إيران والغرب.. يدٌ على “الزناد” وأخرى ممدودة للتفاوض

وُضِعت طهران تحت الضغط مجدداً. ومهلة الشهر التي منحتها الترويكا الأوروبية (فرنسا وبريطانيا وألمانيا)، لطهران للعودة إلى طاولة المفاوضات النووية مع واشنطن، تحت طائلة استئناف العقوبات الأممية، قد لا تكون كافية لتجاوز الخلافات والتعقيدات التي تُخيم على الملف النووي الإيراني، ويترافق ذلك مع عودة الحديث عن جولة عسكرية جديدة بين إيران وإسرائيل.

قبل كل شيء، لا بد من الإضاءة على الوسيلة التي تُمكّن الأوروبيين – بتشجيع من الولايات المتحدة – من معاودة فرض العقوبات الأممية على إيران. بموجب قرار مجلس الأمن الرقم 2231، الذي تلا التوقيع على خطة العمل الشاملة المشتركة (وهي الإسم الرمزي للاتفاق النووي) بين إيران ومجموعة دول خمسة زائد واحد التي تضم الدول الدائمة العضوية في مجلس وألمانيا عام 2015، يحق لأي طرف من الأطراف الموقعة على الاتفاق العودة إلى مجلس الأمن قبل 18 تشرين الأول/أكتوبر 2025، تاريخ انتهاء مفعول الاتفاق النووي (2015-2025)، ليطلب من المجلس إعادة تفعيل العقوبات الأممية في ما يصطلح على تسميته بـ”آلية الزناد” أو (سناب باك)، على طهران بتهمة انتهاك بنود الاتفاق. ولا يحق لروسيا والصين استخدام “الفيتو” ضد قرار التفعيل بموجب الاتفاق، بينما لا تستطيع واشنطن الطلب من المجلس فرض العقوبات الدولية مجدداً، كونها انسحبت من خطة العمل الشاملة المشتركة إبان الولاية الأولى للرئيس دونالد ترامب عام 2018.

لهذا، ومع اقتراب موعد 18 تشرين الأول/أكتوبر، الذي يصير بعده في مستطاع روسيا والصين استخدام “الفيتو” ضد فرض عقوبات دولية على إيران، تحركت الترويكا الأوروبية، لزيادة الضغط على طهران بتحديد ثلاثة شروط لإرجاء اللجوء إلى تفعيل العقوبات لمدة ستة أشهر وهي: السماح لمفتشي الأمم المتحدة بالوصول إلى برنامج إيران النووي؛ معالجة المخاوف في شأن مخزون إيران من اليورانيوم المخصب، وعودة إيران إلى طاولة المفاوضات مع الولايات المتحدة.

مفاوضات.. لا مفاوضات!

وكان لافتاً للانتباه الموقف الذي أطلقه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي قبل أيام، في مقابلة مع جريدة “الشرق الأوسط” قال فيها إن إيران مستعدة لخوض مفاوضات غير مباشرة مع الولايات المتحدة، “شرط أن يُطمئننا الأميركيون بأنهم لن يقدموا على أي اعتداء عسكري في أثناء المفاوضات”، واضاف”إذا كانوا يعتقدون أن ما عجزوا عن تحقيقه عبر الهجمات العسكرية يمكن أن ينجزوه من خلال المفاوضات، فلن تُعقد هذه المفاوضات”.

وكانت المفاوضات الإيرانية غير المباشرة مع واشنطن، قد توقفت بسبب الحرب الإسرائيلية في 13 حزيران/يونيو الماضي، والتي تخللها توجيه أميركا ضربات إلى المنشآت النووية الثلاث (فوردو ونطانز وأصفهان). ولم تغير الحرب في الموقف الإيراني القائم على التمسك بحق تخصيب اليورانيوم على الأراضي الإيرانية مع ابداء مرونة في نسبة التخصيب، بينما ترفض إدارة ترامب منح طهران هذا الحق..

هنا، دخلت الترويكا الأوروبية على خط الوساطة، وأجرى ممثلون عنها اجتماعات مع نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي في اسطنبول وجنيف، كان آخرها الثلاثاء الماضي، من دون التوصل إلى نتائج إيجابية. والخميس، أبلغت الترويكا مجلس الأمن بنيتها اللجوء إلى “آلية الزناد” لتفعيل العقوبات الدولية على إيران، في حال لم تسفر الديبلوماسية عن حلول في مهلة شهر.

الرد الإيراني الأولي، كان بدء صوغ مشروع عاجل في مجلس الشورى (البرلمان) يقضي بانسحاب إيران الكامل من معاهدة حظر الانتشار النووي. وسبق لمسؤولين ونواب إيرانيين أن هدّدوا بالانسحاب من المعاهدة في حال تفعيل العقوبات الأممية، التي من شأنها تصعيد المشاكل الاقتصادية في الداخل الإيراني، لأنها ستصعب وصول إيران إلى النظام المالي العالمي، وتمنع تزويدها بأنظمة تسلح بينها الصواريخ والدبابات والطائرات، وتفرض تفتيش السفن والطائرات الإيرانية في المرافىء العالمية، مما يلحق ضرراً بتصدير النفط الإيراني الذي تشتري الصين معظمه.

المواجهة هل تتجدد؟

وفوق هذا وذاك، إذا لم تنجح الديبلوماسية في جسر الهوة بين الموقفين الإيراني والأميركي في غضون شهر، وفُعلّت العقوبات، فإن مخاطر الذهاب إلى حرب جديدة بين إيران من جهة وإسرائيل وأميركا من جهة ثانية، تصير أكثر ترجيحاً.

برغم التماسك الذي أبداه الإيرانيون خلال الحرب، وتغليب الشعارات الوطنية على تلك التي تُمجّد النظام، على غرار ما ساد إبّان الحرب العراقية-الإيرانية فإن المصاعب الاقتصادية تقض مضاجع الإيرانيين العاديين، بما يُحفّز شريحة واسعة من المسؤولين وفي مقدمهم الرئيس مسعود بزشكيان، على عدم إقفال الباب نهائياً أمام الديبلوماسية، واستكشاف كافة الخيارات التي يُمكن أن ترفع عن إيران عبء العقوبات

وعليه، تسعى إيران منذ انتهاء الحرب الأخيرة في 24 حزيران/يونيو، إلى اعادة بناء قدراتها العسكرية والاستعداد لجولة قتال جديدة. ويرى نائب الرئيس التنفيذي لـ”معهد كوينسي لفن الحكم المسؤول” في واشنطن تريتا بارسي في مقال بمجلة “ذا ناشيونال إنترست” الأميركية، أن إسرائيل تعد لحرب جديدة على إيران قبل كانون الأول/ديسمبر المقبل، من دون استبعاد تورط أميركا فيها. ويضيف أنه مع انتهاء حرب حزيران (يونيو) من دون نتيجة حاسمة، فإن نتيجة الحرب المقبلة ستكون معلقة على تساؤلات عدة بينها، ما هي قدرة إسرائيل على القضاء على منصات إطلاق الصواريخ، بشكل أسرع من قدرة طهران على إعادة بنائها؟ وهل لا يزال جهاز الموساد يحافظ على وجود قوي في إيران؟ وهل حصلت طهران على معرفة تمكنها من اختراق الدفاعات الإسرائيلية، بما يتفوق على ما فعلته إسرائيل لسد الثغرات في هذا المجال؟ ويصل بارسي إلى استنتاج بأن لا أجوبة يقينية على هذا الصعيد.

إقرأ على موقع 180  لبنان و"لعبة العنف".. وحكايا أولاد القهر!

وشرح أمين مجلس الأمن القومي الإيراني المعين حديثاً علي لاريجاني في مقابلة صحافية مؤخراً، كيف تُعيد إيران بناء عقيدتها الدفاعية، وترميم دفاعاتها الجوية، وتعزيز قوتها الصاروخية، وتوسيع شبكة رادارتها، والسعي إلى الحصول على أنظمة دفاعية متطورة من قوى مثل الصين.

وما استرعى الانتباه في المقابلة هو إعادة تأكيد لاريجاني على “محور المقاومة”، مشيراً بصراحة إلى أن “حزب الله” و”حماس” و”الحشد الشعبي” في العراق و”أنصار الله” في اليمن، هم أذرعة متقدمة لإيران. ويُكرّر المسؤولون الإيرانيون رفضهم نزع سلاح “حزب الله”، بينما قال مسؤولون إسرائيليون إن الصاروخ الحوثي الذي سقط على وسط إسرائيل الأسبوع الماضي، احتوى للمرة الأولى، على ثلاثة رؤوس “متشظية” تنفجر لدى اصطدامها بالأرض، وأكدوا أن الصاروخ من صنع إيراني.

وفوق هذا، تعتمد إيران سياسة الغموض بالنسبة لمصير 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المئة، والتي تُمكّنها، وفق الوكالة الدولية للطاقة الذرية، من صنع عشرة رؤوس نووية في حال رفع نسبة تخصيبها إلى 90 في المئة.

وبرغم أن ترامب يصر على أن الضربات الأميركية قد “محت” البرنامج النووي الإيراني، وأعادته سنوات إلى الوراء، وعمد إلى إقالة مدير وكالة الاستخبارات الدفاعية جيفري كروز لأنه شكّك في كلامه، فإن أحداً لا يملك دليلاً حسياً على مدى الضرر الذي لحق بالمنشآت النووية الإيرانية، إلا إذا أتيح لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية زيارة منشآت فوردو ونطنز وأصفهان. ولم تسمح إيران للمفتشين الذي عادوا قبل أيام إلى إيران، سوى بزيارة مفاعل بوشهر الذي لم يتعرض للقصف أصلاً.

الإيرانيون يعارضون تغيير النظام

ورقة أخرى تملكها إيران، وهي عدم تجاوب “الشارع” الإيراني مع الدعوات الإسرائيلية للانتفاض على النظام. وذلك عائد إلى حساسية الإيرانيين من مسألة التدخل الخارجي في شؤونهم منذ اقتسام بريطانيا وروسيا لإيران في الحرب العالمية الثانية، ومنذ الانقلاب العسكري ضد حكومة محمد مصدق المنتخبة ديموقراطياً عام 1953 وإعادة الشاه محمد رضا بهلوي إلى الحكم.

وبحسب نائب رئيس مجلس السياسة الخارجية في واشنطن ، “فإن المعارضة الإيرانية لا تزال منقسمة بشدة وغير منظمة سياسياً، ولا تشكل تحدياً جدياً للنخبة الدينية الحاكمة في المستقبل القريب”. لكنه يضيف أن غالبية الإيرانيين الذين جرى استطلاع آراؤهم عبر الهاتف، لا تزال تعارض “نظام الجمهورية الإسلامية”، وأشار إلى أن إدارة ترامب ليست متحمسة لتغيير النظام، ولذلك لجأت إلى الترويكا الأوروبية للضغط على النظام لإبرام اتفاق نووي، عبر تفعيل “آلية الزناد” (سناب باك).

وبرغم التماسك الذي أبداه الإيرانيون خلال الحرب، وتغليب الشعارات الوطنية على تلك التي تُمجّد النظام، على غرار ما ساد إبّان الحرب العراقية-الإيرانية فإن المصاعب الاقتصادية تقض مضاجع الإيرانيين العاديين، بما يُحفّز شريحة واسعة من المسؤولين وفي مقدمهم الرئيس مسعود بزشكيان، على عدم إقفال الباب نهائياً أمام الديبلوماسية، واستكشاف كافة الخيارات التي يُمكن أن ترفع عن إيران عبء العقوبات.

وتسعى موسكو وبكين إلى طرح مشروع قانون لتمديد صلاحية الاتفاق النووي ستة أشهر، لكن المشروع يصطدم بمعارضة فرنسا وبريطانيا، وهذا الأمر سيناقشه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الصين غداً (الإثنين) مع نظيره الإيراني على هامش قمة شنغهاي للتعاون.

Print Friendly, PDF & Email
سميح صعب

كاتب وصحافي، لبنان

Download Best WordPress Themes Free Download
Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download Best WordPress Themes Free Download
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  كواليس اغتيال القرشيّ: استثمار تركي.. ورد أميركي!