يُقال في ذمّ التعجُّل: “من رَكب العجلَ أدركه الزلل“، الزَّلل هو السُّقوط والسُّقوط بحكم التعريف لا خير منه ولا فيه. السُّقوط في أعوام الدراسة عيبة كبيرة، والسُّقوط الأخلاقيُّ خطيئة، وسُقوط برقع الحياء إيذانٌ بما لا يخطر على البال من فواحش، أما السقوط الفعلي الذي يرادف الوقوع أرضًا؛ فحادث أسيف يمكن تجنُّبه بالتزام التريُّث والهدوء.
***
الاستعجالُ سِمة غالبة على أكثرنا، نريد إنجازَ ما يُزعجنا في أقصرِ فترة مُمكِنة؛ لا نعبأ في كثير الأحيان بجودة المنجز ولا بالناتج السلبيّ المتوقَّع جرَّاء تلهُّفنا. يقول الشاعر القديم: “قد يُدرك المُتأني بعضَ حاجته.. وقد يكون مع المُستعجِل الزَّلل“. استخدام حرف “قد” يُخفف من الحتميَّة ويجعلها مجرد احتمال؛ لكن الحكمة العربية الرَّاسخة تقطع الشكَّ باليقين وتؤكد دون ارتياب أن “في التأنّي السَّلامة وفي العَجَلة الندامة“؛ لا مجال هنا لفكّ الارتباط الكائن بين المُتلازِمات أو الإقرار بطَرحٍ مُخالِف.
***
يأتي المأثور الشهير: “العَجَلة من الشَيطان” في مَعرِض التنفير مِن الأداءِ المُتسرّع، والعادة أن تؤديَ السُّرعة غير المَحسوبة إلى عدم الإتقان وارتكاب الأخطاء. الشيطان في المُخيلة الدينية هو أعظم قوى الشرّ على الإطلاق، وعلى هذا فإن كلَّ ما يصدر مِن خلاله أو بدعم منه؛ مَكروه وربما مُخيف، ولا عجب إذًا أن يوحي استحضاره بمشهدٍ لاحق قوامُه الندم على ما جرى.
***
الحِكَم والأمثال التي تمتدح السُّرعةَ وتحبذ التعجَّلَ تبدو أقل عددًا من نقيضاتها، وغالبًا ما تأتي في سياق الحثّ على إتمام الارتباط بين شخصين: “خَير البِرّ عاجله“. هذه العبارة مُوجَزة، ذائعة الصيت، نستعملها في تفصيلات الحياة اليومية، ونتلقاها في نسبة لا بأس بها من الأعمال الدرامية، ونُعيد إنتاجَها وإرسالها ما توافقت الأطرافُ المَعنيَّة، وأحيانًا ما نستدعيها في ظرف مغاير؛ كالتحريض على فعل مَحمود يُرجى إتمامه قبل فوات الأوان.
***
في تحبيذ الهدوء والتروّي تقول الحِكمةُ الخالدة: “من تأنّى نالَ ما تمنّى“، فإذا أدى الإفراط في التأني إلى ضياع الأمنية؛ تحوَّلت القيمةُ الإيجابية إلى النقيض، ولم يعد إلا أن يُطيبَ الناسُ خاطرَ المُتقاعس قائلين: “كلّ تأخيره وفيها خيرة“. يُكنى بطيءُ الأفعال والتصرُّفات بأنه سُلحفاة، والهدف من الكناية جليّ لا يحتاج إلى تفسير؛ لكن السُّلحفاة الدؤوب صاحبةَ الإرادة والإصرار؛ تجد لتفانيها وإخلاصها مَن يُدافع عنها، ومَن يَصوغ الحكايات لينصرَها على الأرنب المُتهاون.
***
في باطن التأني تكمُن القدرةُ على الصَّبر؛ خِصلة مُحبَّبة ولا شك، خاصة ما تعقدت الظروف ولم تعد باليد حيلة. يقول الشاعر: “إني رأيت وفي الأيام تَجرِبةٌ.. للصَّبرِ عاقبةً مَحمودة الأثر“. ثمَّة هامشٌ ضيق ما بين الصَّبر الذي يتحين به المرءُ فرصةً تحقيق النجاح المشهود ويُسفر في النهاية عن انتصارات مُثمَّنة، وبين الصَّبر الذي يتمخَّض عن ركود بلا نهاية؛ يمضي الصَّابر في ركابه إلى حال من البلادة التامة؛ لا يُحرز تقدمًا ولا ينال من رغباته شيئًا. يُوصَف هذا الذي بالغ في التأني حتى انقطع عن أيّ فعل وكاد أن يتجمَّدَ في مكانه بإنه: “بلط في الخط” بتشديد اللام وفتحها.
***
السُّخرية اللاذعة مِمَن يتحرك في تروٍ زائد عن الحدّ، تقدمها العبارةُ الشهيرة: “ماشي على قِشر بيض“. غرضُ البطء هنا هو الحفاظ على القشر -الهشّ بطبيعته- سليمًا، والمَجاز بالطبع بيّن بليغ؛ المُبالغة في السلوك باعثة على الاستهزاء ولو حقَّقت المراد، وفي مسرحية الجوكر لمحمد صبحي، يصبح السَّير داخل الحذاء من أكثر المشاهد إثارة لضحكات المتفرجين. شارك في العمل كلٌّ من محمود القلعاوي وهناء الشوربجي، وأخرجه جلال الشرقاوي ليُعرضَ في نهاية السبعينيات، وليتحول عم أيوب إلى أيقونة مسرحية، خاصة مع سابقة ارتداء الشخصية قناع كامل على خشبة المسرح.
***
يقال دومًا إن “الصَّبر مفتاح الفرج“، والمعنى أنه السبيلُ المُجرَّب إلى حلّ المعضلات وإزالة العراقيل، ولإن تأتى الوصولُ إلى الهدف من خلاله، جاء المثلُ الشعبيّ مُهنئًا ومُباركًا: “صبرت ونلت“.
***
في مديح الصَّبر قال أمير الشعراء: “إن بُليت فكُن صَبورًا.. سوف تنفرجُ الخُطوبُ.. وإن كُسِرت فلا تبالي.. يَجبُر اللهُ القلوب“. أشهر الصابرين أيوب الذي فقد ماله وأولاده وأصابته العِللُ وأقعدته زمنًا طويلًا، فما قنط من الحياة إلى أن برأ من مِحنته وبات مَضرِبًا للأمثال؛ يُقاسُ به الجَّلد وتُمتَحن القدرةُ على التحمُّل. أخرج هاني لاشين فيلم “أيوب” في مطلع الثمانينات، وقام ببطولته عمر الشريف مع مديحة يسري ومحمود المليجي وفؤاد المهندس؛ وفي أحداثه يتحوَّل رجلُ الأعمال النشيط الناجح إلى جَسدٍ مشلول، حبيس مقعد مُتحرك، فيقرر أن يكتبَ مذكراته؛ ليغدو التخلُّصُ منه هدفًا لمن قد تمسَّهم المكاشفة والمصارحة. تخلق القصتان أملًا في تغيير الواقع لكل أيوب توهَّم عجزَه وانغمس في هوانه.
***
إذا أظهر الواحد من أمارات العَجَلة والتسرُّع ما أزعج الآخرين قالوا يتمهلونه: “الدنيا ما طارتش” والقصد أن الأمورَ تمضي على وتيرتها المُعتادة، وأن شيئًا لن يتغير بما يستدعي القلق والتوتر. العبارة بما تحملُ من استعاراتٍ طريفة؛ شائعةٌ في مجتمَع بطيء الحركة، لا يُعطي الوقتَ أهمية، ويدرك أن أوضاعَه المؤسية باقيةٌ لن تتغير قيد أنمُلة، والحقيقة أن الدنيا قد تطير بالفعل، وأن الزَّمنَ الذي يمُر دون أن يسعى المرءُ فيه لكسر قيوده وانتزاع حقوقه؛ وِزر يُثقِل الكاهلَ ويَحجُب المستقبل.
