للجغرافيا صبر طويل، لكنها حين تنتقم تفعل ذلك دفعة واحدة. اضطراب هرمز لم يوقف الناقلات فحسب؛ بل أسقط وهماً عمره أعوام طويلة. اكتشف العراق أن النفط الذي لا يبلغ السوق لا يموّل دولة. وأدركت السعودية أن الميناء يفقد وظيفته إذا ظل الخروج منه رهينة الحرب. هكذا، عادت الأنابيب والسكك إلى السياسة. فبغداد تبحث عن أكثر من بحر، والرياض عن طريق بري، وسوريا تريد استعادة دور الجسر. أما حيفا فتفقد صفة البوابة التي لا بدّ منها.
العراق: حين تعجز الثروة عن الرحيل
كان العراق يصدّر نحو 105 ملايين برميل نفط في كانون الثاني/يناير 2026 و98 مليوناً في شباط/فبراير من العام نفسه. فجأة هوت الصادرات إلى 18.6 مليوناً في آذار/مارس وأقل من 10 ملايين في نيسان/أبريل، ولم يتجاوز مجموع أيار/مايو وحزيران/يونيو معاً 32.1 مليوناً. وفي تموز/يوليو، عبر مضيق هرمز ما بين 35 و37 مليون برميل. ومع ارتفاع المعدل منذ مطلع آب/أغسطس إلى قرابة مليوني برميل يومياً، بقي مجموع النصف الأول منه عند 26 مليوناً، بعيداً من المستوى السابق البالغ ثلاثة ملايين ونصف مليون برميل يومياً.
لم يكن ذلك تعافياً حقيقياً، بل ابتعاداً عن القاع. امتلأت الخزانات، فتقلص الإنتاج أو توقف في حقول. صار النفط المرتفع السعر بلا قيمة تشغيلية لأنه لا يجد طريقاً إلى المشتري. انخفضت إيرادات النصف الأول من 2026 إلى 18.7 مليار دولار، بعدما تجاوزت 43 ملياراً قبل عام؛ خسارة عراقية تقارب 57٪ في بلد يؤمّن النفط نحو 90٪ من إيراداته.
لذلك لم يكن اتفاق الأول من آب/أغسطس بين «بوتاش» و«سومو» وشركة نفط الشمال ترتيباً تقنياً. فهو أبقى خط العراق–تركيا عاملاً لسنة، بسقف تعاقدي يبلغ 750 ألف برميل يومياً، فيما ظل الضخ قرابة الـ170 ألفاً، مقابل طاقة تصميمية تقارب 1.5 مليون.
لم تشتر تركيا النفط العراقي. وبقي التسويق بيد «سومو»، كما بقيت التعرفة والصيانة والكميات المضمونة والتحكيم والتعويضات بلا حسم. اشترت بغداد وقتاً، واشترت أنقرة فرصة لتعميق حضورها. ويكشف دخول «TPAO» بنسبة 15٪ في مشروع تقوده «BP» لتطوير كركوك انتقال تركيا من الممر إلى المنبع. وإذا امتدت شبكة جيهان جنوباً وتقاطعت مع «طريق التنمية»، تحضر أنقرة عند الحقل وفوق الطريق وعند الميناء؛ فتغدو دولة عبور وشريكاً في السلسلة كلها.
بغداد، في المقابل، لا تريد الخروج من أسر هرمز إلى أسر جيهان. لذلك يحتل مشروع البصرة–حديثة قلب استراتيجيتها الجديدة: خط بطول 685 كيلومتراً، وطاقة تبلغ 2.5 مليون برميل يومياً، وكلفة تناهز 5 مليارات دولار (سيُلزم لشركة “شيفرون” الأميركية). وظيفته وصل نفط الجنوب بمصافي الوسط والشمال، ثم توزيع الفائض في أكثر من اتجاه. وقد أجازت الحكومة العراقية دراسات أولية غير ملزمة لمساري حديثة–كركوك–جيهان وحديثة–بانياس.
مرفأ جيهان جاهز ومتصل بالمتوسط، لكنه يمنح أنقرة نفوذاً واسعاً. وبانياس منفذ عربي يحتاج إلى استقرار سوري وضمانات أمنية وقانونية وتأمينية. أما العقبة في الأردن فتجعل البحر الأحمر ممراً رديفاً وتُخفّف الارتهان لهرمز والمتوسط، لكن مسارها أطول وكلفتها أعلى.
قد تبدو هذه الاستثمارات مفرطة إذا بقي الإنتاج خاضعاً لحصص «أوبك»، غير أن بغداد لا تشتري طاقة نقل فحسب، بل إنها تدفع قسط تأمين كي لا يستطيع ممر واحد احتجاز موازنتها.
السكة: السياسة حين تعود على قضبان الحجاز
قبل أكثر من قرن، خرج قطار الحجاز من المدينة المنورة إلى دمشق، قبل أن تقطّعه الحرب العالمية الأولى. اليوم عادت الفكرة: سكة تتجاوز ثلاثة آلاف كيلومتر من السعودية عبر الأردن وسوريا إلى تركيا وأوروبا، بكلفة أولية بين 5 و8 مليارات دولار، مع توقع اكتمال الدراسات الفنية أواخر العام 2026. وخلافاً لجيهان العامل والبصرة–حديثة قيد التطوير، لا تزال السكة مجرد تصور يحتاج إلى إرادة وتمويل ومؤسسات.
عملياً، لم تولد الرؤية السعودية من أزمة هرمز. فقد أنشأت المملكة خط الشرق–الغرب إلى ينبع، وربطت الرياض بالدمام، ودفعت نحو قطار خليجي يضم الكويت وقطر والإمارات وعُمان. إلا أن الأزمة منحت البديل معناه الاستراتيجي. لن ينتصر القطار على البحر، فالسفن أقدر على نقل الأحجام الكبرى وأقل كلفة في الظروف الطبيعية؛ لكنه يكسر احتكاره. ففي السلم تُحسب الكلفة بالطن، وفي الحرب تُحسب بأيام الشلل.
تريد الرياض تصدير الطريق أيضاً. فربط الموانئ والمصانع بالشبكة الداخلية، ثم بالأردن وسوريا وتركيا، يُحوّلها من محطة إلى مركز يصوغ اتجاه الحركة. ويضيف الركاب والحج والعمرة والسياحة، وما ينشأ حول المحطات، قيمة تتجاوز الشحن.
يكسب الأردن رسوماً ومناطق لوجستية وفرص عمل، لكنه يحتاج إلى تطوير بنيته. أما سوريا، التي مزقت الحرب سككها وطرقها وأضعفت الدولة، فتصبح نقطة التقاء محتملة بين نفط العراق الآتي من الشرق والسكة السعودية الصاعدة من الجنوب نحو تركيا. هذا التقاطع يعيد إليها وظيفة الوصل ويمنح الإعمار مضموناً اقتصادياً، لكنه يحتاج إلى دولة عند كل محطة وإلى قانون خلف كل عقد. فلا تستطيع الرياض وأنقرة إعارة دمشق استقراراً دائماً.
أما التمويل، فلن يكون هبة. قد يقوم على قروض وشراكات وامتيازات تمتد 25 أو 50 عاماً، عبر شركة أم تتفرع عنها شركات وطنية. ويحتاج الخط إلى مواصفات وجمارك وتعرفات موحدة، وتأمين وحماية بيانات وحقوق مرور وتحكيم. فالقطار السريع قد يفقد ميزته عند حدود بطيئة.
أما الأمن، فجزء من التصميم. السكة هدف طويل للمسيّرات والتخريب والمواجهات. تحتاج إلى كاميرات وحساسات وذكاء اصطناعي وأنظمة مضادة للمسيّرات، وإلى تعاون استخباري وفرق إصلاح ومخزون تشغيلي ومسارات بديلة. الصمود ليس ألّا تتلقى الشبكة ضربة، بل ألّا تسمح للضربة بأن تحصل أولاً..
وستستفيد الصين من الخطوط والممرات وتجد في معظمها امتداداً لـ«الحزام والطريق»، وحتماً ستستفيد أوروبا من تنويع الإمدادات، وقد يبدأ التكامل العربي حيث أخفقت البيانات. فأوروبا لم تبدأ اتحادها بقصيدة سياسية، بل بالفحم والصلب؛ وقد يبدأ المشرق بالسكك والطاقة والجمارك. ذلك أنّ المصالح لا تمحو النزاع، لكنها ترفع ثمنه، ولا تخلق السلام وحدها، لكنها تمنحه أرضاً يقف عليها.
طرابلس: الجغرافيا التي تنتظر دولة
يحمل لبنان ذاكرة ثلاثة خطوط منفصلة: كركوك–طرابلس عبر سوريا، وكركوك–بانياس، و«التابلاين» السعودي المنتهي في الزهراني. لذلك فإن طرح رئيس مجلس النواب نبيه بري، وفق ما أشارت مصادر مطلعة لـ«180 بوست» ربط طرابلس بالزهراني لا يعيد خطاً قديماً، بل ينشئ عمود طاقة وطنياً يصل إرث الشمال بإرث الجنوب ويوزع التخزين والخدمات والمخاطر. في المقابل، تتجه رؤية رئيس الحكومة نواف سلام نحو صيدا وتوسعة مرفئها بدلاً من الزهراني.
المهمّ، بدأت الحكومة التحضير لاستخدام منشآت طرابلس في تخزين النفط العراقي المنقول بالصهاريج وإعادة تصديره، بالتوازي مع البحث في إحياء الأنبوب مستقبلاً.
طرابلس ليست في الخطة العراقية الرسمية بعد، وإن كانت المباحثات جارية. مصفاتها المنشأة عام 1940 كانت بطاقة 21 ألف برميل يومياً، لكن التاريخ وحده لا يضخ النفط. فهناك 12 خزاناً (القدرة التخزينية 110 آلاف طن)، 4 منها قابلة للاستخدام. وهناك أيضاً ترسبات تقتطع 20٪ من السعة، فيما يمتد المسار اللبناني القديم بين 30 و40 كيلومتراً. لكن الصهاريج اختبار لوجستي لا انتصار استراتيجياً، والتفاهم الأولي ليس عقداً ولا كميات مضمونة ولا تمويلاً جاهزاً.
حتى اللحظة، ليس لبنان على المسار الرئيسي للسكة السعودية–التركية. وهو أصلاً لا يستطيع منازعة ميناء جيهان وظيفته. قيمته المحتملة تأتي من مجاورته العقدة السورية التي يلتقي فيها المحور النفطي العراقي بالمحور البري السعودي. فإذا ربط طرابلس بهذه العقدة عبر النقل والتخزين والخدمات، يمكنه أن يصبح منفذاً متوسطياً مكمّلاً: يخزن النفط، يعيد تصديره، يستقبل جزءاً من حركة البضائع، ويوفر مخرجاً احتياطياً.
لكن لا طريق إلى طرابلس من دون سوريا. الى ذلك، تفرض الاعتداءات الإسرائيلية توزيع التخزين وحماية المنشآت وتأمين مسارات بديلة ومظلة سياسية دولية. فالحصانة جزء من الهندسة. هذا، وقد ترى إيران في تعدد المنافذ انتقاصاً من قوة هرمز، أو صمام أمان لاقتصاد عراقي يرتبط بها، وذلك وفق وظيفة المشروع لا اسمه.
المعركة اذاً ليست على سعة أنبوب أو سرعة قطار، بل على مركز الجغرافيا. فإسرائيل بنت مشروعها الإقليمي على أن حيفا بوابة الخليج إلى أوروبا، وأن التطبيع ثمن العبور. فإذا اكتملت السكة، سقطت الفرضية، واستعاد المشرق اتصاله بذاته، وفقدت تل أبيب وظيفتها المفروضة.
وهنا تقع هزيمتها الأعمق: تمرّ خطوط الطاقة والتجارة من دونها، وتدخل طرابلس شبكة المتوسط، فيما تبقى إسرائيل خارج الطريق الذي أرادت احتكاره. فالمدن تتعافى من الضربات، أما الممر الذي يتعلم العالم تجاوزه فلا يستعيد مركزيّته بسهولة. هذا اذا استعادها أصلاً.
