تقييم “العلاقة المالية بين لبنان وسوريا”.. قراءة المركز العربي للأبحاث

أعاد التقارب اللبناني-السوري خلال عام 2026 فتح ملف العلاقة الاقتصادية والمالية بين البلدين، لكن من زاوية تختلف عن تلك التي حكمتها طوال الحقبة الممتدة منذ استقلال البلدين عن فرنسا في أربعينيات القرن الماضي وحتى تاريخ انهيار نظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024.

لم تعد المسألة مجرد استعادة التجارة أو تنظيم الحدود أو إحياء اتفاقات قديمة، بل تتصل بإرث مالي ومصرفي ثقيل تركته سنوات الاعتماد المتبادل والأزمات المتزامنة. ويخلص تقييم حالة «العلاقة المالية بين لبنان وسوريا: من التعاون السياسي والاقتصادي إلى حل أزمة المصارف والودائع« الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات – بيروت في 5 تشرين الأول/أكتوبر 2026، إلى أن إعادة بناء العلاقة المالية لن تكون ممكنة من دون معالجة هذا الإرث أولاً.

تكشف التجربة أن المال بين البلدين لم يكن يتحرك داخل حدود العلاقة الرسمية وحدها. فمنذ تبلور المسارين الاقتصاديين المختلفين بعد تفكك الاتحاد الجمركي السوري-اللبناني عام 1950، نشأت بين الاقتصادين علاقة تقوم على الاختلاف بقدر ما تقوم على التبادل. اتجهت سوريا تدريجياً نحو اقتصاد موجه تقوده الدولة، فيما تحول لبنان إلى اقتصاد أكثر انفتاحاً على التجارة والرساميل والأسواق الخارجية. وهكذا أصبحت بيروت، في مراحل مختلفة، قناة تصل الاقتصاد السوري بالعالم الخارجي.

لكن ما يبدو في الحسابات المصرفية كحركة ودائع وتحويلات كان في الواقع شبكة أوسع من العلاقات الاقتصادية والاجتماعية. فالتجار والشركات والأفراد لم يستخدموا المصارف اللبنانية فقط لحفظ الأموال، بل للوصول إلى أسواق وعملات وشبكات تجارية لم تكن متاحة بالسهولة نفسها من داخل سوريا. وبعد عام 2011، ومع العقوبات وتضييق قنوات التعامل المالي السوري مع الخارج، ازدادت أهمية هذه الوظيفة اللبنانية. لذلك لم تكن الأزمة المصرفية اللبنانية عام 2019 أزمة لبنانية خالصة؛ فقد انتقلت آثارها إلى سوريا عبر القنوات نفسها التي كانت قد صنعت الترابط بين الاقتصادين.

ترابط مكلف

المفارقة الأساسية أن شبكة الاعتماد المتبادل التي وفرت فرصاً اقتصادية في مرحلة معينة تحولت لاحقاً إلى قناة لنقل الخسائر. فقد أودعت مصارف سوريا جزءاً من أموالها لدى المصارف اللبنانية، في وقت كانت فيه البدائل الخارجية محدودة. وعندما انفجرت الأزمة اللبنانية، أصبحت تلك الأموال جزءاً من مشكلة مصرفية سورية أيضاً. وفي أيلول/سبتمبر 2025، ألزم مصرف سوريا المركزي المصارف التجارية بالإفصاح الكامل عن انكشافها على النظام المالي اللبناني وتكوين مؤونات لتغطية الخسائر. وبحسب تقديرات أوردها التقييم، تجاوز هذا الانكشاف 1.6 مليار دولار في تشرين الأول/أكتوبر 2025، أي ما يعادل نحو ثلث ودائع المصارف التجارية السورية.

الأرقام المتعلقة بالودائع السورية الخاصة في لبنان أكثر التباساً. فقد تراوحت التقديرات المتداولة بين نحو 3 مليارات دولار و60 ملياراً، لكن التقييم يشدد على أن غياب بيانات مصرفية منشورة تفصل الودائع بحسب جنسية أصحابها يجعل الأرقام الأعلى غير قابلة للتحقق. والأهم من الرقم نفسه هو التمييز بين الأموال السورية التي تدفقت إلى لبنان خلال سنوات الحرب السورية وبين الأموال التي بقيت عالقة فعلياً عند انفجار الأزمة المصرفية.

هذه النقطة مهمة لأنها تنقل النقاش من المبالغة في الأرقام إلى طبيعة العلاقة بين المال والمؤسسات. فالأموال لا تعود إلى أصحابها بمجرد تحسن العلاقات السياسية، كما أن فتح الحدود أو توقيع اتفاقات تجارية لا يعيد تلقائياً الثقة التي فقدتها المؤسسات المالية. المشكلة هنا ليست تقنية فحسب، بل تتعلق بمن يتحمل الخسارة، ومن يملك حق المطالبة، وكيف تُعرّف المسؤولية عندما تكون الأموال قد تحركت عبر مؤسسات وأسواق متداخلة.

سوريا تتغير

التحول الأهم في المشهد أن سوريا نفسها لم تعد مضطرة إلى الاعتماد على لبنان بالطريقة التي كانت عليها خلال سنوات العزلة. فقد خفّفت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي جانباً مهماً من العقوبات الاقتصادية خلال 2025، وبدأت دمشق مساراً لإعادة الاندماج في النظام المالي العالمي. وفي الوقت نفسه، تتوسع خيارات النقل والتجارة السورية، من تطوير مراكز لوجستية داخلية إلى إعادة تشغيل خطوط ومرافئ كانت معطلة. وهذا يعني أن الدور التاريخي للبنان بوصفه بوابة مالية لسوريا مرشح للتراجع.

لا يعني ذلك أن لبنان خرج من المعادلة. لكنه يعني أن طبيعة دوره يجب أن تتغير. فبدلاً من أن يكون منفذاً اضطرارياً للاقتصاد السوري إلى الخارج، يمكن أن يصبح شريكاً في خدمات أكثر تخصصاً: التمويل التجاري، التدريب المصرفي، الامتثال، إدارة المخاطر، أنظمة الدفع والعلاقات مع المصارف المراسلة. وقد ظهرت إشارة مبكرة إلى هذا الاتجاه مع اختبار أول عملية دفع دولية عبر شبكة Visa في سوريا بالتعاون مع فرنسبنك اللبناني في آب/أغسطس 2026.

لكن هذا الدور الجديد يواجه مشكلة واضحة: لا يستطيع لبنان أن يقدم نفسه بوصفه نموذجاً مصرفياً مستقراً فيما لم تُحل أزمته المصرفية الداخلية بعد. فالخبرة اللبنانية ما زالت موجودة، وكذلك المعرفة المتراكمة في التمويل التجاري والخدمات المصرفية الخارجية، لكن الثقة والحوكمة وحماية حقوق المودعين أصبحت جزءاً من قيمة هذه الخبرة، لا أمراً منفصلاً عنها.

إقرأ على موقع 180  رئاسة ماكرون الثانية "لن تكون مجرد نزهة"!

قواعد جديدة

لهذا تبدو إعادة بناء العلاقة المالية اختباراً متزامناً للبلدين. سوريا مطالبة بتحديد خسائر مصارفها المرتبطة بلبنان والإفصاح عنها وإعادة رسملة المؤسسات المتضررة، بينما يواجه لبنان سؤالاً أصعب يتعلق بكيفية التعامل مع الودائع السورية داخل أزمة أوسع تشمل المودعين اللبنانيين وغير اللبنانيين. ولا يمكن، وفق التقييم، فصل معالجة الأموال السورية عن الإطار العام لمعالجة أزمة الودائع في لبنان.

كما أن المنافسة المقبلة لن تكون لبنانية-سورية فقط. فإذا فتحت سوريا قطاعها المالي أمام استثمارات ومؤسسات أجنبية أكثر رسملة، ولا سيما المصارف الخليجية، فقد يجد القطاع المصرفي اللبناني نفسه أمام سوق مختلفة تماماً عن تلك التي عرفها قبل الحرب السورية والأزمة اللبنانية. وفي هذه الحالة لن تكون الروابط التاريخية كافية لضمان الحضور؛ بل ستصبح الكفاءة والامتثال والرسملة والثقة هي عناصر البقاء.

المغزى الأعمق للتقييم هو أن العلاقة المالية الجديدة لا يمكن أن تقوم على استعادة الماضي. فالمرحلة السابقة أنتجت ترابطاً كبيراً، لكنها أظهرت أيضاً أن الترابط من دون مؤسسات قادرة على توزيع المخاطر وحماية الحقوق يمكن أن يتحول إلى مصدر خسارة مشتركة. لذلك فإن المطلوب ليس إعادة المصارف اللبنانية إلى سوريا أو إعادة الأموال السورية إلى لبنان فحسب، بل بناء قواعد جديدة تجعل حركة المال نتيجة لعلاقة مؤسسية واضحة، لا بديلاً عنها.

ومن هنا، يصبح التقارب السياسي بين بيروت ودمشق بداية للمسار لا نهايته. فالمستقبل المالي للعلاقة سيتحدد بقدرة البلدين على تحويل الروابط القديمة من شبكات اعتماد ومخاطر إلى مؤسسات وقواعد ومصالح متبادلة. عندها فقط يمكن أن يصبح التعاون الاقتصادي جزءاً من إعادة بناء الثقة، بدلاً من أن يكون امتداداً لأزمة لم تُحل بعد.

Print Friendly, PDF & Email
سعيد عيسى

كاتب وباحث لبناني

Download Best WordPress Themes Free Download
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
free online course
إقرأ على موقع 180  "مواطنو الرايخ".. إعادة إحياء تجربة هتلر