إن عملية «طوفان الأقصى»، التي أطلقتها حركة «حماس» في قطاع غزة في السابع من تشرين الأول/أكتوبر عام 2023، كبحت جماح تمدد اتفاقيات أبراهام التطبيعية مع «إسرائيل»، وأعادت وضع القضية الفلسطينية مجدداً تحت الضوء، بعدما كانت قد تراجعت واضمحلت في ظل تقدم تلك الاتفاقيات، التي ضمت في العام 2020 كلاً من الإمارات العربية المتحدة والبحرين والسودان والمغرب. وكانت مصر أول دولة عربية توقّع اتفاق سلام مع «إسرائيل» في العام 1979، تليها منظمة التحرير الفلسطينية عام 1993 والأردن عام 1994.
وفي ظل حكومة هي الأكثر يمينية وفاشية في تاريخ الكيان، أطلقت القيادة «الإسرائيلية»، في الثامن من تشرين الأول/أكتوبر عام 2023، حرباً هي الأكبر والأطول زمنياً والأوسع ميدانياً منذ قيام الكيان «الإسرائيلي» عام 1948. طاولت نيران هذه الحرب كلاً من فلسطين ولبنان وسوريا والعراق واليمن وإيران (والدوحة)، ولم تنته فصولها بعد. وبلغت الرعونة برئيس الحكومة «الإسرائيلية» بنيامين نتنياهو درجة أن رفع، من على منبر الأمم المتحدة في نيويورك، خريطة لما أسماه دولة «إسرائيل الكبرى»، تظهر أنها تضم أراضي في كل من لبنان وسوريا والأردن والعراق وتركيا ومصر والسعودية والكويت.
طبعاً، استند نتنياهو في حربه هذه إلى الدعم غير المحدود من الولايات المتحدة الأميركية، لا بل إلى مشاركة أميركية مباشرة في الحرب، وبالأخص على إيران. كما فعّلت الولايات المتحدة أنظمة الدفاع الجوي التي تملكها في قواعدها في الشرق الأوسط لحماية «إسرائيل» من الصواريخ الإيرانية، بالإضافة إلى أنظمة الدفاع الجوي للدول الحليفة لها في المنطقة. وهكذا تحولت الحرب «الإسرائيلية» إلى مشروع أسماه نتنياهو «الشرق الأوسط الجديد»، الذي ستكون لـ«إسرائيل»، بموجبه، اليد العليا في كل المنطقة، أمنياً وعسكرياً واقتصادياً.
وإذا كان تركيز واشنطن في مشاركتها في الحرب منصباً على إيران، فإن ذلك يعود إلى استراتيجية اعتمدتها الإدارات السياسية الأميركية المتعاقبة، أو ما يُعرف بـ«الدولة العميقة» في أميركا، وملخصها وضع اليد على مصادر الطاقة في مختلف أنحاء كوكب الأرض. وبما أن الولايات المتحدة هي صاحبة النفوذ الأمني والعسكري والسياسي في دول الخليج العربية، فقد انطلق مشروعها هذا بغزو العراق عام 2003، ليتبعه وضع اليد على ليبيا عام 2011 بعد اغتيال رئيسها معمر القذافي، ومن ثم فنزويلا في كانون الثاني/يناير من العام الحالي وصولاً إلى شن حرب ضد إيران في نهاية شباط/فبراير الماضي.
إن القاسم المشترك بين هذه الدول هو أنها غنية بمصادر الطاقة من نفط وغاز. ولو تمكنت واشنطن من إسقاط النظام الإيراني ووضع يدها على قدرات الطاقة الإيرانية، لكانت قد خنقت الاقتصاد الصيني من جهة، وأحكمت طوقها على روسيا من الجهة الجنوبية، وتحكمت بسعر برميل النفط وطن الغاز من جهة أخرى.
لكن “حساب الحقل لم يتوافق مع حساب البيدر”. فعلى الرغم من الخسائر الفادحة التي مُني بها محور المقاومة، فإن «إسرائيل» لم تتمكن من إنجاز الأهداف التي وضعتها لعدوانها على كل هذه الدول: القضاء على حركة «حماس» وباقي منظمات المقاومة الفلسطينية، والقضاء على «حزب الله»، والقضاء على حركة «أنصار الله» اليمنية، والقضاء على النظام الإيراني. كما فشلت أميركا في تحقيق هدفها الرئيسي، وهو إسقاط النظام الإيراني، من دون اغفال الخسارة الإستراتيجية التي مُنيَ بها حلفاء إيران مع سقوط النظام السوري في نهاية العام 2024.
أدى صمود النظام الإيراني من جهة والتحكم بمضيق هرمز بخلق وقائع جديدة وضعت الإدارة الأميركية والإقتصاد العالمي أمام حائط مسدود، فالولايات المتحدة لا تستطيع أن تواصل حرباً بالصواريخ والطائرات إلى ما لا نهاية، كما أنها تعرف جيداً أن الغزو البري لإيران سيكون انتحاراً للإمبراطورية الأميركية. وقد جاءت مذكرة التفاهم التي وقعتها مع إيران لتظهر بشكل جلي هذه القراءة لمسار الحرب على إيران. وبات واضحاً أن واشنطن ستكون مضطرة، وفق أي اتفاق مع إيران، إلى الانسحاب من المنطقة المحيطة بها، ما يمكن أن يترك فراغاً كبيراً لا بد لطرف ما من أن يملأه، وما لم تملأه القوى الحليفة لأميركا، فإن إيران هي من سيفعل ذلك.
من هنا يمكن مقاربة التحالف الرباعي، الذي يضم مصر وتركيا وباكستان والسعودية، كاستراتيجية أميركية للخروج من الحرب، لأن أولى مهمات هذا التحالف هي محاولة ملء الفراغ الذي سيتركه الانسحاب الأميركي من المنطقة.
ومن الملاحظ أن توقيع الاتفاق جاء بعد شهر ونيف من قمة دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) في تركيا، العضو في الحلف. ومع تهديدات نتنياهو أصبح هذا الرباعي حلفاً عسكرياً أمنياً، وبالتالي أضاف إلى المهمة الأساسية التي خصصتها له واشنطن، وهي مهمة ردع إيران، مهمة إضافية هي ردع «إسرائيل».
ويعكس تشكيل هذا التحالف قناعة أميركية راسخة بفشل مخطط «الشرق الأوسط الجديد» بقيادة «إسرائيلية». فمع كل اتفاقيات التطبيع التي تم التوصل إليها مع الدول العربية، يظهر بشكل جلي أنه لا يوجد تطبيع شعبي في هذه الدول، وليس هناك قبول لدى شعوبها للمشروع «الإسرائيلي». في المقابل، يمكن للتحالف الجديد المعلن أن يلقى قبولاً واسعاً بسبب مكوناته المتجانسة دينياً، إذ إن الدول الثلاث ذات غالبية إسلامية سنية، ويبلغ عدد سكانها مجتمعة نحو 400 مليون نسمة، وإذا أضفنا مصر إليها يصبح العدد نحو نصف مليار نسمة. كما أن التحالف يضم دولة تملك سلاحاً نووياً، هي باكستان، ويتمتع بقدرات تكنولوجية عسكرية متطورة، وبخاصة في تركيا وباكستان.
أما عن أسباب عدم انضمام مصر إلى التحالف، فلا بد من قراءة الواقع المصري. فمنذ قرابة عقدين من الزمن، ومصر محاصرة بالنيران: قطاع غزة من الشرق، وليبيا من الغرب، والسودان من الجنوب، بالإضافة إلى الحصار المائي الذي تحاول إثيوبيا فرضه عليها من خلال سد النهضة.
أمام هذا الواقع، تنتهج القيادة المصرية سياسة هي أقرب إلى السياسة الصينية، أي عدم الانجرار إلى الحروب والتركيز على التنمية الاقتصادية. هذا أول الأسباب. أما الأسباب الأخرى، فمن بينها أن مصر تقع على حدود الكيان «الإسرائيلي» ولها اتفاق سلام معه، وبالتالي فإن انضمامها إلى الحلف الجديد من شأنه أن يربك اتفاقها مع الكيان ويدفع إلى توتير العلاقة معه. كما أن لمصر علاقات جيدة مع اليونان، وهي لا تريد الإضرار بهذه العلاقات بانضمامها إلى تحالف عسكري يضم تركيا. كذلك، تربطها علاقات جيدة بالهند، ولا تريد أن تدفع الهند إلى الارتماء في حضن المشروع «الإسرائيلي”، فضلاً عن العلاقة المميزة التي تربط المصريين بدولة الإمارات.
وهنا يُطرح السؤال: هل هذا التحالف متجانس، وهل يمكنه أن يشكل قوة ردع لكل من «إسرائيل» وإيران؟
في الحقيقة، وفي مراجعة سريعة لتاريخ الجمهورية الإسلامية في إيران، فإن إيران، منذ انتصار الثورة الإسلامية عام 1979، لم تشن أي عدوان على بلد مجاور لها، بل كانت، عرضة لحرب شنها صدام حسين استمرت نحو ثماني سنوات. وبالتالي، لا يمكن استبعاد فكرة أن تتوصل إيران إلى تفاهم مع هذا التحالف بدلاً من التصادم معه، وهذه النقطة تحديداً كانت في صلب نقاشات آلية التنسيق الرباعي وكان المصريون يُشددون على أهمية أن يكون الحلف خماسياً بانضمام إيران إليه.
وإذا كانت السعودية تعتبر حركة «أنصار الله» اليمنية خطراً عليها، من المستبعد أن يشارك التحالف الرباعي في أية مواجهة عسكرية بين السعودية والحركة اليمنية، فاليمن «مقبرة الإمبراطوريات»، كما هو معروف.
أما المشروع «الإسرائيلي»، فهو، وفق هذه القراءة، الخطر الرئيسي على دول هذا التحالف، استناداً إلى تهديدات نتنياهو نفسه. لكن هذا التحالف لن يكون، في أي لحظة، في موقع شن حرب على الكيان «الإسرائيلي»، بسبب العلاقة التي تربط دوله والكيان بالولايات المتحدة الأميركية. كما أن مشاركة تركيا، العضو في حلف شمال الأطلسي، تضع قيوداً على أي تحرك عسكري لها في المنطقة في ضوء التزاماتها داخل الحلف.
خلاصة القول إنه، وبرغم الضجيج الإعلامي الذي رافق إطلاق هذا التحالف وتبعه، فإن ما يمكن أن يقوم به قد يكون متواضعاً إذا ما قيس بالأحلام والأدوار التي تعدها له الإدارة الأميركية.
