أولًا: عملية البناء الأوروبي، التي شكّلت تاريخيًا نموذجًا عالميًا يُحتذى في بناء الأطر الإقليمية للتعاون بين الدول، تواجه اليوم تحديات متزايدة. يظهر ذلك بوضوح في مجالات الدفاع والأمن الأوروبي المشترك، وكذلك في السياسة، مع غياب سياسة أوروبية موحّدة وفاعلة تجاه القضايا الكبرى التي تواجه الاتحاد الأوروبي. كما يبرز التحدي في الاقتصاد، من خلال التراجع الكبير في القدرة التنافسية الصناعية، وتراجع مكانة الصناعة الأوروبية لمصلحة الصين الشعبية بشكل خاص، إلى جانب الغرق في أزمة الطاقة وما تتركه من انعكاسات سلبية على الدول والمجتمعات الأوروبية.
ثانيًا: تشهد منطقة الشرق الأوسط تحولات عميقة، في ظل إقليم تحاصره الأزمات الساخنة والحروب الممتدة من الخليج إلى البحر الأحمر وشرق المتوسط. وهذه الأزمات، برغم اختلاف أسبابها المباشرة، مترابطة سياسيًا واستراتيجيًا وعقائديًا، سواء بين الدول أو الجماعات الفاعلة فيها. والسؤال المطروح اليوم يتعلق بـ«اليوم التالي»، أي بطبيعة النظام الإقليمي الذي قد ينشأ من حيث موازين القوى وأنماط السياسات والتحالفات. فهل يتجه الإقليم نحو الاستقرار، أم نحو نظام فوضوي لا تحكمه القواعد التقليدية للعلاقات الدولية، بل يقوم على التدخل المستمر في شؤون الآخرين باسم الاستراتيجيات الكبرى أو الهويات العابرة للحدود؟
ثالثًا: ثمة تراجع واضح في الدور الأوروبي التقليدي في شرق وجنوب المتوسط، ولا سيما في القدرة على التأثير الفعلي في احتواء النزاعات وإدارتها وتسويتها، برغم ما تتركه هذه النزاعات من تداعيات مستمرة على الضفة الأوروبية للمتوسط. وفي هذا السياق، تتزايد الخلافات الأميركية ــ الأوروبية داخل «البيت الأطلسي»، تحت تأثير السياسات الأميركية الأحادية من جهة، وعدم التجاوب الأوروبي الكامل معها من جهة أخرى. وتظهر هذه التباينات بوضوح في ملفات تمتد من إيران إلى أوكرانيا، سواء بسبب اختلاف الأولويات أو بسبب تباين النظرة إلى طبيعة الدور المطلوب من الحلفاء.
رابعًا: يأتي «ميثاق المتوسط»، الذي أصدره الاتحاد الأوروبي في تشرين الأول/أكتوبر من العام الماضي، في الذكرى الثلاثين لإطلاق الشراكة الأورومتوسطية المعروفة بـ«مسار برشلونة»، بوصفه محاولة لصوغ رؤية واستراتيجية جديدتين للتعاون. ولا يقتصر هذا التوجه على دول الشراكة المتوسطية فقط، بل يشمل أيضًا دول الخليج العربية ودول إفريقيا جنوب الصحراء ودول غرب البلقان. وتحاول هذه الرؤية الاستفادة من دروس العقود الماضية عبر اعتماد مقاربة أكثر واقعية وعملية وتدرجًا، برغم التحديات الكبيرة التي ما تزال تعيق تحويل هذه الأفكار إلى سياسات تنفيذية واضحة.
خامسًا: تقوم هذه الرؤية الأوروبية الجديدة على توسيع «النادي التعاوني» واعتماد صيغ مرنة للتعاون الإقليمي. وهي تركز على الإنسان، والتعليم النوعي، والتثقيف، وتعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري، إضافة إلى التعاون في مكافحة الهجرة والإرهاب.. غير أن نجاح هذا المسار يقتضي، من الجانب الأوروبي، الإسهام الجدي في معالجة الأسباب البنيوية التي تدفع البشر إلى الهجرة غير القانونية، سواء كانت بيئية أم اقتصادية أم اجتماعية. فالدول الأوروبية مطالبة بالمساهمة في «تصدير» جزء من الحلول إلى دول الجنوب التي تعاني أزمات هيكلية، بدل الاكتفاء بمحاولة منع «استيراد» نتائج هذه الأزمات. ومن هنا، فإن أي تعاون ناجح ينبغي أن يقوم على مفهومين أساسيين: أولهما «التعاون متعدد السرعات»، الذي يسمح لبعض الدول بالتقدم بوتيرة أسرع من غيرها، وثانيهما «الهندسة المتغيرة»، التي تتيح لقطاعات محددة في بعض الدول الانخراط بفاعلية أكبر في مسارات التعاون الإقليمي.
(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية
