المرءُ مَفطورٌ على احتمال قدرٍ مُعيَّن من المؤثرات؛ يتناسب مع بنائِه النفسيَّ ومُقوماتِه الجسديَّة، ويضمن له شيئًا من الاتزان والثبات في الأداء؛ فإذا نشأت فجوةٌ واسعةٌ بين قدرات الواحد وما يُصادف في حياته من أحداث ووقائع؛ ظهر ردُّ فعلٍ جديد لكنه غير مَحسوب بدقة. على سبيل المثال قد يأتي الإفراطُ في التمريناتِ الرياضية بنتيجة سلبيةً سيئة؛ إذ يُجهِد العضلات بشدة ويدفع للكفّ عن المران والابتعاد عن الحلبة؛ لكنه على الجانب المقابل قد يحرض على العكس، فيخلق تحديًا قويًا؛ يدفع الشَّخصَ للتجلُّد والمُواصَلة ومحاولة التغلُّب على الإجهاد، وربما تمكَّن في نهاية الأمر من تطوير قدراته وتنمية عضلاته وصَقْل مهاراته.
***
يقول المثلُ الشعبيُّ الذي اعتدنا الاستعانة به في مواقف عديدة: “على أد لحافك مِدّ رجليك”، والمراد أن يتصرَّفَ المرءُ في حدود ما يَملِك ويستطيع، وأن يُرتب معيشتَه بما يحقّق له الاكتفاءَ دون اضطرارٍ لسؤال أو مَذلَّة، والمؤسف أن “اللحافَ” المذكور قد تقلَّص وانكمَش في الآونة الأخيرة، ولم يعد باستطاعته سَتر السيقان ولا حتى تدفئةِ الظهور. على أي حال؛ أحمل لهذا المَثل ذكريات مُتعددة وطريفة، فهو أحد النماذج التي يستخدمها الأطباءُ النفسيون في تقييم الوظائف العقلية العليا للشخص المراد اختباره، ومنها مدى تمكُّنه من عملية التجريد واستخلاص المعاني. يُجيبُ المُعتلُّ في العادة بصورة تبدو سَاذجةً طفولية؛ يتحدَّث مباشرة وحصرًا عن اللحافِ وطوله واحتمالات تغطيته القدمين، أما السَّليم صاحب الإدراكِ الطبيعي؛ فيتطرَّق إلى ما وراء الكلماتِ ويلتقط المَجاز. لا شكّ في أن الأمثلةَ الشعبية وافرةٌ غزيرة، والحِكَم والمأثورات التي يمكن استخدامها في أغراضِ التقييمِ والتشخيص لا أول لها ولا آخِر؛ إنما نال هذا المثلُ مكانةً بارزةً دون غيره لسهولته، وطرافة الصورة البلاغية الحاضرة في كلماته.
***
مِن بَين ما أنشد أبو الطيب المُتنبي: “على قدرِ أهلِ العَزمِ تأتي العزائمُ .. وتأتي على قَدرِ الكرامِ المَكارمُ .. وتعظمُ في عين الصَّغير صغارها .. وتصغُر في عَينِ العَظيمِ العَظائمُ”. تصنع المُقابلات في الأشطر الأربعة إيقاعًا ذهنيًا فريدًا يجعل الأبياتَ سهلةَ الحفظ، قريبةً للذاكرة، بينما يبعث تكرار الأحرفِ في أذنِ السَّامع موسيقى مُمتِعة، ولا خلاف مِن بَعد على المُحتوى الذي يجري تأكيده عبر استعمال المُتضادَّات والمُترادفات، أما عن أغراض الفَخر والمُباهاة التي اشتهر بها الشاعر المَرموق، فمتواريةٌ بين السُّطور؛ إذ يُفهَم من دون شك أنه يربأ بذاته عن النواقِص، ويُوردها مقامَ الرفعة والكرامة واكتمالِ الإرادة، وعلى غير هذا يكون الصَّغار المتهافتون.
***
كثيرون هم أصحابُ المناصب العيلا الذين يتعرَّضون لانتقادات جَمَّة بسبب الأداء المُتواضِع، والحضور الضَّعيف المتداعي. تراهم الجماهير أقلَّ مهارة من المَواقِع التي حازوا، وتدرك في لحظة مُكاشفة مؤلمة أن المسئوليات المطروحة أكبر من أحجامهم؛ أو ربما كانوا أكثر ضآلةً ومَحدودِيَّة من التوقُّعات والأماني. رَفع الرئيسُ الأمريكي شعارات برَّاقة تتحدَّث عن إعادة بلاده إلى المُقدمة من جديد؛ لكنه تسبَّب في تراجعها بعد فترةٍ وجيزة، واستدَرَّ من السُّخرية ما زاد وفاض. تبيَّن الناخبون في رؤاه وأفكاره حمقًا لا شفاء منه، وفي تعبيراته التي يلقيها على الملأ بلا غربلة ولا تنسيق ما يُخجِل السَّامعين، ولم يعد خافيًا أنه غير مناسب للمكانة الرفيعة التي احتلها؛ ومثله حكامٌ آخرون، يتحدثون فتتجلى في أحاديثهم السَّذاجة، ويَعدِون فتسقط وعودهم أرضًا، ويؤكدون فيضحك من اختبروا من قبل تطمينات وتأكيدات بلا حَصر وتيقنوا أنها مُجرد زَبَدٌ على السَّطح.
***
يُقال إن فلانًا “فيه الكفاية”، بمعنى أن وجودَه يُغني عن وجودِ غيره، وأن اضطلاعَه بأمر من الأمور كفيلٌ ببثّ الثقة في حسْن تمامه، وعلى الجهة الأخرى يُعلق الناسُ على حال مَن نكَص عن الوفاء بواجباته، فيقولون إن “الشيلة أكبر منه”، أو إنها “تقيلة عليه”، ولا جدال بعد تجارب عديدة ومريرة في أن العِبرةَ بالكيفِ لا بالكمّ، وأن فردًا واحدًا في المكان المناسب؛ خيرٌ من ألفٍ مُجتمعين لكنهم لا يَفقهون.
***
في المَوروثِ الدينيّ تأتي عبارة: “كلٌّ ميسر لما خُلِقَ له”، وقد درجنا على استخدامها في مواقف كثيرة بعضها نعتذر فيه عن تقصيرنا إزاء من نخاطبه، وبعض ثانٍ نجد بها مبررًا لتقاعس الآخرين، والحقُّ أن لدى كلّ امرئ ما يلائم دوره في الحياة ويساعده عليه، ومما لا شك فيه أن ثمةَ اختلافات جمَّة بين البشر؛ فما يصلح لواحد قد يشقُّ على آخر، وما يتناسب وإمكانات فرد قد يُعجِز غيره ويورثه الضيق والحسرة، والغايةُ أن الإصرار على الدفع بمَن لا يملكون مُؤهلات مُكافِئة لمناصبهم، ولا يحوزون حدًّا أدنى من الصِفات التي تتطلبُها أعمالُهم ووظائفُهم؛ إنما يهدمُ البناءَ ويُقوض ما تبقَّى من أساسات، والظنُّ أن المبدأ القديم الذي يُعلي من شأنِ أهلِ الثقةِ على شأنِ أهلِ الخبرة؛ قد أثبت على مرّ الأعوام فشلًا عصيًّا على الإنكار، وأن الرغبةَ في إخلاء المجال العام من كلّ صَوْتٍ أصيل، والاحتفاظ بالأصداء وحدها؛ لا يمكن أن يُسفرَ عن اتخاذ خُطوة واحدة إلى الأمام.
(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية
