باب المندب.. الوجه الآخر لحرب هرمز

للأزمة المشتعلة عند مضيق باب المندب، بعد سيطرة الحوثيين عليه، وجهان متلازمان. الأول يتصل مباشرة بأزمة مضيق هرمز، التي ترتبت على الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية ضد إيران. الثاني يعود إلى الأزمة اليمنية بكافة تعقيداتها الإقليمية، التي أخذت مداها إثر عملية «عاصفة الحزم» عام 2015، وما تلاها من تحولات وصدامات وانقلابات داخل المعسكر الواحد. لا يمكن، بأي حساب، ضمان أمن الملاحة البحرية في المضيقين الاستراتيجيين بالقوة العسكرية وحدها.

الحسابات حرجة للغاية، ولكل حساب اعتباراته وتقاطعاته.

الإيرانيون يستشعرون أنهم حققوا إنجازاً كبيراً بتمكن حليفهم «الحوثي» من السيطرة على الساحل الغربي في اليمن وجزر استراتيجية عند باب المندب، فهو يقوي مركزهم التفاوضي ويعمق، في الوقت نفسه، مأزق إدارة الرئيس الأميركي «دونالد ترامب» قرب الانتخابات النصفية لمجلسي الكونغرس في الثالث من تشرين الثاني/نوفمبر المقبل.

إذا ما خسر الجمهوريون الانتخابات، وهو احتمال وارد بقوة حسب استطلاعات الرأي العام، فإن إدارة «ترامب» سوف تجد نفسها بلا سند تشريعي يدعم قراراتها وتصرفاتها بلا قيد.

والأفدح أنها سوف تجد نفسها أمام شروط إيرانية صارمة لوقف النزيف الاستراتيجي والعسكري والاقتصادي: إنهاء الحرب على جميع الجبهات، بما فيها لبنان، وفك الحصار البحري عن موانئها، والحصول على أصولها المالية المجمدة.

الحساب الإيراني يتقاطع مع الحساب الحوثي، لكنه لا يطابقه.

كان لافتاً للانتباه أن مجلس الأمن الدولي أدان بالإجماع سيطرة الحوثيين على باب المندب، داعياً إلى الانخراط في العملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة للمصالحة اليمنية!

لم تعترض روسيا والصين على الشطر الأول من القرار الأممي، وإيران نفسها حاولت أن تأخذ مسافة عن الحوثي حتى لا تُتهم بتعمد خنق التجارة الدولية وحركة ناقلات النفط والغاز عبر الممرات المائية الدولية، بينما بدا الشطر الثاني تقليدياً ومعتاداً، ولا يرتب أي جهد دولي ملموس في التوصل إلى تسوية للأزمة اليمنية.

ما يهم الدول الكبرى، على اختلاف توجهاتها ومصالحها، ألا تفضي سيطرة الحوثيين على باب المندب إلى تفاقم أزمة الطاقة إلى حدود غير محتملة.

بالنسبة إلى إدارة الرئيس الأميركي «دونالد ترامب»، فإنها ضربة موجعة لسياساته ورهاناته قبيل الانتخابات الوشيكة.

شعبيته متراجعة بفداحة، واحتمالات خسارة الجمهوريين للانتخابات ماثلة في استطلاعات الرأي، على خلفية فشله الذريع في تحقيق أي من وعوده.

وعد بتحسن كبير في الاقتصاد الأميركي، وهو ما لم يحدث.

بل العكس تماماً، حيث تقوضت الثقة العامة فيه ـ حسب «نيويورك تايمز».

ووعد بوقف التورط في أي حروب، خاصة في الشرق الأوسط، وهو ما لم يحدث بدوره، ولم تعد أميركا عظيمة مرة أخرى!

حسب تصريحات «ترامب» المتواترة، فإن «الحرب سوف تنتهي قريباً عقب انتهاء الانتخابات».

تصريحاته لا تعني شيئاً موثوقاً؛ هدفها الواضح هو التأثير في الرأي العام، بمحاولة إقناعه بالتصويت لصالح الجمهوريين، حتى يكون في موقف تفاوضي أفضل بعد الانتخابات.

لم يكن من أهداف الحرب في بدايتها فتح مضيق هرمز، لكنه تحول، مع الوقت، إلى صلب العمليتين العسكرية والسياسية الأميركيتين.

ومع أي إغلاق محتمل لمضيق باب المندب، فإن الهزيمة الاستراتيجية سوف تكون كاملة.

استبعد أي عمل عسكري ضد الحوثيين، خشية التورط في المستنقع اليمني.

قال ترامب: «الحوثيون لا يريدون قتالنا»، كذريعة للتحلل من مسؤولياته تجاه السعودية.

المفارقة الكبرى أنه دعا دول الخليج للاجتماع به غداً «الثلاثاء»، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، للتباحث حول ما قد يحدث في اليوم التالي لانتهاء الحرب.

قفز إلى التهويمات فيما لم تتوقف الحرب بعد.

بقوة الحقائق، فإن أي إغلاق محتمل لمضيق باب المندب يضرب قناة السويس ودورها المحوري في التجارة العالمية، ويؤذي بالعمق دول الخليج في قدرتها على تصدير النفط والغاز إلى الأسواق العالمية.

الإيرانيون يكتفون، في هذه اللحظة، بإشهار ورقة باب المندب، من دون استعداد لتحمل مسؤولية أي إغلاق محتمل.

الحوثيون، بدورهم، يرسلون خطابات طمأنة للعالم كله بأن حرية الملاحة سوف تكون آمنة في مضيق باب المندب، ويقصرون الأزمة على السعودية وحدها.

تصاعدت الاشتباكات والغارات المتبادلة بين صنعاء والرياض إلى حدود استدعت تحذيراً من الخارجية الأميركية لمواطنيها بتجنب السفر إلى الشرق الأوسط، أو عبره.

احتدام المعارك على جبهات عدة بين القوات الحكومية الموالية للسعودية والحوثيين الموالين لإيران، «لاستعادة الزمام»، استدعى سؤالاً حرجاً عن الموقف العملي للحليفين التركي والباكستاني بموجب التزامات اتفاق مكة.

الباكستانيون يصرحون: «حان الوقت» لتفعيل الاتفاق، ثم لا يحدث شيء باستثناء «حث الإيرانيين على كبح هجمات الحوثيين ضد السعودية».

لا قوات تحركت، ولا اتصالات جرت تتجاوز ما كان يمكن أن يحدث إذا لم يكن هناك اتفاق أمني وعسكري.

لم يتجاوز الدور التركي، بدوره، المساحة الدبلوماسية المعتادة، خشية التأثير السلبي على حساباته الإقليمية المعقدة. لا يريد صداماً مع إيران، ولا يطلب اصطفافاً مع إسرائيل، التي تحاول الاستثمار في الأزمة بصورة مباشرة وغير مباشرة، ولا تخفي شماتتها.

كانت زيارة ولي العهد السعودي «محمد بن سلمان» للقاهرة لافتة للانتباه بتوقيتها.

حسب المعلومات الأولية، فإن القاهرة تستبعد أي تورط عسكري، وتميل إلى التهدئة والحوار ووقف التصعيد.

بين التهدئة والتصعيد، بدا إلغاء اجتماع كان مقرراً في سلطنة عُمان بين إيران ودول الخليج والعراق، لبحث التوترات في مضيق هرمز قبل موعده، منذراً بما حدث بعده.

إقرأ على موقع 180  التاريخ في خدمة الأيديولوجيا.. ابن عساكر الدمشقي نموذجاً

كانت الذريعة المعلنة أن الوقت غير مناسب لعقد مثل هذا الاجتماع.

الإلغاء، في حد ذاته، تعبير عن فجوات الثقة الواسعة بين أطرافه.

بعد أزمة باب المندب ازدادت الفجوات عمقاً واتساعاً.

عسكرة الملاحة في البحر الأحمر خطر ماثل على الأمن القومي المصري، ولا يتوقف عند الإضرار بقناة السويس وحدها.

الدور الإسرائيلي غير خافٍ، حيث مشروعات التقسيم ماثلة في عدن وأرض الصومال والسودان، وحيث حصار مصر حاضر.

يُفترض في الدور المصري أن يعمل على وقف التصعيد، واستبعاد التورط العسكري، والعمل بكل طاقته على حل شامل للأزمة اليمنية يحفظ وحدة اليمن ويصون، في الوقت نفسه، حرية الملاحة في البحر الأحمر.

(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية

Print Friendly, PDF & Email
عبدالله السناوي

كاتب عربي من مصر

Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes Free
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  حُكّام لبنان في "لا لا لاند" الدولار والأسعار.. والإنهيار