سقوط المخا.. حين امتدت الحرب الأميركية ـ الإيرانية إلى باب المندب

سقوط المخا نقل مركز الثقل في الحرب اليمنية من خطوط الجبهة الداخلية إلى عقدة استراتيجية تمس أمن الطاقة والملاحة في البحر الأحمر، وتربط باب المندب مباشرة بتداعيات المواجهة الاميركية ـ الإيرانية في مضيق هرمز.

قبل أربعة قرون، كان اسم المخا يُقرأ في أوروبا على أكياس القهوة قبل أن يُقرأ على الخرائط. فمن هذا الميناء الصغير على الساحل الغربي لليمن خرجت، خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، كميات كبيرة من البن اليمني الذي غيّر عادات الاستهلاك في أوروبا. أقامت شركة الهند الشرقية الإنجليزية مركزاً تجارياً دائماً في المخا في أواخر القرن السابع عشر، ولحق بها الهولنديون وغيرهم، حتى أصبح اسم المدينة مرادفاً، في الأسواق الأوروبية، للبن العربي الفاخر. ومع تراجع احتكار اليمن للبن وصعود موانئ أخرى، خسر الميناء مكانته، لكن اسمه بقي: Mocha، كلمة انفصلت تدريجياً عن جغرافيتها الأصلية حتى أصبحت اسماً عالمياً للقهوة، ثم لمشروب القهوة بالشوكولاتة.

القصة التاريخية ليست مجرد مقدمة أدبية. ففي المخا درس جيوسياسي قديم يتكرر اليوم بصورة مختلفة: المواقع التي تتحكم بحركة سلعة يحتاج إليها العالم تكتسب قوة أكبر بكثير من حجمها الجغرافي.

في القرن السابع عشر كانت السلعة هي القهوة. وفي أيلول/سبتمبر 2026، أصبحت السلعة هي النفط، والموقع ليس المخا وحدها، بل باب المندب.

أولاً: حين خرجت المخا من حرب اليمن

من الخطأ قراءة سيطرة الحوثيين على المخا في 10 أيلول/سبتمبر، ثم على جزيرة ميون في اليوم التالي، ثم انتشارهم على حنيش الكبرى والصغرى بعد ثلاثة أيام، باعتباره مجرد فصل جديد في حرب أهلية بدأت قبل أكثر من عقد.

للمعركة، بالطبع، طبقة يمنية. فالهدوء النسبي الذي أعقب هدنة 2022 تآكل بصورة حادة خلال الصيف، ثم اندلعت في مطلع أيلول/سبتمبر مواجهات واسعة غرب تعز وعلى امتداد الساحل. وفي 3 أيلول/سبتمبر حاول الحوثيون التقدم نحو الطريق الرابط بين تعز والمخا، قبل أن تتسع العمليات خلال الأيام التالية وتتحول إلى هجوم ساحلي واسع انتهى بسقوط المدينة.

لكن فوق الطبقة اليمنية توجد ثلاث طبقات أخرى:

الأولى سعودية: كيف تؤمّن المملكة صادراتها ومنشآتها في وقت تواجه فيه تهديداً من الجنوب واضطراباً في طريق التصدير الشرقي؟

الثانية أميركية: إلى أي مدى تستطيع واشنطن الفصل بين حربها مع إيران وبين الجبهات التي يتحرك فيها شركاء طهران الإقليميون؟

الثالثة إيرانية: هل يمكن تحويل الضغط العسكري على إيران إلى ضغط على منظومة الطاقة العالمية، بحيث ترتفع تكلفة الحرب على الدول المستوردة للنفط أيضاً؟

من هنا تصبح المخا ممراً لا غاية. القيمة الاستراتيجية الحقيقية تقع جنوبها، عند باب المندب.

الحوثيون أثبتوا، بين 2023 و2025، قدرتهم على جعل البحر الأحمر أكثر خطورة من دون السيطرة المباشرة على المضيق. اليوم تغيرت الجغرافيا: وجودهم في المخا وميون والجزر القريبة يمنحهم مواقع أكثر تقدماً للمراقبة والاستهداف وفرض المخاطر على الملاحة.

لكن هنا ينبغي التمييز بين عبارتين كثيراً ما تختلطان: السيطرة على مواقع تطل على المضيق ليست هي السيطرة القانونية أو العملياتية الكاملة عليه، والقدرة على تعطيل الملاحة ليست إغلاقها.

حتى الخميس 17 أيلول/سبتمبر، كانت السفن لا تزال تعبر باب المندب؛ وأظهرت بيانات Kpler مرور 23 سفينة شحن في ذلك اليوم، مقارنة بمتوسط عشرة أيام بلغ 26 سفينة. الخطر، إذن، ليس أن المضيق أصبح مغلقاً بالفعل، بل أن قوة سبق أن أثبتت استعدادها لاستهداف السفن باتت تملك موطئ قدم أكثر ملاءمة لتهديده.

فالنفوذ الحقيقي في المضائق لا يتطلب إغلاقها. يكفي أن تستطيع إقناع شركات الشحن والتأمين بأن المرور قد يصبح أكثر كلفة من الالتفاف.

ثانياً: باب المندب بعد هرمز

قبل الحرب الاميركية ـ الإيرانية، كان باب المندب ممراً شديد الأهمية، لكنه لم يكن الطريق الوحيد المتاح للنفط السعودي.

أما بعد الاضطراب الحاد في هرمز، فقد ازدادت أهمية المنظومة الغربية للمملكة: خط شرق ـ غرب وصولاً إلى ميناء ينبع، البحر الأحمر، ثم باب المندب جنوباً أو قناة السويس شمالاً.

تبلغ الطاقة الاعتيادية لخط شرق ـ غرب نحو خمسة ملايين برميل يومياً، ويمكن رفعها مؤقتاً إلى قرابة سبعة ملايين برميل يومياً باستخدام بنية سبق تحويلها لنقل الخام. وقد أصبح الخط أحد أهم أدوات السعودية للالتفاف على مخاطر هرمز.

لكن الوصول إلى ينبع لا يحل المشكلة كلها.

إذا كانت الناقلة متجهة من ينبع إلى آسيا، فالطريق الطبيعي يمر جنوباً عبر باب المندب. وإذا أصبح هذا الطريق غير مقبول تجارياً أو أمنياً، يمكن للنفط أن يتحرك شمالاً عبر السويس و«سوميد» إلى المتوسط، لكنه يحتاج بعد ذلك إلى رحلة أطول بكثير للوصول إلى المشترين الآسيويين.

وثمة تقديرات منشورة أظهرت مدى قسوة هذه الجغرافيا: بعض الرحلات التي تستغرق نحو 19 يوماً عبر الطريق الأقصر يمكن أن تمتد إلى نحو 48 يوماً عند الاضطرار إلى الدوران، مع زيادات بملايين الدولارات في تكاليف الوقود والعبور والشحن.

وهنا يجب أيضاً تصحيح رقم يتكرر كثيراً في النقاش العام. باب المندب لا يمر عبره «12% من التجارة العالمية» بالمعنى الشامل. البيانات الاميركية تشير إلى أن الممر كان يمثل نحو 12% من تجارة النفط المنقولة بحراً، ونحو 8% من تجارة الغاز الطبيعي المسال، في النصف الأول من عام 2023. وهذه وحدها أرقام تجعل أي اضطراب كبير فيه ذا أثر عالمي.

المشكلة بالنسبة إلى السعودية أن الهجوم على خط شرق ـ غرب جاء في اللحظة نفسها التي ارتفعت فيها مخاطر الممر البحري.

وبحلول 15 أيلول/سبتمبر، أدى توقف التحميل في ينبع وإلغاء بعض الشحنات إلى دفع برنت إلى 108.75 دولارات للبرميل. لكن السوق بدأت لاحقاً في استيعاب وجود بدائل؛ وبحلول الجمعة 18 أيلول/سبتمبر، تراجع برنت إلى نحو 102.68 دولار، مع تقارير عن استعادة جزئية لطاقة الأنبوب وزيادة نقل الخام السعودي عبر عُمان ومسارات أخرى.

هذه الحركة السعرية تختصر المشهد كله: الأزمة خطيرة، لكنها ليست حصاراً كاملاً. السعودية لا تزال تملك خيارات، إلا أن كل خيار صار أطول أو أغلى أو أكثر عرضة للمخاطر.

ثالثاً: كيف انهارت الجبهة بهذه السرعة؟

ربما تكون سرعة التقدم الحوثي أهم من التقدم نفسه.

الساحل الغربي لم يكن جبهة هامشية. المخا كانت قاعدة رئيسية للقوات المناهضة للحوثيين، وفي مقدمتها “قوات المقاومة الوطنية” بقيادة طارق صالح، فيما انتشرت في مسارح أخرى تشكيلات مثل “ألوية العمالقة” و”قوات درع الوطن”.

لكن إحدى المشكلات البنيوية للحرب اليمنية بقيت بلا حل: القوى المناهضة للحوثيين ليست جيشاً واحداً بالمعنى التقليدي، بل منظومة من التشكيلات العسكرية والسياسية ذات القيادات والخلفيات والرعاة والمصالح المختلفة.

وهذه ليست مجرد ملاحظة سياسية. فالمعسكر المناهض للحوثيين ظل يعاني انقسامات عميقة بين مكونات المجلس الرئاسي والقوى المحلية المرتبطة به، فيما احتفظت السعودية والإمارات بدرجات مختلفة من النفوذ على تشكيلات متعددة.

وفي المقابل، دخل الحوثيون المعركة بعد سنوات من تطوير قدراتهم في المسيّرات والصواريخ والاستطلاع والقيادة والسيطرة.

وأفادت مصادر إيرانية ويمنية وإقليمية بأن مستشارين من الحرس الثوري قدموا مساعدة وتوجيهاً استراتيجياً للهجوم على الساحل الغربي، وأن الأسلحة والخبرات الإيرانية لعبت دوراً في تطوير القدرات الحوثية. وهذه رواية ذات وزن لأنها وردت من مصادر متعددة، لكنها تبقى رواية منسوبة إلى تلك المصادر، وليست دليلاً على أن طهران تدير كل قرار حوثي ميدانياً؛ فإيران تنفي باستمرار أنها تسيطر مباشرة على قرارات الجماعة.

كما أفادت مصادر بأن الحكومة اليمنية طلبت دعماً جوياً سعودياً أوسع أثناء تقدم الحوثيين، بينما اقتصرت المساعدة السعودية بدرجة كبيرة على الدعم اللوجستي والاستخباري والتسليحي، مع ضربات محدودة في جبهات أخرى.. وكانت النتيجة انهياراً أسرع مما كان متوقعاً على الساحل.

ولا يحتاج تفسير ذلك إلى قصص غير مثبتة عن «أوامر انسحاب مزيفة» أو مؤامرات داخل غرف العمليات. يكفي ما هو ظاهر: خصم أكثر تماسكاً في لحظة الهجوم، مقابل معسكر يملك السلاح والرجال، لكنه لا يملك دائماً وحدة القيادة والغرض السياسي.

الجيوش لا تُقاس فقط بعدد المدرعات أو الطائرات. تُقاس أيضاً بقدرة القيادة على تحويلها إلى قوة واحدة في اللحظة التي يبدأ فيها الانهيار.

رابعاً: الرياض أمام معضلة بلا خيار مريح

السعودية اليوم تواجه مشكلة تختلف عن حرب 2015.

آنذاك، دخلت الحرب بهدف إعادة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً ومنع الحوثيين من ترسيخ سيطرتهم على البلاد. أما اليوم، فإن الأولوية الأكثر إلحاحاً تبدو دفاعية: حماية المدن والمنشآت النفطية والممرات التي يعتمد عليها الاقتصاد السعودي.

وهذه معضلة استراتيجية صعبة.

إذا أعادت الرياض الانخراط في حملة برية واسعة لاستعادة الساحل، فهي تخاطر بالعودة إلى حرب استنزاف أمضت سنوات في محاولة الخروج منها.

وإذا اكتفت بالقوة الجوية، فإن تجربتها السابقة تظهر محدودية الضربات في تغيير ميزان السيطرة البرية من دون قوة يمنية موحدة وقادرة على الاحتفاظ بالأرض.

وإذا اختارت التفاوض، فإنها تفعل ذلك تحت ضغط عسكري واقتصادي أكبر مما كان قائماً قبل أسابيع.

لهذا كانت الاتصالات الاميركية مهمة.

ذكرت تقارير اميركية، نقلاً عن مسؤولين، أن ولي العهد محمد بن سلمان اتصل بالرئيس دونالد ترامب مرتين في 10 أيلول/سبتمبر، وطلب، في إحدى المكالمتين، توجيه ضربات اميركية ضد الحوثيين مع تدهور الوضع عند الساحل. وبحسب تلك التقارير، رفض ترامب التدخل العسكري المباشر في تلك المرحلة، وفضلت واشنطن تقديم المعلومات الاستخبارية والمساعدة في الاستهداف بدلاً من الدخول في حملة قتالية جديدة.

وبعد أيام، زار قائد القيادة المركزية الاميركية جدة والتقى ولي العهد، في إشارة إلى أن واشنطن لا تنسحب من المعادلة الأمنية، لكنها تحاول تحديد حدود مشاركتها فيها.

وفي 15 أيلول/سبتمبر، انتقل محمد بن سلمان إلى القاهرة. وشدد البيان المصري ـ السعودي على أمن البحر الأحمر وحرية الملاحة، وعلى دعم مصر لأمن السعودية، لكنه أكد كذلك ضرورة الوصول إلى تسوية سياسية شاملة ومستدامة في اليمن.

إقرأ على موقع 180  ما بعد الزلزال السوري ـ التركي.. ليس كما قبله

وهذا التوازن في اللغة ليس تفصيلاً دبلوماسياً. إنه تعبير عن المعضلة العربية الأوسع: الجميع يريد باب المندب آمناً، لكن قلة من الأطراف تبدو مستعدة لتحمل كلفة حرب برية جديدة في اليمن لتحقيق ذلك.

خامساً: محاولة فصل حربين لم تعودا منفصلتين

الموقف الاميركي أكثر تعقيداً من فكرة «التخلي عن السعودية»، كما أنه أكثر تعقيداً من فكرة «الضعف».

واشنطن تخوض منذ 28 شباط/فبراير حرباً مباشرة مع إيران، وتواجه أصلاً ضغوطاً عسكرية واقتصادية وسياسية متزايدة بفعل اضطراب سوق الطاقة. ومع دخول الحرب شهرها السابع، ظلت حركة هرمز أقل كثيراً من مستوياتها الطبيعية.

إضافة جبهة يمنية كاملة إلى هذه الحرب تعني توزيع الموارد العسكرية الاميركية على مسارح إضافية، ورفع احتمال استهداف القوات الاميركية في المنطقة، وتقويض تفاهم منفصل قائم مع الحوثيين.

وهذا العامل الأخير بالغ الأهمية.

ففي نهاية الأسبوع الذي أعقب سقوط المخا، أفادت مصادر بأن مسؤولين اميركيين التقوا ممثلين للحوثيين في مسقط. وأبلغ الوفد الحوثي الجانب الاميركي أنه ملتزم بعدم استهداف السفن الاميركية والإسرائيلية في إطار تفاهم أيار/مايو 2025، وأن تركيزه الحالي سيكون على السفن المرتبطة بالسعودية. ولم تؤكد الخارجية الاميركية الاجتماع رسمياً، لكنها شددت على أهمية أمن الملاحة في البحر الأحمر.

هذه قناة اتصال غير عادية بين طرفين يصف أحدهما الآخر بالخصم، لكنها تكشف منطق السياسة الاميركية الحالية: منع تحول البحر الأحمر إلى جبهة اميركية إضافية، حتى لو بقيت السعودية في مواجهة مباشرة مع الحوثيين.

المشكلة أن هذه الهندسة قد لا تصمد.

فإذا تطورت قدرة الحوثيين من التهديد الانتقائي إلى تعطيل واسع للملاحة الدولية، فإن المسألة ستتجاوز الدفاع عن السعودية. عندها ستصبح واشنطن أمام سؤال يتعلق بحرية الملاحة، وبقواعدها في جيبوتي، وبالاقتصاد العالمي، وبصدقية وجودها العسكري في المنطقة.

بمعنى آخر، الولايات المتحدة تحاول، حتى الآن، أن تفصل بين حربها مع إيران والحرب السعودية ـ الحوثية. الجغرافيا تحاول دمجهما.

سادساً: طهران وميزة «المضيقين»

بالنسبة إلى إيران، تحمل التطورات اليمنية فرصة استراتيجية واضحة، لكنها تحمل خطراً موازياً.

للمرة الأولى في هذه الحرب، يواجه خصوم طهران مشكلة متزامنة عند أهم ممرين بحريين يحيطان بشبه الجزيرة العربية: هرمز في الشرق وباب المندب في الغرب.

لكن من الخطأ وصف ذلك بأنه «سيطرة إيرانية على المضيقين».

إيران صاحبة القرار المباشر في معادلة هرمز. أما في اليمن، فالعلاقة أكثر تعقيداً. الحوثيون حليف وثيق استفاد طوال سنوات من السلاح والخبرة والتكنولوجيا الإيرانية، لكنهم يمتلكون قيادة محلية ومصالح وحسابات يمنية خاصة. النفوذ الإيراني كبير؛ أما السيطرة الكاملة فادعاء أصعب بكثير في إثباته.

وهذه الدقة ليست لغوية فقط، بل استراتيجية.

فإذا كان الحوثيون مجرد ذراع تنفذ أوامر طهران، فإن إيران تستطيع نظرياً ضبط التصعيد متى شاءت. أما إذا كانوا حليفاً يتمتع بهامش استقلال واسع، فإن قدرة طهران على استخدامهم كورقة تفاوض تصبح أقل قابلية للضبط.

وقد ظهر هذا القلق خارج المعسكر الاميركي. فقد أفادت تقارير بأن السعودية طلبت من الصين استخدام نفوذها لدى إيران للضغط باتجاه كبح الحوثيين، وأن بكين نقلت رسالة بهذا المعنى إلى طهران. وإيران، من جهتها، رفضت تحميلها مسؤولية الأزمة وربطت التصعيد بالحرب الاميركية ـ الإسرائيلية عليها.

وهنا تظهر قيمة باب المندب بالنسبة إلى إيران من دون الحاجة إلى إغلاقه.

الإغلاق الكامل يدعو إلى رد عسكري دولي واسع. أما امتلاك حليف قادر على رفع تكلفة العبور أو خفضها، فيجعل المضيق ورقة سياسية واقتصادية مستمرة.

في استراتيجية المضائق، قد يكون التهديد القابل للتصديق أثمن من التنفيذ.

سابعاً: مصر الدولة التي يمر اقتصادها من مضيق بعيد

بالنسبة إلى القاهرة، باب المندب ليس مسألة أمن خليجي بعيدة. إنه المدخل الجنوبي للأصل الاقتصادي الأكثر حساسية في مصر: قناة السويس.

كانت تجربة السنوات الأخيرة قاسية.

في 2023، بلغت إيرادات القناة مستوى قياسياً عند 10.25 مليارات دولار. وفي 2024، بعد انتقال نسبة كبيرة من حركة الشحن إلى طريق رأس الرجاء الصالح بسبب هجمات البحر الأحمر، هبطت الإيرادات إلى نحو 3.99 مليارات دولار، وانخفض عدد السفن العابرة من 26,434 سفينة إلى 13,213.

وخلال 2026، بدأت تظهر علامات تعافٍ جزئي. ووفق بيانات مصرية نقلتها تقارير اقتصادية، بلغت إيرادات القناة في تموز/يوليو نحو 505 ملايين دولار، وهو أفضل أداء شهري منذ كانون الأول/ديسمبر 2023، وعبرت 1,340 سفينة، بينها 526 ناقلة نفط. وجزء من هذا التحسن ارتبط بالمفارقة الجيوسياسية ذاتها: اضطراب هرمز دفع مزيداً من الخام إلى البحر الأحمر والسويس.

وفي منتصف أيلول/سبتمبر، أعلنت خطوط شحن كبرى إعادة خدمات حاويات إضافية عبر السويس بعد عودة تدريجية إلى الطريق الأقصر بين آسيا وأوروبا.

لكن سقوط المخا والجزر يعيد طرح السؤال الذي ظنت القاهرة أنها بدأت تتجاوزه.

فقناة السويس لا تستطيع استعادة كامل أهميتها ما دام مدخل البحر الأحمر نفسه معرضاً للاضطراب.

وهذا يفسر الحذر المصري.

لدى القاهرة مصلحة اقتصادية مباشرة في إبقاء باب المندب مفتوحاً، وعلاقات استراتيجية وثيقة مع السعودية، لكنها تحمل أيضاً ذاكرة تدخل عسكري مرير في اليمن في الستينيات، ولا تظهر إشارات إلى رغبتها في تكرار تجربة حرب برية واسعة.

لذلك كان موقفها خلال زيارة ولي العهد السعودي منطقياً: تأكيد أمن الملاحة وأمن المملكة، بالتوازي مع التشديد على التسوية السياسية.

مصر تريد حماية باب المندب. لكنها، مثل معظم القوى الإقليمية، تريد حماية المضيق من دون أن تصبح مسؤولة وحدها عن حرب اليمن.

ثامناً: أربعة مسارات من هنا

ليس من الضروري أن يقود سقوط المخا إلى حرب إقليمية أوسع، لكنه يفتح أربعة مسارات رئيسية:

المسار الأول: هجوم مضاد تقوده القوات اليمنية بدعم سعودي

هذا المسار بدأ بالفعل بصورة محدودة، لكن استعادة الساحل تتطلب ما هو أكثر من الغطاء الجوي: قيادة موحدة، وقوات برية قادرة على الاحتفاظ بالأرض، وخطة لما سيأتي بعد الاستعادة. المشكلة التي ظهرت في سقوط المخا ليست نقص القوة العسكرية وحده، بل طريقة تنظيمها.

المسار الثاني: تدخل اميركي محدود إذا تغيرت طبيعة التهديد

حتى الآن رفضت واشنطن فتح حملة مباشرة جديدة، وفضلت الاستخبارات والدعم والاستهداف والتواصل السياسي. لكن هذه المعادلة تعتمد على استمرار الحوثيين في تجنب السفن الاميركية وعدم تعطيل الملاحة الدولية على نطاق واسع. تغير أي من الشرطين يمكن أن يغيّر الحساب الاميركي سريعاً.

المسار الثالث: تثبيت وضع جديد عند باب المندب

مضيق مفتوح قانونياً وعملياً، لكنه يعمل تحت تهديد دائم، بحيث تصبح جنسية السفينة وملكيتها وشحنتها وشركة التأمين عليها جزءاً من حسابات المرور. هذا النموذج لا يحتاج إلى حصار معلن؛ يكفي أن تبقى المخاطر أعلى من المستوى الذي تقبله شركات الشحن.

المسار الرابع: انتقال ملف اليمن إلى “الطاولة الكبرى”

كلما ارتبط أمن هرمز بأمن باب المندب، ازدادت صعوبة التفاوض حول أحدهما بمعزل عن الآخر. وقد تصبح ترتيبات أمن البحر الأحمر، ومستقبل الهجمات العابرة للحدود، والعلاقة بين السعودية والحوثيين، جزءاً من هندسة إقليمية أكبر تتجاوز اليمن نفسه.

ولا يعرف أحد بعد أي هذه المسارات سيطغى. لكن الواضح أن العودة إلى الوضع السابق أصبحت أكثر صعوبة.

الخلاصة: الجغرافيا لا تسمح بالحياد

سقوط المخا لا يعني سقوط السعودية، ولا يعني أن الحوثيين أغلقوا باب المندب، ولا يعني أن إيران أصبحت تتحكم آلياً بالمضيقين.

لكن ما حدث أسقط افتراضاً استراتيجياً مهماً: أن بالإمكان احتواء حرب إيران داخل جغرافيا الخليج، بينما تستمر بقية منظومة الطاقة في العمل بصورة منفصلة.

لم يعد ذلك صحيحاً.

تعطل هرمز رفع قيمة خط شرق ـ غرب. وتهديد باب المندب رفع قيمة قناة السويس. وضرب خط شرق ـ غرب أعاد جزءاً من الضغط إلى الخليج. وكل اضطراب في إحدى هذه العقد يدفع النفط والسفن والتأمين والأسعار نحو العقدة التالية.

هذه هي الجغرافيا الجديدة للحرب.

السعودية تكتشف أن تحويل مسار النفط لا يعزلها عن الصراع إذا أصبحت المسارات البديلة نفسها أهدافاً.

والولايات المتحدة تكتشف أن الحرب مع قوة إقليمية لا تبقى بالضرورة بين دولتين، لأن التحالفات والشركاء والممرات البحرية تمدد ميدانها.

ومصر تكتشف أن مستقبل قناة السويس يمكن أن يتحدد عند مضيق يقع على بعد آلاف الكيلومترات من القاهرة.

وإيران تكتشف أن توسيع الضغط عبر حلفائها يزيد نفوذها، لكنه يزيد أيضاً احتمال أن تتحول الورقة التي تمنحها قوة تفاوضية إلى سبب لتدخل دولي أوسع.

أما الحوثيون، فقد انتقلوا خلال أيام من قوة تملك القدرة على تهديد البحر الأحمر من الساحل اليمني إلى قوة تسيطر على مواقع تمنح تهديدها وزناً أكبر بكثير.

ولهذا، فإن أهم ما حدث في المخا ليس سقوط المدينة نفسها.

الأهم أن الحرب الاميركية ـ الإيرانية وجدت طريقاً جديداً إلى البحر الأحمر، وأن اثنين من أهم اختناقات الطاقة في العالم أصبحا الآن جزءاً من أزمة استراتيجية واحدة.

قبل أربعة قرون، حملت المخا اسمها إلى العالم لأنها كانت البوابة التي تخرج منها سلعة يريدها الجميع.

اليوم تعود المدينة إلى مركز التاريخ للسبب نفسه تقريباً، ولكن بصورة أشد خطراً.

آنذاك كانت القهوة تمر من المخا.

أما اليوم، فالسؤال هو: من يستطيع أن يقرر بأي كلفة يمر النفط، ومن أي طريق، وتحت أي ضمانات؟

وهذا هو المعنى الحقيقي لسقوط المخا.

Print Friendly, PDF & Email
معتز زريقة

أكاديمي وناشط سياسي لبناني

Free Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  حدود النظام الإقليمي.. من يخترقها وكيف؟