المحور السني.. “عدوُ جديدٌ” لإسرائيل

18018029/09/2026
نشر المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار) تقريراً أعده الزميل وليد حبّاس عرض فيه للفكرة التي يحاول رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو البناء عليها سياسياً منذ سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، ومفادها أن "عدواً سنياً" ينشأ في الإقليم سيشكل أكبر تهديد للدولة العبرية.. وهذا هو نص المقال:

“وقف نتنياهو في 24 أيلول/سبتمبر 2026 أمام قاعة شبه فارغة في الجمعية العامة للأمم المتحدة، بعد أن غادرت العشرات من الوفود، بينها تركيا وسوريا ومصر والسعودية والأردن وقطر. ومن هذه القاعة أعلن نتنياهو، وبشكل غير مباشر، عن “جبهة ثامنة” تخوضها إسرائيل، واتهم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بأنه يسعى الآن إلى الاستيلاء على سوريا، بينما تعمل قطر على التضليل ورعاية الإرهاب في المنطقة. وقد حول نتنياهو العزلة المتوقعة التي صنعتها حرب إسرائيل على غزة، إلى “دليل” على عدو يتشكّل.

في صناعة إسرائيل للعدو الجديد

بنى نتنياهو “المحور السني” كعدو على مدى أكثر من عام. في خطاب أمام الكنيست في أواخر 2025، حذّر من تهديدات ناشئة، وربطت التقارير كلامه بتوسّع نفوذ تركيا وقطر بعد إضعاف إيران في حرب حزيران 2025. وفي شباط/فبراير 2026 أعلن أمام حكومته أنه يسعى إلى بناء محور دول يواجه “المحور الشيعي الراديكالي” و”المحور السني الراديكالي الناشئ”. وكان قد حدّد في مناسبات سابقة جماعة “الإخوان المسلمين” عنصرًا قائدًا في هذا المحور.

في الشهر نفسه وصف نفتالي بينيت تركيا بأنها “إيران الجديدة”، وحذّر من “محور سني معادٍ مع باكستان النووية”، ودعا إلى سن قانون يعتبر قطر عدوًا.

ثم جاء التقارب الأمني بين تركيا والسعودية وباكستان، فقرأ فيه مراقبون إسرائيليون صعودًا فعليًّا للمحور السني. وفي آب/أغسطس 2026 قصفت إسرائيل قاعدة أبو الضهور في سوريا، وأعلن نتنياهو أنه لن يتسامح مع تموضع عسكري تركي يتحرك جنوبًا. عند تجميع هذه الأحداث، ووضعها على لوحة واحدة، يتضح أن إسرائيل اليمينية ماضية فعلًا في “صناعة” عدو جديد؛ قبل أن تقفل حتى ملفاتها مع عدوها التقليدي، أي “المحور الشيعي”.

 وتكشف تسمية العدو نفسها طريقة تفكير استعمارية ذات جذور استشراقية. تنظر إسرائيل إلى محيطها باعتباره خريطة ممزقة من الهويات الدينية والطائفية والإثنية تشمل “الشيعة”، و”السنة”، و”الدروز” و”الإخوان”، وتمحو من هذه الخريطة الدول والمجتمعات ومصالحها. ويؤدي هذا التقسيم دورين: الأول، أنه يسهّل شيطنة الجماعات، خصوصًا حين تحمل عقيدتها بعدًا وطنيًّا تصنّفه إسرائيل “جهاديًّا”. فلغة الجهاد والطائفة تتيح للعالم الغربي إمكان أن يتعامل مع هذه الجماعات ككيانات غير عقلانية، خارج منطق الدول التي يقبلها المجتمع الدولي ويفاوضها. والدور الثاني أنه يفتح لإسرائيل باب التدخل عبر سياسة “فرّق تسد” بحيث تقدّم نفسها حاميةً لأقلية في مواجهة أغلبية، كما فعلت مع الدروز في السويداء، ثم تعيد رسم الإقليم على خطوط الانقسام.

في ورقة منشورة في معهد القدس للاستراتيجيا والأمن، تم تعريف “المحور السني” الذي يقصده نتنياهو بأنه “حلقة النار” المحيطة بإسرائيل. هذا المفهوم، أي “حلقة النار”، يشير إلى الدول السنية التي يقصدها نتنياهو عبر لغة تستدعي على الفور وجود خطة دفاعية إسرائيلية، وبدون أن تسائل إسرائيل نفسها حول نوايا وأهداف وأجندات هذه الدول. فتحت مفهوم “حلقة النار”، هناك الوكلاء المسلحون، والجيوش والمال والدين وممرات التجارة؛ ويتم نزع أي اعتبارات عقلانية عن هذه الدول.

ومن نافل القول إنه عندما تتسع قدرة إسرائيل على الضرب في العمق في محيطها الشرق أوسطي، فإن دول المنطقة سوف تسعى أيضا إلى موازنة هذه القوة بتعظيم قدراتها، أو بناء تحالفات. يسمّي حقل دراسات العلاقات الدولية هذه الظاهرة بـ “المعضلة الأمنية” (security dilemma)، ولكن بالنسبة لإسرائيل هي ليست “معضلة” وإنما إشارة واضحة إلى تشكل “عدو” من دون أن تعود إسرائيل إلى الوراء لتنبش الأسباب والمقدمات التي آلت إلى تشكل المعضلة الأمنية.

في أكثر من تحليل إسرائيلي منشور، يتم استدعاء تجربة الحوثيين عندما تجاهلتهم إسرائيل حين كانوا قوة هامشية، ثم فوجئت بقدرتهم على تهديد الملاحة. هذا القياس تسحبه إسرائيل على التحالف الحالي بين من تسميهم بـ”المحور السني”، وترى فيه دليلًا على أنه في بداياته ولا بد من استباق صيرورة تعاظمه بتدخل مباشر.

يسمّي الخطاب الإسرائيلي حروبه “استباقية”، ولكن من دون أن يكون هناك دليل علمي رصين حول وجود تهديد وشيك أو معلن ضد إسرائيل. مثلا، قصفت إسرائيل المفاعل النووي العراقي في حزيران/يونيو 1981، واعتبرت ضربتها “ضربة استباقية” لمنع برنامج نووي. لكن الباحثة مالفريد براوت هيغهامر بيّنت، اعتمادًا على مصادر عراقية جديدة ومقابلات مع علماء عراقيين بعد العام 2003، أن البرنامج النووي العراقي عشية الضربة كان مشتتًا وبلا وجهة، وأن الضربة أطلقت برنامجًا سريًّا لإنتاج السلاح لم يكن قائمًا قبلها. أي أن هذه الضربة شكلت واقعًا جديدًا ما كان له أن يتشكل لولا التدخل “الاستباقي” الإسرائيلي. وحصل الأمر ذاته مع إيران. شنّت إسرائيل حرب حزيران/يونيو 2025 على إيران بذريعة اقتراب طهران من القنبلة النووية. وبعد هذه الجولة من الحرب، أقرّ البرلمان الإيراني قانونًا يعلّق التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ووقّعه الرئيس في تموز/يوليو 2025. والنتيجة المباشرة للحرب أن برنامجًا كانت الوكالة تراقبه أصبح برنامجًا أكثر غموضًا.

إقرأ على موقع 180  الكاظمي في حقل الألغام الأميركي ـ الإيراني

أما في سوريا، وبعد سقوط بشّار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، شنّت إسرائيل مئات الغارات على ما تبقى من قدرات الجيش السوري، وتوسّعت في المنطقة العازلة وجبل الشيخ. ولم تقدّم أي دليل على نية هجومية لدى السلطة الجديدة، التي أعلنت مرارًا أنها لا تسعى إلى مواجهة مع إسرائيل. وعندما وجدت دمشق، التي باتت بلا جيش، في تركيا حليفًا يساعدها على بناء دولتها، عادت إسرائيل لتقدّم الحضور التركي في سوريا تهديدًا يستدعي قصف مطار أبو الضهور”. (المصدر: موقع “مدار“)

Print Friendly, PDF & Email
180

Download Nulled WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
free online course
إقرأ على موقع 180  بايدن و"حل الدولتين".. تضميدُ جرح أم حلٌ مستدامٌ؟