“ميدل إيست آي” عن خلاصات حروب ترامب: أفول فكرة “المنقذ الأميركي”!

18018020/09/2026
يمكن للحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران أن لا تكون مجرد مجرد صراع مدمر في سجل الشرق الأوسط بل تحويلها إلى فرصة أو نقطة تحول، لكن شيئاً من هذا لن يحدث من تلقاء نفسه، إلا إذا أدرك قادة المنطقة أن بلدانهم نفسها هي مفتاح المستقبل، "بدلاً من مواصلة التعويل على مكالمات هاتفية مع منقذ أميركي وهمي"، كما يخلص الكاتب تريتا بارسي، نائب الرئيس التنفيذي في معهد "كوينسي"، في مقالة له في موقع "ميدل إيست آي".  

مرة أخرى، وضع ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، ثقته بالرئيس الأميركي، دونالد ترامب، للدفاع عن السعودية. ومرة أخرى، خذله ترامب.

في الأسبوع الماضي، وبينما كانت قوات جماعة أنصار الله (الحوثيون) تكتسح ساحل البحر الأحمر في اليمن، وتسيطر على مواقع استراتيجية عدّة تمنحها القدرة على الإشراف المباشر على مضيق باب المندب وجزيرة ميون، أجرى محمد بن سلمان اتصالين بترامب، وحثّه على شنّ ضربات أميركية مضادة. لكن ترامب رفض، واكتفى بعرض تقديم معلومات استخباراتية والمساعدة في تحديد الأهداف.

ولا أحد يستطيع أن يعلم، أو حتى يفهم، لماذا توقع بن سلمان أن يكون رد ترامب هذه المرة بالموافقة.. فقد سبق له كان في مثل هذا الموقف من قبل.

فبعد الهجمات التي استهدفت منشأتي نفط سعوديتين في بقيق وخريص، في أيلول/سبتمبر 2019، تعرض ترامب لضغوط للرد عسكرياً على طهران. لكنه رفض، وقال للصحفيين صراحة إنه لم يتعهد قطّ بحماية السعودية.

بعد سبع سنوات من تلك الهجمات، لا يزال الافتراض نفسه قائماً في الرياض وفي مختلف دول مجلس التعاون الخليجي: عندما يتعرض أمنها لتهديد خطير، ستتدخل واشنطن لإنقاذها. لكن هذا لن يحدث.

والمشكلة لا تكمن في أن هذا الافتراض خاطئ فحسب؛ بل في التصرف كأن منظومة الأمن الأميركية في الشرق الأوسط ما تزال قائمة وقوية. فالحقيقية تقول إن هذه المنظومة قد انهارت وانتهت. والاستمرار في التظاهر بغير ذلك بات يشكل خطراً على أمن المنطقة.

لقد كشفت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران أن هذه المنظومة ليست موثوقة ولا فعّالة. فقد كان يُفترض أن تكون القواعد العسكرية الأميركية المنتشرة في دول مجلس التعاون الخليجي أن تردع إيران من شّن هجمات تطال مواقع في هذه الدول.

لكن ما حدث كان العكس؛ إذ أن الولايات المتحدة هي التي أشعلت فتيل هذه الحرب، رغم اعتراض العديد من دول المجلس- التي لم تُستشر من الأصل- وأثبتت أن قواعدها العسكرية مصدرٌ لانعدام الأمن بدلاً من أن تكون مصدراً له. بل إنها تحولت إلى “مغناطيس” يستقطب الهجمات الإيرانية. واليوم، يقرّ المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، ديفيد بترايوس، بأن هذه القواعد “لم تعد قابلة للاستمرار” نتيجة الأضرار الهائلة التي ألحقتها بها إيران. فالولايات المتحدة لم تتمكن من حماية قواعدها من الهجمات الإيرانية، وبالتالي لا يمكنها أن توفر الحماية لدول مجلس التعاون الخليجي.

نحو نظام إقليمي جديد

صحيح أن المظلة الأمنية الأميركية وفّرت قدراً من الأمن للمنطقة لسنوات، لكن النظام الذي قامت عليه هذه المظلة- وهو نظام تمحور حول استبعاد إيران واحتوائها- مهّد الطريق للحرب الكارثية التي نشهدها اليوم. كما أن تشكيل التكتلات الإقليمية التي أفرزها هذا النظام ورسّخه تحول إلى مصدر لعدم الاستقرار، بدلاً من أن يكون درعاً واقياً لشركاء واشنطن في الإقليم.

لكن كل أزمة تحمل معها فرصاً أيضاً. وانهيار النظام القديم يتيح فرصة لبناء نظام جديد في المنطقة؛ نظامٌ يقوم على الأمن الشامل والجماعي، ويرفض منطق التكتلات والمحاور، ويضع مسؤولية الأمن على عاتق القوى الإقليمية نفسها، بدلاً من أن يعتمد على قوى خارجية لتوفير ضماناته.

يجب على قادة المنطقة- قبل غيرهم- تبني نموذج جديد بشكل عاجل، يتحملون فيه المسؤولية الرئيسية عن الأمن في الشرق الأوسط

ويعني ذلك الانتقال بعيداً عن نظام تسعى فيه الولايات المتحدة إلى تنظيم نصف المنطقة ضدَّ نصفها الآخر، وترسيخ نظام تعمل فيه دول المنطقة على تطوير مؤسسات قادرة على إدارة خلافاتها وتنافساتها. لأنه لا يمكن استبعاد إيران بشكل دائم. كما لا يمكن لدول مجلس التعاون الخليجي أن تبقى معتمدة على واشنطن بشكل دائم. وفي الوقت نفسه، يجب أن يكون لإسرائيل فرصة الانضمام إلى النظام الأمني الإقليمي في المنطقة إذا أنهت احتلالها غير الشرعي لفلسطين.

كذلك لا يمكن التعامل مع تركيا وباكستان والعراق باعتبارها أطرافاً هامشية في المعادلة الإقليمية، كما لا يمكن مطالبة الدول الأصغر بأن تزدهر أو حتى تضمن بقاءها من خلال الاصطفاف مع الراعي الخارجي المناسب.

تقوم الفرضية الأساسية للنموذج الذي طوَّره مشروع النظام الأفضل التابع لمعهد “كوينسي” على استبدال نظام الردع والتحالفات والتدخل الخارجي الفاشل في المنطقة ببنية أمنية إقليمية شاملة. وفي إطار هذا النموذج، ستشارك جميع الدول الرئيسية في المنطقة- بما فيها إيران وتركيا والعراق وسائر الدول العربية- في مؤسسة دائمة مخصصة لإدارة التنافسات التي لا مفر منها بينها، وليس للقضاء عليها. وستعمل هذه المؤسسة على إنشاء آليات للتواصل خلال الأزمات ومنع الاحتكاك والتصعيد، وآليات للوقاية من النزاعات والوساطة، إضافة إلى ترتيبات للحدّ من التسلح وإجراءات لبناء الثقة. كما ستتيح التعاون في مواجهة التحديات المشتركة، مثل قضايا شحّ المياه وتغير المناخ والتنمية الاقتصادية.

إقرأ على موقع 180  حرب أمريكية باردة مع الصين لا يمكن تجنبها

وأيضاً في إطار هذا النموذج، ستتولى دول المنطقة المسؤولية الأساسية عن أمنها الإقليمي، بينما ستظل الولايات المتحدة شريكاً خارجياً مهماً، يقدم الدعم الدبلوماسي والاقتصادي، وكذلك الدعم الأمني في الحالات التي يتم الاتفاق عليها بصورة جماعية، من دون أن تكون واشنطن الضامن العسكري الدائم لأمن المنطقة.

حافز قوي

والأهم من ذلك أن هذا الهيكل الأمني لن يتعامل مع الوضع في الخليج باعتباره قضية منفصلة عن الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي. فإقامة ترتيبات أمنية جديدة في الخليج مع إبقاء الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني من دون حل لن تؤدي في نهاية المطاف إلا إلى إعادة إنتاج مصدر آخر من مصادر عدم الاستقرار في المنطقة.

ولذلك، فإن النموذج المثالي سيقضي بأن يظلّ الباب مفتوحاً دائماً أمام إسرائيل للانضمام إلى هذا النظام الإقليمي، لكن ثمن الانضمام سيكون إقامة دولة فلسطينية مستقلة على أساس حدود عام 1967.

وقد يشكل ذلك أقوى حافز حتى الآن لإسرائيل للتخلي عن احتلالها للأراضي الفلسطينية، الذي يصفه هذا الطرح بأنه عبثي وغير قانوني.

وعلى خلاف مبادرة السلام العربية (بيروت 2002) التي عرضت الاعتراف بإسرائيل مقابل الاعتراف بدولة فلسطين المستقلة (وحق العودة)، أو “اتفاقيات أبراهام” التي تقوم على التطبيع مقابل التطبيع، فإن مقترح “النظام الأفضل” يعرض على إسرائيل الاندماج في الهيكل الأمني للمنطقة، شريطة احترام حقوق الفلسطينيين في تقرير المصير وإقامة دولتهم.

قد تكون الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران صراعاً مدمراً آخر في الشرق الأوسط لا يخلف سوى سلسلة من المعاناة والدمار، أو قد تصبح نقطة تحول تضع المنطقة على مسار أكثر سلاماً واستقراراً

وسيكون ذلك أيضاً مكسباً للولايات المتحدة، التي يطالب قسم كبير من شعبها؛ منذ فترة طويلة؛ بسحب القوات الأميركية من الشرق الأوسط، وبتوجيه الموارد الأميركية إلى الداخل بدل هدرها في الخارج.

ويمكن للولايات المتحدة أن تظلَّ منخرطة بقوة في المنطقة- دبلوماسياً واقتصادياً واستراتيجياً- مع خفض العبء العسكري الذي تحملته لعقود بصورة كبيرة.

أما دول المنطقة، فستتحمل مسؤولية أكبر عن أمنها، لكنها ستفعل ذلك بصورة جماعية، بدلاً من الدخول في سباق تسلح أو الانخراط في محاور وكتل متنافسة.

وبالنظر إلى حالة الشرق الأوسط الراهنة، قد تبدو هذه الأفكار ساذجة أو مثالية أكثر مما ينبغي. لكن تاريخ البشرية يُظهر أن بعض أكثر الرؤى طموحاً للأمن والاستقرار خرجت من رماد أكثر فصولها ظلمة.

فقد وُلد الاتحاد الأوروبي من بين أنقاض الحرب العالمية الثانية، وحوّل التنافس الفرنسي-الألماني الذي استمر قروناً إلى أساس لمشروع أوروبي مشترك.

كما ظهرت “عملية هلسنكي” في ذروة الحرب الباردة، في وقت كانت فيه أوروبا منقسمة بين خصوم يمتلكون أسلحة نووية، ومع ذلك أسهمت تلك العملية في وضع قواعد وإنشاء مؤسسات لإدارة ذلك التنافس.

ويمكن للحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران أن تكون مجرد صراع مدمر آخر في الشرق الأوسط لا يخلّف وراءه سوى المعاناة والدمار، أو يمكن تحويلها إلى نقطة تحول تضع المنطقة على مسار أكثر سلاماً واستقراراً.

لكن شيئاً من هذا لن يحدث من تلقاء نفسه.

لن يحدث إلا إذا أدرك قادة المنطقة- قبل غيرهم- أن بلدانهم نفسها هي مفتاح المستقبل، بدلاً من مواصلة التعويل على مكالمات هاتفية مع منقذ أميركي وهمي.

– ترجمة بتصرف عن “ميدل إيست آي“.

(*) تريتا بارسي، نائب الرئيس التنفيذي في معهد “كوينسي”، ومؤلف كتاب “خسارة عدو: أوباما، إيران، وانتصار الدبلوماسية”.

Print Friendly, PDF & Email
180

Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  كتاب بيرغمان: أدرك "الموساد" خطورة عرفات.. متأخراً (19)