وليد جنبلاط، بخبرته السياسية التي تمتد لنصف قرن، لا يتعامل مع الوقائع بوصفها أحداثًا منفصلة، بل يقرأها بوصفها شبكات مترابطة. يُدرك أن الدور الإماراتي في الإقليم لم يعد يقتصر على التنافس السياسي أو الاقتصادي، بل تحوّل إلى مشروع لإعادة هندسة الفراغ العربي، حيث تُدار الأزمات لا لحلّها، بل لإنتاج وقائع جديدة على أنقاض الدولة والهوية والسردية التاريخية.
في هذا الإطار، يرى جنبلاط أن ما يجري في حضرموت، وما يحدث في السودان عبر دعم “قوات الدعم السريع”، وما يتشكّل في شرق المتوسط ضمن محور يضم إسرائيل والإمارات واليونان وقبرص، ليست مسارات متباعدة، بل حلقات في مشروع واحد يسعى إلى تحجيم الدور السعودي، وضرب أي إمكانية لبلورة مركز عربي جامع، واستبداله بشبكات نفوذ «ذكية» عابرة للحدود.
لكن أخطر ما في هذا المسار، من وجهة نظر جنبلاط، أنه لا يتوقف عند حدود الجغرافيا، بل يتسلّل إلى النسيج الاجتماعي والهوياتي في دول هشّة مثل لبنان. وهنا تحديدًا تتقاطع الهواجس الإقليمية مع القلق الوجودي. فاختراق لبنان لا يتم عبر السياسة وحدها، بل عبر الجماعات، والرموز، والطوائف، وأدقّها وأكثرها حساسية: الدروز.

يدرك جنبلاط تمامًا أن ثمة جهدًا منظّمًا لاستهداف البيئة الدرزية من خارج لبنان، عبر مسارات لا تشبه محاولات الاستمالة الخليجية التقليدية. ثمة مسار، من وجهة نظره، يقوم على الاستثمار في الديني والرمزي والعابر للحدود، وعلى إعادة تعريف موقع الدروز في الصراع الإقليمي. ومن هنا تأتي حساسيته تجاه أدوار موفّق طريف داخل الأراضي المحتلة، وما يقابله من تموضع حكمت الهجري في السويداء، حيث يجري تحفيز خطاب «الخصوصية» و«الحماية» و«الانفصال عن المشروع العربي»، تمهيدًا لدمج الدروز في سرديات جديدة لا تمتّ إلى تاريخهم بصلة.
وبالنسبة لجنبلاط، لا تُختزل المسألة في بُعد مذهبي ضيّق، بل تشكّل اختبارًا سياسيًا خطيرًا: فإذا نجح تفكيك جماعة صغيرة، يصبح تعميم النموذج على بقية الجماعات أسهل. والنتيجة ليست حماية الأقليات، بل تحويلها إلى أدوات ضمن صراعات كبرى لا تملك قدرة التحكم بمآلاتها.
ضمن هذه القراءة، يفهم جنبلاط أن استهداف الدروز لا يجري بمعزل عن فصلهم التدريجي عن محيطهم السني الإسلامي الكبير الذي شكّل، تاريخيًا، عمقهم السياسي والاجتماعي في المشرق. وهذا الفصل لا يُنفَّذ دفعة واحدة، بل عبر مسار متدرّج يبدأ باستهداف مراكز الثقل السني الإقليمي، وتشويه نماذج الحكم أو الفاعلين القادرين على إنتاج سردية عربية غير خاضعة للمحاور الصلبة.
في هذا السياق، يقرأ جنبلاط استهداف أحمد الشرع في سوريا لا كخلاف سياسي عابر، بل كمحاولة مبكرة لضرب نموذج سني عربي خارج الوصاية الإسرائيلية، وقابل — نظريًا — للاندماج في محيط عربي أوسع..
أما الحلقة الثالثة في هذا المسار، فيراها جنبلاط في محاصرة المملكة العربية السعودية سياسيًا وأمنيًا، سواء عبر اليمن، أو عبر إعادة توزيع النفوذ في السودان والصومال، أو عبر محاولات سحب المبادرة منها في ملفات مركزية. فالسعودية، برأي جنبلاط، تمثّل اليوم أكبر مظلة سنية عربية كبرى قادرة على منع اكتمال مشروع التفكيك، وهو ما يفسّر تلاقي الضغوط عليها من أكثر من جهة وفي أكثر من ساحة.
وتكتسب هذه القراءة أهمية إضافية في ظل التحوّلات الأخيرة التي شهدها الإقليم، ولا سيما ضرب حماس وحزب الله، بما حملاه تاريخيًا من قدرة — ولو متناقضة — على تعطيل بعض المسارات الإسرائيلية. وجنبلاط، على الرغم من ملاحظاته العميقة والقديمة على الدور الإيراني، يدرك أن إضعاف هذه القوى لم يُستثمر في إعادة بناء توازن عربي، بل لتسريع إعادة ترتيب المنطقة في سياق “إسرائيل الكبرى” وخارج أي مرجعية عربية جامعة.
في موازاة ذلك، يراقب جنبلاط بقلق تصاعد دور اللوبيات المالية والإعلامية اللبنانية في الخارج، التي باتت تمارس حشدًا منظّمًا ضد أي صوت عربي ناقد لإسرائيل أو رافض للتطبيع بوصفه قدرًا. واللافت للانتباه في هذا التحوّل أن الاستهداف لم يعد يقتصر على قوى «محسوبة على الممانعة»، بل بات يطال كل خطاب عربي مستقل، وخصوصًا حين يصدر عن شخصيات درزية، لما لذلك من رمزية مضاعفة.
وهنا يبرز اسم أحد المصرفيين اللبنانيين في واشنطن بوصفه ركنًا أساسيًا في هذا المشهد عبر حشد شبكاته المالية والإعلامية، وأدواته في الداخل والخارج، ضد أي موقف عربي معادٍ لإسرائيل. وهذا الحشد لا يعمل فقط على الرد أو النقد، بل على العزل والتخوين، وتقديم الخصوم بوصفهم «من بقايا زمن عربي انتهى» أو «عقبة أمام التطوير والتحديث».
ولا يمكن فصل هذا المشهد عن قضايا تبدو، للوهلة الأولى، غرائبية أو هامشية، لكنها في العمق تتحرّك ضمن المنطق نفسه. فقصة الأمير السعودي الوهمي “أبو عمر»، التي كُشفت بدايةً كقضية احتيال مالي، بدأت تتكشف تدريجيًا كجزء من شبكة أوسع تستثمر الفراغ العربي، وتصنع شخصيات وهمية تُستخدم لفرض وقائع سياسية وإعلامية غريبة عن السياق الطبيعي للعلاقات العربية.
ما يجمع بين حملة “الحشد” ضد جنبلاط، وقضية الأمير الوهمي “أبو عمر”، ليس التفاصيل التقنية، بل المنهج الواحد: صناعة نفوذ خارج الدولة، تفريغ السياسة من مضمونها، وإحلال شبكات غير رسمية محلّ المؤسسات، تمهيدًا لإعادة رسم الخريطة السياسية للمنطقة بلا مقاومة فعلية.
في هذا السياق، تبدو تغريدة جنبلاط أقل أهمية من ردّ الفعل عليها. فالهجوم المنظّم، والتحريض الإعلامي المكثّف، والسعي السريع لإسكاته أو تشويهه، كشف حجم الحساسية التي أصابها كلامه. وعندما ترتبك شبكات النفوذ، فغالبًا لأن أحدهم اقترب أكثر مما ينبغي من توصيف المسار الحقيقي.
في الخلاصة، لم يحذف جنبلاط تغريدته لأنه أخطأ في قراءته، بل لأن اللحظة لم تكن تسمح بكشف كل ما يعرفه دفعة واحدة. لكن ما قاله يكفي للإشارة إلى مسار ما: اختراق ناعم تقوده الإمارات، وأدوات لبنانية تموّل كل من يصفق لإسرائيل وتسكت كل صوت عربي معادٍ لها، ومحاولات لإعادة تعريف الهويات، واستثمار فوضوي للفراغ العربي لفرض وقائع سياسية غير مسبوقة. مسارٌ إن اكتمل، لن يكون لبنان ولا الدروز ولا غيرهم آخر ضحاياه.
