من خطاب الكراهية إلى مخططات المجازر

يكشف الإعلان عن خلية إسرائيلية يُتهم أفرادها بالتخطيط لارتكاب مجازر بحق الفلسطينيين في الداخل والقدس والضفة الغربية، بقيادة محاضر رياضيات في جامعة بار إيلان الإسرائيلية، عن دلالات سياسية وأمنية واجتماعية خطيرة، تتجاوز المتهمين أنفسهم إلى أسئلة تتصل بالوعي الجمعي الإسرائيلي وبيئة التطرف المتنامية.

تكمن خطورة القضية، وفق ما ورد في لائحة الاتهام، في أن المخطط كان منظماً واستمر لأكثر من ثلاث سنوات، ولم يكن يستهدف القتل فحسب، بل قتل أعداد كبيرة من المدنيين بما يؤدي إلى نزوح الفلسطينيين وتهجيرهم قسراً من مناطقهم. وهذا يضع القضية في سياق يتصل بمفهومي النقل القسري للسكان والتطهير العرقي، لا باعتبارها مجرد حادثة جنائية أو اعتداء فردي.

كما تكشف القضية عن انتقال التطرف وخطاب الكراهية من مستوى الأفكار والتصريحات والاعتداءات الفردية إلى مستوى العمل المنظم ذي الأهداف السياسية الواضحة. والحديث عن محاولة إنشاء خلايا متعددة ومتزامنة يعزز خطورة القضية، ويشير إلى أنها، وفق الاتهامات الموجهة، لم تكن مجرد فعل معزول.

ويحمل وصول هذا النوع من التطرف إلى الوسط الأكاديمي دلالة إضافية، باعتبار أن الجامعات تؤثر في شرائح واسعة من الطلبة والمجتمع. ولا يعني اتهام محاضر في جامعة بار إيلان تورط الجامعة أو المؤسسات الأكاديمية الإسرائيلية، ولا يجوز تعميم الاتهام عليها، لكنه يكشف قدرة الأيديولوجيا المتطرفة على اختراق شرائح متعلمة ونخب أكاديمية، وعدم اقتصارها على فئات اجتماعية هامشية.

وتكتسب القضية أبعاداً أخرى في ظل وجود بيئة حاضنة للتطرف والكراهية، ولا سيما أن المتهم، بحسب ما نُشر عن القضية، حاول استقطاب شخصيات سياسية، من بينها موشيه فايغلين. وهذا يثير تساؤلات بشأن تعامل الجهات المختصة مع القضية خلال مراحل تطورها، وكذلك بشأن عدم إبلاغ فايغلين الجهات المختصة بعد رفضه المقترحات التي عُرضت عليه، ولا سيما أنه شخصية سياسية وسبق أن ترشح للكنيست.

ويتزامن الكشف عن الخلية مع تصاعد العنف ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية، وتنامي خطاب الكراهية تجاه الفلسطينيين في الداخل. ومن هنا، تفتح القضية نقاشاً أوسع حول ما يُسمى «الإرهاب اليهودي» والعنف السياسي في إسرائيل، ودور اليمين المتطرف، والحدود التي يمكن عندها أن يتحول الخطاب السياسي والديني من التعبير عن مواقف متشددة إلى التحريض والتعبئة لممارسة العنف.

ولو لم تُكشف الخلية، لكان من الممكن أن تكون التداعيات شديدة الخطورة على الضحايا المحتملين، فضلاً عن آثارها السياسية والاجتماعية. كما أن الحديث عن محاولة إنشاء 12 خلية يطرح سؤالاً أمنياً وسياسياً بشأن احتمال وجود خلايا أخرى لم تُكتشف بعد، من دون أن يكون ممكناً استنتاج وجودها من هذه القضية وحدها.

وكان من شأن عدم التعامل مع الملف، منذ مراحله الأولى، بالجدية التي تقتضيها قضية بهذا الحجم، أن يسمح بانتقال العنف من حوادث منفردة إلى موجة منسقة ومنظمة، وربما إلى أزمة سياسية واسعة وردود فعل فلسطينية وانفجار أكبر، بما يحمله ذلك من كلفة بشرية ومادية وسياسية واقتصادية، في ظل التداخل الجغرافي والديموغرافي بين الفلسطينيين في الضفة الغربية والداخل والإسرائيليين.

ومن هنا، تبدو ضرورة تحرك المؤسسات السياسية والأمنية الإسرائيلية، وكذلك الجهات الدولية المعنية، لقطع الطريق على أي خلايا أخرى محتملة، ومواجهة الفكر والخطاب التحريضي اللذين يمكن أن يوفرا بيئة للعنف المنظم. وتكتسب القضية حساسية إضافية لأنها تتعلق أيضاً بفلسطينيين داخل إسرائيل يحملون المواطنة الإسرائيلية، بما يثير أسئلة جدية حول الشعارات الإسرائيلية المتعلقة بالديمقراطية ودولة القانون وحقوق الإنسان.

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  إنّها مرحلة الانحطاط.. إنّه زمن المذلولين!
حسين الديك

كاتب وباحث أكاديمي فلسطيني

Download Best WordPress Themes Free Download
Premium WordPress Themes Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Best WordPress Themes Free Download
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  إنّها مرحلة الانحطاط.. إنّه زمن المذلولين!