الذكاء الاصطناعي وتصاعد المخاوف حول الأمن البيولوجي: قراءة تحليلية

18018007/08/2026
حسب الباحث المتخصص تود كويكن، في موقع "أوراسيا ريفيو"، يثير التقارب المتزايد بين الذكاء الاصطناعي وعلوم الأحياء "مخاوف تتعلق بالأمن البيولوجي، ولا سيما احتمال أن تتمكن نماذج الذكاء الاصطناعي من تصميم تسلسلات جديدة للحمض النووي (DNA) قد تنطوي على مخاطر ولا تستطيع أدوات الفحص الحالية اكتشافها. وقد دفع ذلك القطاع الصناعي إلى تطوير أطر للحوكمة الذاتية، إلى جانب تزايد الدعوات لإلزام جميع عمليات تصنيع الأحماض النووية بإجراءات فحص مسبقة".

يشير مصطلح الذكاء الاصطناعي (AI) عمومًا إلى الأنظمة الحاسوبية القادرة على العمل والاستجابة بطرائق يُعتقد تقليديًا أنها تتطلب قدرات ذهنية بشرية. ويمكن لتقنيات الذكاء الاصطناعي ومنهجياته وتطبيقاته أن تقدم فوائد كبيرة للبحث والتطوير في علوم الحياة. فعلى سبيل المثال، يمكن دمج الذكاء الاصطناعي مع أدوات التصميم البيولوجي للمساعدة في تصميم أدوية جديدة، وهو ما يفتح آفاقًا واسعة أمام الابتكار العلمي.

وفي المقابل، أثارت هذه القدرات المحتملة مجموعة من المخاوف المتعلقة بالسلامة والأمن البيولوجيين. إذ يرى عدد من الباحثين أن هذه التقنيات قد يُعاد توظيفها أو إساءة استخدامها لإنتاج مركبات بيولوجية أو كيميائية خطرة. ومن المتوقع أن يواصل الكونغرس الأميركي تقييم تأثير نماذج الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته في علوم الحياة وفي مجالات البحث العلمي الأخرى. وفيما يتعلق بالمخاطر المحتملة على الأمن البيولوجي، قد ينظر الكونغرس في آليات رقابية مختلفة لتقييم هذه المخاطر وإدارتها، من بينها المعايير الطوعية، والأطر التنظيمية التي يقودها القطاع الصناعي، واللوائح الصادرة عن الوكالات الفيدرالية.

استخدامات الذكاء الاصطناعي في البحث البيولوجي

يمكن توظيف الذكاء الاصطناعي في طيف واسع من التطبيقات البحثية، سواء المتخصصة في مجالات معينة أو المرتبطة بعمليات البحث والتطوير بصورة عامة. ومن أبرز الأمثلة على ذلك الهندسة البيولوجية، وهي مجال يقوم على تطبيق مبادئ الهندسة واستخدام أدوات التصميم المنهجي لإعادة برمجة الأنظمة الخلوية من أجل تحقيق وظائف محددة.

وقد أتاح استخدام الذكاء الاصطناعي في هذا المجال تحقيق تقدم ملحوظ في العديد من التطبيقات الصناعية والبحثية. فمن خلال دمجه مع أدوات التصميم البيولوجي، أصبح بالإمكان تصميم تسلسلات الأحماض النووية، مثل الحمض النووي الريبوزي منقوص الأكسجين (DNA)، ثم استخدامها لإنتاج نسخ فعلية من هذه التسلسلات عن طريق التصنيع الحيوي.

كما يستخدم عدد متزايد من الباحثين الذكاء الاصطناعي لتحليل البيانات الجينومية، مثل تسلسلات الحمض النووي، بهدف تحديد الأساس الوراثي للصفات المختلفة، ودراسة البروتينات وتحديد بنيتها ثلاثية الأبعاد، فضلًا عن تصميم مركبات كيميائية جديدة يمكن أن تسهم في اكتشاف أدوية مبتكرة.

وعلى نطاق أوسع، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يؤدي دورًا مهمًا في إدارة عمليات البحث العلمي نفسها. فقد بدأ استخدامه داخل المختبرات الذاتية التشغيل (Autonomous Laboratories)، التي تُعرف أيضًا باسم المختبرات ذاتية القيادة أو المختبرات السحابية، وهي منشآت قادرة على إجراء التجارب بدرجة محدودة جدًا من التدخل البشري، أو حتى من دونه في بعض الحالات.

ويرى بعض الباحثين أن هذه الأدوات، التي يُشار إليها أحيانًا باسم العلماء المعتمدين على الذكاء الاصطناعي، مثل روبوتات المحادثة المتخصصة في البحث العلمي، قد تتمكن مستقبلًا من اقتراح أفكار علمية جديدة وتصميم تجارب بحثية تتجاوز المهام التي بُرمجت أساسًا لتنفيذها.

ورغم أن مؤيدي الذكاء الاصطناعي وعددًا من مطوري نماذجه يؤكدون أن هذه التقنيات ستسرّع وتيرة الاكتشافات في علوم الحياة، فإن آخرين يرون أن قدراتها الحالية لا تزال أقل مما يُروَّج لها.

وفي مقابلة أُجريت معها في يونيو/حزيران 2026، قالت العالمة الحائزة جائزة نوبل في الكيمياء جينيفر دودنا، تعليقًا على استخدام الذكاء الاصطناعي في التكنولوجيا الحيوية، إن «علم الأحياء بالغ التعقيد»، وإن «الابتكار لا يزال، في الوقت الراهن، مجالًا يختص به البشر… وأنا لا أرى روبوتات المحادثة تأتي بفكرة علمية جديدة بالكامل».

وتشير هذه الملاحظات إلى أن التصاميم البيولوجية التي يولدها الذكاء الاصطناعي، مثل تسلسلات الحمض النووي، لا تكتسب قيمة عملية بمجرد إنتاجها رقميًا، بل يجب تصنيعها فعليًا وإخضاعها لتجارب مخبرية دقيقة للتحقق من صلاحيتها وجدواها، وكذلك لتقييم ما قد تنطوي عليه من مخاطر تتعلق بالسلامة أو الأمن البيولوجيين، بعيدًا عن التنبؤات النظرية التي تقدمها نماذج الذكاء الاصطناعي.

وفي المقابل، يرى عدد من الباحثين في علوم الحياة، وشركات التكنولوجيا الحيوية، وخبراء السلامة والأمن البيولوجيين، إضافة إلى بعض شركات الذكاء الاصطناعي، أن هذه النماذج قد تُستخدم على نحو يثير مخاطر أمنية جديدة. ومن أبرز هذه المخاوف إمكانية تصميم تسلسلات جديدة للحمض النووي قد تكون ذات طبيعة خطرة، ولا تستطيع أدوات الفحص الحالية اكتشافها، وفقًا لتقديرات المعهد الوطني الأميركي للمعايير والتكنولوجيا (NIST).

معالجة المخاوف المتعلقة بالأمن البيولوجي في عصر الذكاء الاصطناعي

لا يوجد في الولايات المتحدة حتى الآن قانون فيدرالي شامل ينظم السلامة والأمن البيولوجيين ويقرن ذلك بعقوبات قانونية ملزمة، باستثناء الأحكام الواردة في برنامج العوامل البيولوجية الانتقائية الفيدرالي (Federal Select Agent Program)، الذي يقتصر نطاقه على أنواع محددة من العوامل البيولوجية والسموم.

وتخضع الرقابة على السلامة والأمن البيولوجيين في المختبرات لمزيج من التشريعات الفيدرالية، والإرشادات التنظيمية، وآليات الحوكمة الذاتية التي تختلف باختلاف طبيعة التجارب والعوامل البيولوجية المستخدمة.

وفي 5 مايو/أيار 2025، أصدر البيت الأبيض الأمر التنفيذي رقم 14292 بعنوان «تعزيز سلامة وأمن البحوث البيولوجية»، الذي كلف مكتب سياسة العلوم والتكنولوجيا (OSTP) بمراجعة أو استبدال السياسة الحكومية الأميركية لعام 2024 الخاصة بالإشراف على البحوث ذات الاستخدام المزدوج المثيرة للقلق ومسببات الأمراض ذات الإمكانات الوبائية المعززة خلال مدة لا تتجاوز 120 يومًا.

كما ألزم الأمر التنفيذي المكتب نفسه، خلال 90 يومًا، بمراجعة أو استبدال إطار عمل فحص تصنيع الأحماض النووية لعام 2024، الذي وضع متطلبات للجهات المستفيدة من التمويل الفيدرالي في الأبحاث المرتبطة بإنتاج الأحماض النووية الاصطناعية.

ووفقًا لنص الأمر التنفيذي، ينبغي أن تتبنى السياسة الجديدة «نهجًا عمليًا يقوم على المنطق السليم، ويشجع بصورة فعالة مزودي تسلسلات الأحماض النووية الاصطناعية على تطبيق آليات شاملة وقابلة للتوسع ويمكن التحقق منها لفحص طلبات الشراء، بما يقلل مخاطر إساءة الاستخدام

إقرأ على موقع 180  الصين والهند.. وحلم التقاء العملاقين الآسيويين!

وفي يوليو/تموز 2026، أصدر البيت الأبيض السياسة الحكومية الأميركية لوقف أبحاث علوم الحياة عالية الخطورة تنفيذًا للأمر التنفيذي، لتحل محل سياسة عام 2024. غير أن هذه الوثيقة لم تتضمن تعديلًا أو استبدالًا لإطار عمل فحص تصنيع الأحماض النووية الصادر في عام 2024.

تحركات قطاع الذكاء الاصطناعي لمعالجة مخاطر الأمن البيولوجي

حتى الآن، لم يقر الكونغرس الأميركي أي تشريع فيدرالي يمنح السلطات التنظيمية صلاحيات شاملة لتنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي، سواء بصورة عامة أو في مجال علوم الحياة على وجه الخصوص.

وفي ظل هذا الفراغ التشريعي النسبي، بادرت شركات التكنولوجيا الحيوية وشركات الذكاء الاصطناعي إلى تطوير معايير مهنية وأطر للحوكمة الذاتية تتناول الجوانب المرتبطة بالأمن البيولوجي.

كما أسهمت بعض المؤسسات الحكومية في دعم هذه الجهود. ومن أبرزها المشروع الذي يقوده المعهد الوطني للمعايير والتكنولوجيا (NIST) والمعروف باسم «الأمن البيولوجي لتسلسلات الأحماض النووية الاصطناعية»، والذي يعمل بالشراكة مع القطاعين العام والخاص على تطوير معايير أكثر كفاءة لفحص طلبات تصنيع الحمض النووي، إضافة إلى تقييم السبل الممكنة للحد من المخاطر المرتبطة باستخدام أدوات التصميم البيولوجي المدعومة بالذكاء الاصطناعي.

وفي هذا الإطار، طوّر الاتحاد الدولي لتصنيع الجينات (International Gene Synthesis Consortium – IGSC)، وهو تجمع صناعي يضم شركات ومنظمات متخصصة في تصنيع الجينات، بروتوكولًا موحدًا لفحص كل من التسلسلات الجينية المطلوب تصنيعها وهوية العملاء الذين يطلبون تصنيعها.

وقد أصبح هذا البروتوكول جزءًا من المعايير الصناعية المعتمدة، كما أُدرج ضمن بعض المتطلبات الخاصة بالمشروعات البحثية الممولة فيدراليًا، بهدف الحد من المخاطر المرتبطة بتصنيع الأحماض النووية الاصطناعية.

مبادرات OpenAI وAnthropic

في مايو/أيار 2026، نشرت شركة OpenAI إطارًا للحوكمة يوضح منهجيتها في تقييم المخاطر والحد منها، ويشمل أربعة مجالات رئيسية هي:

  • الهجمات السيبرانية.
  • المخاطر الكيميائية والبيولوجية والإشعاعية والنووية.
  • التلاعب الضار بالمستخدمين.
  • فقدان السيطرة على أنظمة الذكاء الاصطناعي.

كما أطلقت الشركة برامج بحثية مخصصة لاختبار فعالية الضمانات الأمنية المتعلقة بالاستخدامات البيولوجية المتقدمة للذكاء الاصطناعي.

ومن بين هذه البرامج مسابقات لاكتشاف ما يعرف باسم «كسر الحماية» (Jailbreaks)، وهي محاولات يقوم بها باحثون أو مختصون في الأمن السيبراني لاستغلال الثغرات الموجودة في أنظمة الذكاء الاصطناعي وتجاوز القيود الأخلاقية المفروضة عليها، بما يسمح بتنفيذ مهام محظورة.

وقد خصصت OpenAI في أحدث هذه المسابقات مكافآت تصل إلى 50 ألف دولار لمن ينجح في اكتشاف وسائل عامة لتجاوز الضوابط البيولوجية المطبقة في ChatGPT.

وفي يونيو/حزيران 2026، أصدرت شركة Anthropic بدورها إطارًا مقترحًا للسياسات الحكومية يهدف إلى التعامل مع أربع فئات رئيسية من المخاطر التي قد تنشأ عن نماذج الذكاء الاصطناعي، وهي:

  • الأسلحة البيولوجية.
  • الهجمات السيبرانية الهجومية.
  • فقدان السيطرة على أنظمة الذكاء الاصطناعي.
  • أتمتة عمليات البحث والتطوير العلمي.

ويقسم المقترح هذه السياسة إلى محورين رئيسيين.

يتعلق المحور الأول بالتزامات الشركات المطورة للنماذج المتقدمة، ويشمل اختبار النماذج للكشف عن «المخاطر الكارثية»، ونشر نتائج هذه الاختبارات، وإخضاع الشركات للمساءلة أمام جهة حكومية مختصة.

أما المحور الثاني، فيركز على تعزيز قدرة المجتمع على الصمود في مواجهة المخاطر التي قد يسرع الذكاء الاصطناعي من ظهورها أو يزيد من خطورتها، ولا سيما في المجالين البيولوجي والسيبراني.

دعوات إلى تشديد الرقابة على تصنيع الحمض النووي

وفي يونيو/حزيران 2026، وجهت مجموعة ضمت باحثين في علوم الحياة، وشركات للذكاء الاصطناعي، ومطوري تقنيات التكنولوجيا الحيوية ـ بمن فيهم عدد من أعضاء الاتحاد الدولي لتصنيع الجينات ـ رسالة مفتوحة إلى الكونغرس الأميركي جاء فيها:

«ندعو المشرعين إلى جعل فحص جميع طلبات تصنيع الأحماض النووية الاصطناعية، وكذلك المعدات المستخدمة في تصنيعها، إجراءً إلزاميًا

ويقترح الموقعون أن تقع مسؤولية تنفيذ هذه الضوابط على شركات تصنيع الحمض النووي نفسها، لا على مطوري أدوات التصميم البيولوجي أو نماذج الذكاء الاصطناعي التي تستخدم في تصميم هذه التسلسلات.

اعتبارات أمام الكونغرس

وفي هذا السياق، يدرس الكونغرس الأميركي عددًا من مشاريع القوانين والخيارات التنظيمية التي تهدف إلى تحقيق توازن بين تشجيع الابتكار وإدارة المخاطر، بما يشمل تحديث آليات الرقابة على الأبحاث ذات الاستخدام المزدوج، ووضع معايير لفحص الأحماض النووية الاصطناعية، وإعداد أطر تنظيمية تتناول الدور المحتمل للذكاء الاصطناعي في المخاطر الكيميائية والبيولوجية.

وقد ينظر الكونغرس في مدى كفاية السياسات الفيدرالية وآليات الرقابة المعمول بها حاليًا لمعالجة المخاوف المحتملة الناشئة عن التقاطع بين الذكاء الاصطناعي والعلوم البيولوجية، أو في الحاجة إلى اتخاذ خطوات إضافية، مثل وضع سياسات فيدرالية جديدة أو إنشاء سلطات تنظيمية متخصصة.

وقد تشمل هذه الإجراءات المضي في المبادرات التي أيدها الموقعون على الرسالة المفتوحة، والتي تناولها الأمر التنفيذي في ما يتعلق بمعايير قطاع التكنولوجيا الحيوية، مثل فحص طلبات تصنيع الأحماض النووية، فضلًا عن دراسة أطر الحوكمة الذاتية من قبيل تلك التي وضعها الاتحاد الدولي لتصنيع الجينات.

وتعكس مشاريع القوانين المطروحة محاولة تشريعية لتحقيق توازن بين تسريع الابتكار العلمي والتكنولوجي، من جهة، وبناء منظومة رقابية قادرة على التعامل مع المخاطر الجديدة التي قد تنتج من دمج الذكاء الاصطناعي بالعلوم البيولوجية، من جهة أخرى.

(*) ترجمة بتصرف نقلاً عن موقع “أوراسيا ريفيو

Print Friendly, PDF & Email
180

Download Nulled WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Nulled WordPress Themes
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  أولوية أردوغان.. تركيا موزعة غاز لأوروبا