أيُّ شرق أوسط تُريده أميركا لإسرائيل؟

ما استوقفني هو الصراع داخل الحزب الديموقراطي الأمريكي بين تيارين: تيار بيرني ساندرز، الذي يرى أن كل دولار يُمنح لإسرائيل هو دولار يُقتطع من تمويل الصحة والتعليم والمدارس، وتيار حكيم جيفريز، الذي يعتبر أن التخلي عن إسرائيل يعني الابتعاد عن الدفاع عن الديموقراطية في العالم؛ لكن هذا الخلاف يتجاوز بكثير مجرد الانقسام الداخلي في الحزب الديمقراطي الأميركي حول المساعدات المقدمة لإسرائيل.

في قلب النقاش المتزايد داخل الحزب الديموقراطي الأميركي بشأن العلاقة مع إسرائيل، يبدو الخلاف للوهلة الأولى متعلقاً بالمساعدات العسكرية والأسلحة. لكن وراء هذا الجدل تكمن مسألة أعمق:

-هل تريد الولايات المتحدة فعلاً أن تعيش إسرائيل في بيئة إقليمية ديموقراطية، أم أنها تفضّل بيئة إقليمية مستقرة ومتحدة حولها على المستويين الأمني والاقتصادي؟

السؤال ليس نظرياً، بل يمس جوهر السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، ويكشف حدود الخطاب الذي يربط الدفاع عن إسرائيل بالدفاع عن الديموقراطية في العالم.

كان حكيم جيفريز، زعيم الديموقراطيين في مجلس النواب الأميركي، قد أكد في مواقف سابقة على حق إسرائيل في الوجود كدولة “يهودية وديموقراطية”، بينما يدعو بيرني ساندرز والتيار التقدمي في الحزب إلى إعادة النظر جذرياً في المساعدات العسكرية الأميركية لإسرائيل، ولا سيما في سياق الحرب والسياسات التي تنتهجها حكومة بنيامين نتنياهو.

وفي أبريل/نيسان 2026، قاد ساندرز محاولة جديدة لوقف صفقات الأسلحة الموجهة إلى إسرائيل، في مؤشر على اتساع الفجوة داخل الحزب الديموقراطي.

لكن الخلاف الحقيقي لا يتعلق فقط بحجم المساعدات المالية المقدمة لإسرائيل، بل يتعلق بفلسفة الدور الأميركي في الشرق الأوسط.

من “الديموقراطية” إلى “التحالف”

إذا كانت إسرائيل، كما يقول أنصارها في واشنطن، تمثل ديموقراطية في منطقة غير ديموقراطية، فإن السؤال المنطقي هو:

-لماذا لا يكون الهدف الأميركي هو بناء بيئة إقليمية ديموقراطية؟

فالديموقراطية لا تقتصر على الانتخابات، وإنما تشمل أيضاً سيادة القانون، وتداول السلطة، واستقلال القضاء، وحرية الصحافة، واحترام حقوق الإنسان، والمساواة أمام القانون.

غير أن تاريخ السياسة الأميركية في الشرق الأوسط يكشف واقعاً أكثر تعقيداً.

فقد حافظت الولايات المتحدة لعقود على علاقات وثيقة مع أنظمة لا تتطابق بالضرورة مع النموذج الديموقراطي الغربي، لأن اعتبارات الأمن والطاقة والاستقرار ومواجهة الخصوم الإقليميين غالباً ما تقدمت على مشروع التحول الديموقراطي.

ومن هنا تظهر المفارقة:

-إذا كانت الديموقراطية هي الأساس، فلماذا لم يكن نشرها في المنطقة شرطاً أساسياً للأمن القومي الأميركي؟

اتفاقات أبراهام: ديموقراطية أم تطبيع؟

تمثل اتفاقات أبراهام مثالاً واضحاً على هذا التحول. هذه الاتفاقات فتحت الطريق أمام تطبيع العلاقات بين إسرائيل وعدد من الدول العربية، وخلقت فرصاً جديدة للتعاون التجاري والتكنولوجي والاقتصادي والأمني. وفي الوقت نفسه، تواصل واشنطن الدفع باتجاه توسيع هذه الاتفاقات، كما ناقش الكونغرس الأميركي في يوليو/تموز 2026 هذا التوجه في إطار بنية إقليمية أوسع للأمن والتعاون.

لكن كلمة “تطبيع” لا تعني بالضرورة “دمقرطة”.

فمن الممكن أن تقوم علاقات دبلوماسية واقتصادية وأمنية وثيقة بين إسرائيل ودول عربية من دون أن تشهد هذه الدول تحولاً ديموقراطياً حقيقياً.

لذلك يجب التمييز بين مفهومين:

1-بيئة ديموقراطية حول إسرائيل

2-بيئة متحالفة مع إسرائيل.

الأولى؛ تعني دولاً تقوم على سيادة القانون والمؤسسات والمواطنة والانتخابات الحرة.

الثانية؛ تعني دولاً ترتبط بإسرائيل بعلاقات أمنية واقتصادية ودبلوماسية، بصرف النظر عن طبيعة أنظمتها السياسية.

ويبدو أن المسار الحالي أقرب إلى الخيار الثاني.

إسرائيل كمركز لشبكة إقليمية

يمكن النظر إلى اتفاقات أبراهام باعتبارها جزءاً من مشروع أوسع لإعادة تنظيم الشرق الأوسط: شبكة من العلاقات الاقتصادية والأمنية والسياسية تكون إسرائيل أحد مراكزها الرئيسية.

وقد ازدادت أهمية هذه الرؤية خلال عام 2026، مع الجهود الأميركية لتوسيع الاتفاقات وربطها بشراكات اقتصادية وأمنية مع دول عربية، بما فيها المملكة العربية السعودية.

لكن القضية الفلسطينية ما تزال تمثل عقبة رئيسية، إذ تؤكد الرياض ضرورة وجود طريق واضح نحو إقامة دولة فلسطينية قبل الوصول إلى تطبيع كامل مع إسرائيل.

وهكذا تعود القضية الفلسطينية إلى الواجهة:

-هل يمكن بناء نظام إقليمي مستقر حول إسرائيل من دون حل القضية الفلسطينية؟

قد يكون ذلك ممكناً على المدى القصير، لكنه سيكون أكثر صعوبة على المدى الطويل.

فالحرب في غزة أضعفت بصورة كبيرة التأييد الشعبي للتطبيع في العالم العربي، وأبطأت مسار اتفاقات أبراهام.

ساندرز وجيفريز: خلاف حول إسرائيل أم حول أميركا؟

من هذا المنظور، فإن الخلاف بين ساندرز وجيفريز يتجاوز بكثير مسألة إسرائيل.

فساندرز يطرح، في جوهر موقفه، السؤال التالي:

-ماذا تُحصّل الولايات المتحدة فعلياً في مقابل أموالها وأسلحتها ونفوذها؟

-وهل يمكن الاستمرار في تقديم المساعدات العسكرية إذا كانت السياسات الإسرائيلية تتعارض مع القيم والمصالح التي تقول واشنطن إنها تدافع عنها؟

أما جيفريز والتيار التقليدي في الحزب، فينطلقان من سؤال مختلف:

-كيف تستطيع الولايات المتحدة الحفاظ على تحالفاتها ومكانتها العالمية، وتجنب انهيار حليف استراتيجي في منطقة مضطربة؟

لكن الحدود بين التيارين أصبحت أكثر ضبابية.

ففي يوليو/تموز 2026، أظهرت مواقف داخل مجلس النواب أن المعارضة الديموقراطية للمساعدات العسكرية لإسرائيل لم تعد مقتصرة على الجناح التقدمي؛ إذ صوّت 103 نواب ديموقراطيين لصالح تعديل يهدف إلى تعليق المساعدات الأميركية لإسرائيل، في حين بقي جيفريز في المعسكر المعارض لهذا التوجه.

إقرأ على موقع 180  سُنّة لبنان.. من "بارودة الغزاوي" إلى صورة "السيد" ـ طقوش!

وهذا يعني أن القضية لم تعد هامشية داخل الحزب الديموقراطي.

المفارقة الكبرى

نصل هنا إلى السؤال المركزي:

-إذا كانت إسرائيل تدعي أنها “دولة ديموقراطية”، فلماذا لا يرتبط الدفاع عنها ببناء شرق أوسط ديموقراطي؟

في العام 1989، كان زعيم حزب العمل الإسرائيلي شمعون بيريز يرى أن “الديكتاتوريات” العربية في الشرق الأوسط ستشهد عاجلاً أم آجلاً التحولات نفسها التي شهدتها أوروبا الشرقية.

وفي مقال نشرته صحيفة حزب العمل، كتب بيريز أن العد التنازلي للأنظمة العربية السلطوية قد بدأ، لأنها لم تعد تملك حلولاً تقدمها لشعوبها، وأضاف أن الشعوب العربية ستنتفض قريباً ضد حكامها، وليس ضد جيرانها، وأن الدول العربية ستكون مضطرة للدخول في مسار من نزع السلاح و”نشر الديموقراطية”، في حين ستسقط الحواجز الاقتصادية بين دول المنطقة.

وإذا كان الهدف هو الدفاع عن الديموقراطية، فإن الديموقراطية لا ينبغي أن تتوقف عند حدود إسرائيل، بل ينبغي أن تشمل الفلسطينيين والعرب والإيرانيين وجميع شعوب المنطقة.

وهذا يقود إلى رؤية مختلفة تماماً للسياسة الأميركية.

فبدلاً من القول:

-نريد شرق أوسط مستقراً حتى تكون إسرائيل آمنة.

يمكن القول:

-نريد شرق أوسط ديموقراطياً وعادلاً حتى تكون إسرائيل والفلسطينيون وجميع شعوب المنطقة آمنين.

والفرق بين العبارتين ليس لغوياً، بل سياسي واستراتيجي.

شرق أوسط ديموقراطي أم شرق أوسط مستقر؟

ربما تكون هذه هي النقطة الأكثر أهمية في النقاش.

يمكن تحقيق الاستقرار من خلال التحالفات، والتنسيق الأمني، واتفاقات التسليح، والترتيبات الاقتصادية.

لكن الديموقراطية تتطلب شيئاً مختلفاً:

إعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع والمواطن.

وغالباً ما يكون من الأسهل على قوة عظمى التعامل مع أنظمة مستقرة وقوية، بدلاً من التعامل مع أنظمة ديموقراطية متغيرة قد تنتج حكومات منتخبة تختلف أحياناً مع واشنطن أو إسرائيل.

ومن هنا تظهر مفارقة أخرى في السياسة الخارجية الأميركية:

-هل تريد الولايات المتحدة ديموقراطيات حقيقية في الشرق الأوسط، حتى لو أنتجت حكومات منتخبة لا تتشارك دائماً مصالحها مع واشنطن؟

-أم أنها تفضل أنظمة مستقرة ومتوافقة مع نظام أمني إقليمي تقوده واشنطن؟

هذا السؤال لا يتعلق بإسرائيل وحدها.

إنه يتعلق بمستقبل الشرق الأوسط بأكمله.

إسرائيل بين البيئة الديموقراطية والبيئة الأمنية

قد تحتاج إسرائيل إلى بيئة إقليمية جديدة، لكن السؤال هو:

-أي نوع من البيئة؟

-هل هي بيئة أنظمة مرتبطة بها أمنياً واقتصادياً؟

-أم بيئة دول ديموقراطية تعترف بإسرائيل، وتعترف بحقوق الفلسطينيين، وتحترم القانون الدولي، وتبني علاقاتها على أساس المصالح المتبادلة؟

الخيار الثاني يبدو أكثر صعوبة، لكنه ربما يكون أكثر استدامة.

فالسلام الحقيقي لا يمكن أن يقوم فقط على موازين القوى.

والأمن لا يمكن أن يستند إلى التفوق العسكري إلى ما لا نهاية.

كما أن الديموقراطية لا يمكن أن تكون مجرد شعار يُستخدم وفقاً للحاجة السياسية، ثم يتم التخلي عنه عندما يتعلق الأمر بحليف.

الخلاصة

السؤال الذي ينبغي طرحه على جيفريز وعلى مجمل المؤسسة السياسية الأميركية ليس:

-هل ستدافعون عن إسرائيل؟

بل:

-في أي شرق أوسط تريدون لإسرائيل أن تعيش؟

-هل هو شرق أوسط تتحالف فيه إسرائيل مع أنظمة مستقرة، وتصبح فيه مركزاً لنظام أمني واقتصادي إقليمي؟

-أم شرق أوسط تصبح فيه الديموقراطية وحقوق الإنسان وسيادة القانون أساساً للعلاقات بين جميع دول المنطقة؟

إذا كان الخيار الثاني هو الهدف الحقيقي، فإن الدفاع عن إسرائيل لا يمكن فصله عن الدفاع عن حق الفلسطينيين في الحرية والدولة والكرامة، وعن حق جميع شعوب المنطقة في الديموقراطية.

أما إذا كان الهدف هو بناء بيئة مستقرة وموحدة أمنياً حول إسرائيل، فمن الأدق ألا نطلق على ذلك اسم “مشروع ديموقراطي”، بل أن نسميه مشروعاً لإعادة هيكلة الشرق الأوسط أمنياً واقتصادياً واستراتيجياً.

وهنا تحديداً يكمن جوهر الصراع داخل الحزب الديموقراطي الأميركي:

-هل تقوم القوة الأميركية في العالم على حماية الحلفاء كما هم، أم على تغيير البيئة السياسية التي تنتج الصراعات نفسها؟

وربما يعتمد مستقبل السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، بل ومستقبل الحزب الديموقراطي نفسه، على الإجابة عن هذا السؤال.

Print Friendly, PDF & Email
Avatar

علوم دبلوماسية واستراتيجية

Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  خطر المشروع الصهيوني على لبنان.. والمسيحيين