبناني كدفاع دائم عن أصل متخيّل. الفينيقية، في هذا السياق، عملت كزمن بدئي؛ كعودة إلى ما قبل العروبة السياسية، وما قبل الانفجار الإيديولوجي في المشرق. كانت محاولة لنقل الجماعة من قلق الجغرافيا إلى طمأنينة الأسطورة. وكلما اشتد ضغط المحيط، عاد الأصل البعيد كي يمنح الحاضر معنى وشرعية وعلوًّا رمزيًا.
في ستينيات القرن العشرين، مع الناصرية والبعث والمقاومة الفلسطينية واليسار اللبناني الصاعد، أخذ هذا القلق هيئة حصار. الجماعة اليمينية بدأت ترى نفسها كحارس أخير لنمط عيش كامل: جامعة؛ مصرف؛ مدينة؛ حرية؛ لغة؛ نمط مديني، وارتباط بالغرب المتوسطي. هكذا وُلدت أسطورة القلعة الأخيرة. الحيّ صار سورًا، والجبل صار حصنًا، والمتراس صار حدًّا بين عالمين، واللغة اليومية أخذت شيئًا من خشونة الحرب الآتية.
ثم جاءت الحرب اللبنانية لتمنح هذه المخيلة مادتها الكبرى. القتيل صار شهيدًا داخل سجل طقسي، والمقاتل صار كاهنًا دنيويًا للنجاة، والأغنية العسكرية صارت صلاة جماعية، والعلم صار أيقونة، والحيّ المحاصر صار نصًا تأسيسيًا لجماعة ترى ذاتها واقفة على حافة الفناء. هنا دخل اليمين اللبناني منطقة الميثولوجيا السياسية، حيث تختلط الذاكرة بالدم، ويصير الخوف قوة إنتاج للهوية والانتماء.
بعد الحرب، تبدّل العالم الذي أراد اليمين حمايته. السوق تمدّد؛ المصرف سبق الحزب؛ الشاشة سبقت الخطبة، والهجرة أعادت تشكيل العائلة والمدينة والطموح. انتقل اليمين من صورة المقاتل العقائدي إلى الفرد القَلِق، الاستهلاكي، الباحث عن أمان داخل انهيار طويل. ومع ذلك بقي المخزون القديم حيًّا: الخوف من العدد، من النزوح، من السلاح، من تبدّل التوازنات، من ذوبان الخصوصية.
في سيكولوجيا الجماعة اليمينية المتعصبة، يغادر الفرد اسمه الداخلي كي يدخل في اسمٍ أكبر منه: الطائفة؛ الحزب؛ الذاكرة الجريحة، والسلالة المتخيَّلة. هناك، في قلب الجمع، تنفتح الطبقات العميقة للنفس الجمعية، حيث تتحرك صور بدئية قديمة: القلعة؛ الأب الحامي؛ العدو الآتي من الخارج؛ الجسد المحاصر، والأرض التي تصير أمًّا مهددة. عند هذه العتبة، يتراجع الوعي الشخصي، وتنهض الأرواح الغابرة للجماعة كقوة آمرة.
المتعصب اليميني يعيش داخل خوف موروث، ثم يمنحه هيئة عقيدة. إنه يشعر أن كيانه الفردي هش، فيذوب داخل الحشد بحثًا عن صلابة رمزية. الجماعة تمنحه يقينًا سريعًا، وتختصر العالم في صورتين: نحن بوصفنا النظام، وهم بوصفهم الفوضى. هكذا يتحول الآخر إلى حامل لكل ما تخشاه النفس من داخلها: الضعف؛ الانحلال؛ الذنب؛ الرغبة المكبوتة، والقلق من الفناء.
داخل الجموع، يفقد الفرد مسؤوليته الأخلاقية تدريجيًا، ويظن أنه يتكلم بصوت التاريخ. وفي الحقيقة، يتكلم من خلاله خوف قديم، صنع من الطائفة كهفًا نفسيًا، ومن الزعيم أبًا رمزيًا، ومن العدو ضرورة كي تبقى الجماعة متماسكة حول جرحها المقدس.
اليوم يبدو اليمين اللبناني كأرشيف مزدوج: “يوتوبيا” لبنان الأوروبي المتوسطي من جهة، ورهاب المحيط من جهة أخرى. الحياد؛ الفيدرالية؛ الانعزال الثقافي، واستدعاء الغرب، كلها صيغ حديثة للبحث عن مساحة آمنة داخل شرق مضطرب. قوته تأتي من المخيلة أكثر من البرنامج، ومن الذاكرة أكثر من التنظيم، ومن الطائفة بوصفها مأوى رمزيًا يتجدّد كلما اهتزّ العالم حولها.
