“البجعة السوداء”.. و”نوابت اللحظة”!

من التعيينات المتشددة في إيران، إلى ولادة ميثاق مكة الدفاعي بين السعودية وتركيا وباكستان، مروراً بالمجريات اللبنانية والفلسطينية والسورية واليمنية والعراقية، كُلّها أحداث تبدو، للوهلة الأولى، كأنها تتحرك ضمن سياقات منفصلة. لكن ثمة احتمالًا في أن تكون هذه الأحداث مجرد أعراض لتحول بنيوي واحد، فما نراه اليوم ربما هو لحظة تعبير عن انهيار توازن حكم الشرق الأوسط لعقود.. ولحظة تأسيس لبداية نظام إقليمي لم تتضح معالمه بعد.

هنا تظهر “البجعة السوداء” الحقيقية في احتمالية أن تكون الحرب نفسها قد عفا عليها الزمن كأداة لتغيير النظام، وأن المنطقة تتجه نحو “لحظة نوابت”،  ونعني بها تلك اللحظة التي تتوقف فيها التحالفات القديمة عن إنتاج التوازنات نفسها، بينما لم تتبلور بعد تحالفات جديدة قادرة على الحلول محلها. في هذه “اللحظة”، تصبح الأحداث الصغيرة قادرة على خلق نتائج كبيرة، وتصبح المقولات السياسية التقليدية أقل قدرة على تفسير ما يجري.

ولعل أبرز ملامح “لحظة النوابت”:

  • فقدان اليقين السببي: لا يمكن الجزم بأن تعيينات إيران الأخيرة المتشددة، وأبرزها تعيين اللواء محسن رضائي، قائد الحرس الثوري السابق، أمينًا للمجلس الأعلى للأمن القومي، خلفًا لمحمد باقر ذو القدر، هو الرد الإيراني على “حلف مكة الثلاثي” (الباكستاني السعودي التركي) أو العكس صحيح. بل ربما كان الاثنان مجرد استجابات متوازية لانهيار النظام القديم، وأبرز ملامحه احتمال الفراغ في ضوء العجز الأميركي المتمادي عن توفير ضمانة الحماية لدول الخليج.
  • تراجع القدرة على التنبؤ: أصببحت التحليلات التي كانت ناجحة قبل خمس سنوات غير مجدية الآن، لأن الوقائع نفسها تتغير بسرعة قياسية من إيران إلى غزة مروراً بلبنان وسوريا.
  • ارتفاع وزن الفاعلين غير التقليديين: في غياب قواعد ثابتة، يصبح للقادة الأفراد، والضباط الميدانيين، وحتى التحركات الإعلامية، وزن أكبر مما كانوا يتمتعون به في السابق، وبالتالي نحن أمام قيادات جديدة في كل من إيران والعراق وسوريا ولبنان وغزة.
  • إعادة تعريف العدو: لم يعد العدو بالضرورة دولة معينة، بل قد يكون “فوضى النظام الجديد” نفسه، أو “الفراغ الذي سيخلقه غياب القواعد”.

“البجعة السوداء” ليست الحرب، بل استحالتها

إن القراءة الأكثر شيوعًا لما يجري هي توقع حرب أوسع. لكن الحرب، مهما كان حجمها، ليست بالضرورة “البجعة السوداء”. فالحرب متوقعة ومنطقية ضمن إطار الصراع القديم. ولكن المفاجأة الحقيقية قد تكون أن الحرب نفسها لن تقع مجدداً بالطريقة التي نتوقعها.

نعم، قد يحدث العكس، فالمخاطر المتزايدة قد تجبر الأطراف على بناء آلية أمنية إقليمية جديدة. وقد تتحول المواجهة إلى تفاوض غير معلن. ومنها تتحول إيران من خصم يجب احتواؤه إلى طرف لا يمكن بناء النظام الإقليمي الجديد من دونه، وبالتالي ماذا يمنع أن يتحول اتفاق مكة الثلاثي إلى رباعي بانضمام إيران إليه؟

عندها يصبح التحفظ الإيراني أو التعامل الإيراني الهادىء مع ميثاق مكة أكثر من مناورة إعلامية، بل بمثابة تمهيد ضمني بأن طهران مستعدة للعب دور في النظام الجديد، إذا كانت قواعده مختلفة عن النظام القديم. وعليه تظهر “البجعة السوداء” لا في الحرب، وإنما في احتمال تأسيس “لحظة نوابت” بوصفها ضرورة للجميع من أجل ابتكار أدوات جديدة لم نتعود على استخدامها.

إعادة تأسيس النظام الإقليمي

إذن، في ضوء التحولات البنيوية، يبقى سيناريو واحد قادر على تفسير المشهد الراهن: إعادة تأسيس النظام الإقليمي!

في هذا السيناريو، لا تنتصر إيران انتصارًا كاملًا، ولا تهزم، ولا تنتصر إسرائيل نهائيًا، ولا تستعيد الولايات المتحدة موقعها السابق. بل تخسر جميع الأطراف شيئًا من قدرتها على فرض قواعدها، وتصل المنطقة إلى “لحظة نوابت”. ومن هناك تبدأ المساومات الجديدة، ليس حول من يملك السلاح الأقوى، ولكن حول من يملك القدرة على تعريف قواعد اللعبة الجديدة.

لا يفترض هذا التصور اندلاع حرب جديدة، بقدر ما يفرض على الجميع إدراك، ولو بدرجات متفاوتة، أن الحرب بالطريقة القديمة لم تعد مجدية، وأن السباق الحقيقي هو سباق إعادة تعريف النظام قبل أن يعيده الفراغ أو يجعل الفوضى بديله حتى إشعار آخر.

سوريا نموذج.. والسؤال الأهم

سوريا هي التجسيد الجغرافي الأكثر إيلامًا لفرضية “لحظة النوابت”. فالنظام القديم انهار، والقوى الإقليمية تعيد ترتيب أوراقها، والولايات المتحدة تنسحب، وإيران تتراجع، وإسرائيل تتفاوض، وتركيا تتقدم، والفصائل المسلحة تعيد إشعال الجبهات في حلب ومحيطها. لكن سوريا ليست مجرد ساحة صراع جديدة؛ هي المختبر الذي تُختبر فيه النظريات الجديدة للحكم في الشرق الأوسط.

هل يمكن لدولة سورية مركزية، تقودها شخصية من خلفية جهادية (أحمد الشرع) لكنها تتبنى خطابًا وطنيًا، أن تنجح في جمع شتات البلاد؟ وهل ستقبل القوى الإقليمية بنظام يحفظ لسوريا مصالحها دون أن يكون تابعًا لأي منها؟ أم أن سوريا ستتحول إلى ساحة حرب بالوكالة من نوع جديد، حيث تتصارع المصالح التركية والإيرانية والإسرائيلية؟

ما يجري في سوريا اليوم ليس حلقة جديدة من الحرب الأهلية، بل بداية مرحلة جديدة من التنافس الإقليمي، حيث تعاد كتابة قواعد اللعبة على أنقاض نظام قديم. وربما يكون السؤال الأكثر أهمية اليوم: هل انتهى النظام القديم فعلاً؟ وهل نحن أمام لحظة ستحدد شكل الشرق الأوسط لعقود مقبلة؟

إقرأ على موقع 180  أزمة الطاقة والأسعار.. ماذا ينتظرنا في 2023؟

فإذا كانت الأحداث التي نراها اليوم ليست سوى أعراض لتحول بنيوي واحد، فإن البحث عن “البداية” يصبح أقل أهمية من اكتشاف الاتجاه، وإدراك أن الأحداث التي كنا نقرأها بوصفها أسبابًا ونتائج لم تكن إلا مظاهر مختلفة لعملية واحدة؛ عملية انتقال من شرق أوسط كانت قواعد آمنة تُرسم إلى حد كبير من الخارج، إلى شرق أوسط يحاول أن يرسم قواعد آمنة بنفسه، وإن كان ما يزال في بداية الطريق.

في هذه اللحظة، قد لا يكون السؤال: من سينتصر؟ وإنما، هل يستطيع الجميع تجاوز منطق الانتصار نفسه، والانتقال إلى منطق بناء نظام جديد؟

هذا هو جوهر “البجعة السوداء” في الشرق الأوسط اليوم؛ أن نكتشف أن الخطر الأكبر ليس في هزيمة أحد الأطراف، بل في فشل الجميع في إعادة تعريف اللعبة قبل أن يعيدها الفضاء الفارغ الذي يخلفه انهيار النظام القديم.

(*) مصطلح «البجعة السوداء» (Black Swan) يُستخدم لوصف حدث شديد الندرة، بالغ الأثر، ويقع خارج نطاق التوقعات المعتادة، ثم يميل الناس بعد وقوعه إلى إعادة تفسير الماضي بحيث يبدو الحدث وكأنه كان قابلاً للتنبؤ منذ البداية.

Print Friendly, PDF & Email
يوسف أيوب

كاتب وأكاديمي لبناني

Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  لبنان: التعليم من بعد.. بمناهج القرن الماضي!