كيف تحوّل فيلم “نازا” عن غزة إلى أزمة داخل إسرائيل؟

18018020/09/2026
لم يعد فيلم «نازا» مجرد فيلم وثائقي عن حرب غزة. فمنذ عرضه في مهرجان البندقية وفوزه بجائزة لجنة التحكيم الخاصة، تحول العمل الذي أخرجه الإسرائيليان يوفال أبراهام وراشيل زور إلى قضية سياسية وعسكرية وإعلامية داخل إسرائيل، وإلى مادة نقاش واسعة في الصحافة الاميركية والأوروبية.

يستند الفيلم إلى شهادات 24 ضابط استخبارات وجندياً إسرائيلياً، يتحدثون من داخل المنظومة التي تولت اختيار الأهداف وتنفيذ جزء من الغارات في غزة منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر، تاريخ “طوفان الأقصى”. وجوههم مخفية وأصواتهم معدلة رقمياً، لكن مضمون شهاداتهم شديد الوضوح: كيف حُسب عدد المدنيين الذين يمكن أن يسقطوا مع كل هدف، وكيف دخل الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا في منظومة الاستهداف، وكيف تحولت عبارة «الأضرار الجانبية» إلى رقم يسبق الضربة العسكرية نفسها.. وكما كان متوقعاً، سارع بنيامين نتنياهو إلى مهاجمة الفيلم، ودُرست إجراءات قانونية ضد صناعه، وظهرت دعوات لسحب جنسية المخرجين، فيما أعلن رئيس الأركان إيال زامير فحص الخيارات القانونية والتحقيق في مصدر المعلومات. وبدلاً من احتواء القضية، ساهم هذا الهجوم في جعل رد الفعل الإسرائيلي جزءاً من قصة «نازا» نفسها. وهنا بدأت المفارقة: كثيرون ممن دخلوا في النقاش داخل إسرائيل لم يكونوا قد شاهدوا الفيلم أصلاً.

لكن ذلك لم يمنع «نازا» من فتح نقاش يتجاوز السينما إلى أسئلة أكثر خطورة: ماذا حدث فعلاً في غزة؟ ما الذي يستطيع الفيلم إثباته؟ ولماذا أثار مجرد ظهور هذه الشهادات هذا المقدار من الذعر والغضب داخل إسرائيل؟

ميشيل غولدبيرغ: حين يصبح المدني رقماً

ترى ميشيل غولدبيرغ، كاتبة الرأي في «نيويورك تايمز»، أن خطورة الفيلم تكمن في أنه ينقل المشاهد من نتيجة الغارة إلى اللحظة التي تسبق اتخاذ قرار تنفيذها.

فـ«نازا» اختصار عسكري عبري للضرر الجانبي، ويشير إلى الخسائر المدنية المتوقعة عند ضرب هدف معين. وبحسب شهادات الفيلم، أصبحت هذه الخسائر جزءاً من الحساب المسبق: كم شخصاً يمكن أن يُقتل مقابل استهداف عنصر في «حماس»؟ وما الرقم الذي يمكن اعتباره مقبولاً؟

وتتوقف غولدبيرغ عند مفارقة مهمة. فالمدافعون عن الجيش الإسرائيلي يقولون إن مجرد وجود سقف لما يسمى الضرر الجانبي يثبت أن المدنيين ليسوا هدفاً مقصوداً. أما الفيلم فيقلب السؤال: ماذا يحدث عندما يصبح سقف الضرر نفسه واسعاً إلى درجة تسمح بقتل أعداد كبيرة من المدنيين؟

من هنا لا تصبح القضية مجرد خطأ في الاستهداف، بل طريقة تفكير كاملة تتحول فيها حياة الناس إلى متغير عددي داخل منظومة اتخاذ القرار.

وتصل غولدبيرغ إلى السؤال الذي سيظهر، بصيغ مختلفة، عند عدد من الكتّاب الإسرائيليين لاحقاً: هل يغضب الإسرائيليون من «نازا» لأنهم يعتقدون أن ما يقوله كاذب، أم لأنهم يخشون أن يكون بعضه صحيحاً؟

بيلغه إبيري: برودة الفيلم هي مصدر قوته

ويضيف الناقد السينمائي الأميركي بيلغه إبيري في «نيويورك ماغازين/فالتشر» عنصراً لا يظهر كثيراً في النقاش السياسي: لماذا يؤثر الفيلم بهذه القوة مع أن جانباً من المعلومات التي يقدمها سبق أن ظهر في الصحافة؟

الجواب عند إبيري يكمن في الشكل.

لا يعتمد «نازا» على مشاهد صادمة متواصلة ولا على صور دموية أو موسيقى تضغط على المتلقي. أسلوبه متقشف وبارد: أشخاص مجهولو الملامح يجلسون ليلاً فوق أسطح تل أبيب ويتحدثون بلغة عسكرية وتقنية عن الاستهداف والضحايا والأرقام. ووصف إبيري أسلوب الفيلم بأنه مقتصد ومركّز، فيما اعتبر أثره صعب النسيان.

وهكذا تنشأ مفارقة بصرية قوية: تل أبيب مضاءة وهادئة في الخلفية، بينما يتحدث الأشخاص الموجودون أمام الكاميرا عن قرارات اتخذت على مسافة عشرات الكيلومترات وأدت إلى دمار واسع في غزة.

وبالنسبة إلى إبيري، ليست المسألة أن المعلومات كانت مجهولة تماماً. جزء منها ظهر سابقاً في تحقيقات «الغارديان» و«+972» و«مكالمة محلية» وغيرها. لكن ما كان موزعاً بين عشرات التقارير أصبح هنا سردية واحدة متصلة، تُسمع من أشخاص يقولون إنهم كانوا جزءاً من الآلة نفسها.

وهذه قدرة السينما التي لا تملكها بالضرورة المقالة الصحافية: جمع الوقائع المتناثرة في تجربة واحدة يصعب الهروب منها.

دان بيري: أزمة صدقية إسرائيلية

أما دان بيري، الرئيس السابق لتحرير «أسوشيتد برس» في أوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط، فيرى أن «نازا» كشف مشكلة تتجاوز الفيلم إلى صدقية الرواية الإسرائيلية نفسها.

يستعيد بيري تجربة من الانتفاضة الثانية، حين ألغى الجيش الإسرائيلي ضربة ضد قيادي في «حماس» بعدما تبين وجود أطفال وأفراد من عائلته في المنزل، ثم بعث ضابطاً كبيراً لشرح القرار للصحافيين.

الفارق الذي يراه اليوم هو أن إسرائيل لم تقدم للجمهور، خلال حرب غزة، الشرح التفصيلي نفسه لكيفية تحديد الأهداف وحساب الخسائر والتناسب. وبالتالي نشأ فراغ معلوماتي ملأه آخرون، ثم جاء «نازا» ليملأ جزءاً منه بشهادات أشخاص يقولون إنهم عملوا داخل المنظومة.

وبيري لا يتجاهل مشكلة المصادر المجهولة؛ فهي، في نظره، تحدّ فعلاً من قدرة المشاهد على اختبار هوية الشاهد ودوافعه وموقعه داخل المؤسسة.

لكنه يشير إلى مفارقة واضحة: حين تهدد الدولة العسكريين الذين قد يتحدثون والمخرجين الذين يستمعون إليهم، فإنها تقدم بنفسها تفسيراً مقنعاً لسبب إخفاء الشهود أسماءهم.

ومن هنا يصبح السؤال عند بيري بسيطاً: إذا كان الفيلم يقدم صورة زائفة، لماذا لا ترد المؤسسة الإسرائيلية بتقديم صورة مفصلة وموثقة عن منظومة الاستهداف بدلاً من ترك النقاش يدور حول نيات المخرجين؟

بهذا المعنى، لا يكون «نازا» فقط اتهاماً للجيش، بل اختباراً لقدرة إسرائيل على إقناع الآخرين بروايتها المضادة.

عاموس هرئيل: نعم لجرائم الحرب.. لا للاستنتاج نفسه

عاموس هرئيل، المحلل العسكري في «هآرتس»، يمثل موقفاً إسرائيلياً بالغ الأهمية لأنه لا يقع في خانة الدفاع الرسمي عن الحرب ولا في خانة المخرجين.

يقول بوضوح إنه لم يشاهد الفيلم، ولذلك لا يريد الحكم عليه كعمل سينمائي. لكنه يعتبر أن رد فعل المؤسسة السياسية والعسكرية كان متسرعاً ومبالغاً فيه، وخصوصاً فتح تحقيق لمعرفة هوية العسكريين الـ24 قبل أن تتمكن القيادة العسكرية نفسها من مشاهدة الفيلم وفحص ادعاءاته.

ويكتب هرئيل ما هو أكثر أهمية: جرائم حرب ارتُكبت في غزة.

ويشير إلى قواعد إطلاق نار متساهلة في مراحل من الحرب، وإلى هوامش واسعة للأضرار الجانبية، وإلى تدمير منهجي للمباني، وإلى حالات قُتل فيها فلسطينيون بعد تجاوز خطوط ميدانية لم يكونوا يعرفون بوجودها.

لكنه يرفض القفزة من ذلك إلى اعتبار الإبادة الجماعية مثبتة. وهو يستند في موقفه إلى وقائع أخرى، منها حالات منع فيها الجيش جنوداً وطيارين من إطلاق النار خوفاً على المدنيين والخسائر الكبيرة التي تكبدتها القوات الإسرائيلية نفسها.

وهكذا يرسم هرئيل خطاً واضحاً بين إثبات جرائم حرب وانتهاكات واسعة وبين إثبات وجود سياسة إبادة جماعية ممنهجة.

كما ينتقد يوفال أبراهام، ويرى أن عمله يمزج بين الصحافة والتوثيق السينمائي والنشاط السياسي، ويتساءل عن مقدار السياق الذي يمنحه الفيلم لهجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر ولحالة الجنود والمجتمع الإسرائيلي بعده.

لكن المفارقة أن هرئيل، برغم هذه الانتقادات، يصل إلى نتيجة معاكسة تماماً لما تفعله الحكومة: المطلوب، في رأيه، ليس مطاردة المخرجين، وإنما التحقيق في ما حدث في غزة والتعلم منه.

جدعون ليفي: الفيلم كشف «الدمل»

ومن الصحيفة نفسها يأتي جدعون ليفي ليقف في الجهة الأخرى من النقاش تقريباً.

ليفي أيضاً لم يكن قد شاهد الفيلم عندما كتب عنه. لكنه يقول إن هذا لا يهم كثيراً بالنسبة إلى النقطة التي يريد إثباتها، لأن موضوعه ليس الفيلم بل الهستيريا التي أثارها في إسرائيل قبل أن يشاهده الإسرائيليون.

إقرأ على موقع 180  خطة ترامب الغزّاوية.. كيف قرأها الإعلام العبري؟

وبالنسبة إليه، هذه الهستيريا «أفضل ما حدث للمجتمع الإسرائيلي منذ 7 أكتوبر».

الحجة التي يقدمها قاسية: منذ ثلاث سنوات، كما يرى، استطاع المجتمع الإسرائيلي أن يفصل نفسه نفسياً عن حجم ما يجري في غزة. النقاش الداخلي دار حول نتنياهو والرهائن والجيش والسياسة الداخلية، بينما بقي الفلسطينيون ودمار القطاع على هامش الوعي العام.

وجاء «نازا» ليكسر هذا الفصل.

فجأة أصبحت غزة هي الموضوع.

بالنسبة إلى ليفي، تكشف شدة الغضب والتهديد والرغبة في معاقبة المخرجين عن خوف أعمق. فهو يرى أن المجتمع الذي يشعر بالاطمئنان الكامل إلى عدالة سلوكه لا يحتاج إلى مثل هذا الانفجار عند ظهور فيلم ينتقده.

ويستخدم صورة قاسية: سنوات من الإنكار والقمع واللامبالاة صنعت «دملاً»، و«نازا» لم يصنعه بل ضغط عليه حتى انفجر.

كما يختلف ليفي جذرياً عن هرئيل في التوصيف النهائي. فهو يتبنى صراحة توصيف «الإبادة الجماعية» ويرى أن إسرائيل تحاول الهروب من مسؤوليتها عنها. وهذه قراءة سياسية وأخلاقية لليفي وليست حقيقة يثبتها مجرد رد الفعل على الفيلم.

لكن أهم ما يضيفه هو قراءته للخريطة السياسية الداخلية. ففي رأيه، أسقط «نازا» جزءاً من الحدود التقليدية بين يمين ويسار؛ فقد شارك سياسيون وصحافيون محسوبون على اتجاهات مختلفة في مهاجمة الفيلم أو التشكيك في صانعيه، وإن اختلفت اللغة والأسلوب.

حتى المطالبة بـ«السياق» أو بـ«الدليل»، كما يرى ليفي، تصبح أحياناً وسيلة للهروب من جوهر القضية: أين كانت التحقيقات الإسرائيلية نفسها في ما حدث للمدنيين داخل غزة؟

وهو يرفض أيضاً اعتبار مجهولية المصادر سبباً كافياً لرفض الشهادات، مستذكراً أن بعض أهم التحقيقات الصحافية التاريخية اعتمدت على مصادر لم تكشف هويتها.

وهكذا يقدم ليفي قراءة تختلف عن جميع القراءات الأخرى: أهمية «نازا» ليست في ما أثبته فقط، بل في ما كشفه رد الفعل عليه عن المجتمع الإسرائيلي نفسه. وقد نشر ليفي هذا الموقف تحت عنوان يفيد بأن الهستيريا حول «نازا» جعلت إسرائيل تتحدث أخيراً عن غزة.

غليكسبرغ: لكن التصفيق ليس دليلاً

في مواجهة هذا الموقف يأتي فتالي غليكسبرغ، أيضاً من «هآرتس»، ليطرح السؤال الأصعب بالنسبة إلى صناعة الفيلم: كيف ننتقل من الشهادة إلى الإثبات؟

هو الآخر كتب قبل مشاهدة «نازا»، ولذلك لا يدعي تقييم الفيلم فنياً أو الحكم على صحة ادعاءاته. لكنه يتوقف عند 24 شاهداً مجهولي الهوية وعند التصفيق الاستثنائي الذي لقيه الفيلم في مهرجان البندقية.

لا يعترض غليكسبرغ على حماية المصادر في حد ذاتها. بل يعترف بأن أشخاصاً يكشفون معلومات عن مؤسسة أمنية وقد يعرضون أنفسهم للخطر يحتاجون أحياناً إلى السرية.

لكن للسرية ثمناً.

فالمشاهد لا يستطيع معرفة من يتحدث إليه، أو موقعه الحقيقي في المؤسسة، أو دوافعه، أو مقدار معرفته بالقرار الذي يصفه، أو الجزء الذي اختار ألا يرويه.

وهذا لا يجعل الشهادة كاذبة، لكنه يرفع مسؤولية من يقدمها إلى الجمهور.

ويضيف غليكسبرغ أن أبراهام وزور لا يخفيان موقفهما من الحرب، بل يستخدمان توصيف «الإبادة الجماعية». وهذا حقهما؛ فالسينما الوثائقية ذات الموقف لها تاريخ طويل. لكن كلما كان موقف المخرج واضحاً والاتهام خطيراً والمصدر مجهولاً، ازداد عبء التحقق.

ومن هنا تأتي خلاصته: ثمة فارق بين أن يتأثر المشاهد أخلاقياً بما يسمعه وبين أن يعتبر أنه ثبت واقعياً.

إيتمار آيخنر: إسرائيل خسرت المعركة قبل أن تبدأها

أما إيتمار آيخنر في «يديعوت أحرونوت»، فينظر إلى «نازا» من داخل آلة الدولة نفسها.

ما يقلقه ليس فقط ما يقوله الفيلم، بل أن إسرائيل فوجئت بأثره مع أن المؤسسات الرسمية كانت تعرف مسبقاً أنه سيُعرض في مهرجان البندقية.

وتكشف رواية آيخنر أن السلطات تعاملت مع «نازا» منذ البداية باعتباره معركة على الرواية الدولية. لكنها واجهت مشكلة: هذا ليس فيلماً أنتجه خصم فلسطيني أو مؤسسة أجنبية يمكن اتهامها بسهولة بالعداء لإسرائيل. المخرجان إسرائيليان، والأشخاص الذين يتحدثون في الفيلم يقولون إنهم عسكريون إسرائيليون.

والأهم أن آيخنر ينقل عن مسؤولين في أجهزة الإعلام الإسرائيلية اعتقادهم بأن الدعوات إلى سحب جنسية المخرجين ألحقت بإسرائيل أذى أكبر، لأنها نقلت النقاش من نقاط ضعف الفيلم إلى سؤال حرية التعبير وخوف الدولة من النقد.

وأبراهام يرد: الشهود ليسوا مجهولين

تبقى هنا القضية الأساسية التي يثيرها غليكسبرغ ودان بيري وحتى هرئيل: كيف تحقق المخرجان من الأشخاص الذين يطلبان من الجمهور تصديقهم؟

واجه الصحافي الإسرائيلي رفيف دروكر يوفال أبراهام بهذا السؤال في مقابلة تلفزيونية متوترة على القناة 13.

دروكر، وهو من الإسرائيليين القلائل الذين شاهدوا الفيلم كاملاً في تلك المرحلة، شكك خصوصاً في الادعاءات المتعلقة بضربات قيل إنه تمت الموافقة عليها مع توقع مقتل أعداد كبيرة من المدنيين.

ورد أبراهام بأن المخرجين لم يطلبا من الجمهور تصديق أشخاص مجهولين من دون تحقق. وأكد أن هويات الأشخاص تم التحقق منها، وكذلك الحالات التي تحدثوا عنها، وأن فريقاً تحريرياً اطلع على المواد الخام في إطار التعاون مع «الغارديان».

وحين سأله دروكر عن عدم منح هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر ومعاناة الرهائن الإسرائيليين مساحة أكبر، أجاب أبراهام بأن الفيلم يتناول ذلك، لكنه أعاد السؤال إلى الإعلام الإسرائيلي: لماذا لم تنتج البرامج الاستقصائية الإسرائيلية طوال سنوات الحرب تحقيقات معمقة حول قواعد الاشتباك وسياسات الأضرار الجانبية والخسائر في صفوف المدنيين الفلسطينيين؟

ليس نقاشاً واحداً

عند وضع كل هذه القراءات جنباً إلى جنب، يبدو واضحاً أن معركة «نازا» تدور على مستويات عدة في وقت واحد.

هناك أولاً معركة الوقائع: ما قواعد الاستهداف التي استُخدمت في غزة؟ وما عدد المدنيين الذي كان يمكن اعتباره مقبولاً؟ وهل الوقائع التي يرويها الشهود حالات استثنائية أم جزء من سياسة أوسع؟

ثم تأتي معركة الإثبات. فالاعتماد على مصادر مجهولة قد يكون ضرورياً لحمايتها، لكنه لا يلغي الحاجة إلى اختبار المعلومات ومقارنتها بمصادر أخرى. وهذا هو اعتراض غليكسبرغ، وتحفظ دان بيري، وجزء من انتقاد هرئيل.

وهناك بعد ثالث يتعلق بالتوصيف. عاموس هرئيل يقول إن جرائم حرب ارتُكبت لكنه لا يجد ما يعرفه كافياً لإثبات إبادة جماعية ممنهجة. أبراهام وزور وجدعون ليفي يتبنون توصيف الإبادة. وهذه مسألة قانونية وسياسية وأخلاقية لا يحسمها فيلم واحد ولا رد فعل حكومة عليه.

ويضيف دان بيري بعداً رابعاً هو الصدقية: إذا كانت الرواية التي يقدمها الفيلم خاطئة، فماذا قدمت المؤسسة الإسرائيلية بصورة شفافة لتفسير منظومة الاستهداف ودحضها؟

أما جدعون ليفي فيذهب إلى مكان آخر تماماً. بالنسبة إليه، هذه الأسئلة كلها مهمة، لكن أهم ما فعله الفيلم هو أنه كسر حاجز الإنكار وأجبر المجتمع الإسرائيلي على مناقشة غزة نفسها.

وهنا ربما تكمن القوة الحقيقية لـ«نازا».

(*) تمت الإستعانة بالذكاء الإصطناعي لترجمة النصوص التي تتناول الفيلم.

 

Print Friendly, PDF & Email
180

Download Premium WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
online free course
إقرأ على موقع 180  خطة ترامب الغزّاوية.. كيف قرأها الإعلام العبري؟