تتوجّه هذه المشاريع إلى الفئات الأعلى دخلاً في البلاد. فسعر المتر المربع المعلَن فيها يعادل ما بين 110 و175 سنة من الدخل السنوي المتوسط للفرد، أي ما تبلغه أسعار الشقق في الأحياء الراقية في دمشق. وللمقارنة، يبلغ المعدل نحو 30 إلى 50 سنة في مصر، وست سنوات فقط للسكن الاجتماعي المدعوم، و50 إلى 75 سنة في لبنان، ونحو 11 سنة في الإمارات، وأربع إلى خمس سنوات في السعودية.
وبذلك، لا تلبّي هذه المشاريع الاحتياجات الضخمة لما بعد النزاع، ولا حاجات الفئات الأكثر هشاشة، ومنها العائدون من النزوح واللجوء، الذين يشكّلون الأغلبية العظمى من السكان ويرزحون أصلاً تحت وطأة غلاء المعيشة وقلّة الدخل. فهؤلاء يلجؤون إلى ترميم مساكنهم في أحياء المخالفات، وإلى تشييد مساكن جديدة فيها أيضاً، وهي أحياء كانت تمثّل 30 إلى 40% من المساكن في المدن الكبرى.
والمفارقة أن مشاريع السكن الاجتماعي وجمعيات السكن التعاوني، التي تُعدّ بعشرات الآلاف، متوقفة أو تسير ببطء شديد، وأن مشاريع شبه جاهزة منها لم تُسلَّم بعد، فيما فقد المكتتبون فيها قيمة اشتراكاتهم على مدى عقود بفعل انهيار أسعار الصرف.
غير أن التحدي الذي تطرحه هذه المشاريع «الفخمة» المتسارعة لا يقتصر على الأسعار، علماً أن السعر النهائي لا يُعلن دائماً عند الاكتتاب، بل يُثبَّت عند تخصيص المسكن أو استلامه. وهكذا، يبقى السعر رهناً بتضخم تكاليف البناء، كما حدث في مشاريع المؤسسة العامة للإسكان والجمعيات السكنية المتعثرة اليوم.
أولاً، هناك أصل الأرض. فكثيراً ما يغيب الوضوح عن الطريقة التي استحوذ بها المطوّر العقاري على الأرض، وعمّا إذا سُجّل هذا الاستحواذ باسمه، وهو شرط كي ينقل الملكية لاحقاً إلى مالكي الشقق عند الاستلام ويسجّلها في السجل العقاري («الطابو»).
وفي بعض الحالات، يُعلن أن المؤسسة العامة للإسكان هي التي قدّمت الأرض، من دون أن تبيّن العقود كيف استُملكت، ولأي غرض، وكيف قُدّرت قيمتها، وهل عُوِّض مالكوها القدامى تعويضاً عادلاً، كما تنص القوانين والإعلان الدستوري الصادر في آذار/مارس 2025. ولهذا نجد في بعض إعلانات المطوّرين العقاريين بنود «عدم مسؤولية» يتبرؤون فيها من الخلافات حول الملكية الأصلية للأرض.
وحين يُكشف أصل الأرض، يظهر النزاع مع أصحابها قبل الاستملاك. ففي حمص، تقول المحافظة إن أرض «بوليفارد النصر» ملك للدولة، بينما يقول أهالي القرابيص إنها بساتين استُملكت عام 1994 بقرار من مجلس الوزراء لإنشاء «حديقة الشعب»، أي مرفق عام، من دون تعويض مادي أو سكني. وهنا تبرز الإشكالية بين قوانين الاستملاك للمنفعة العامة وقوانين التنظيم العمراني الموروثة من جهة، والإعلان الدستوري من جهة أخرى، وهو ما أشار إليه كثير من الحقوقيين.
هكذا قد تُسلَّم أرض عامة إلى مطوّر خاص قبل حسم حقوق من استُملكت منهم. ولا يبدو واضحاً لماذا تشارك المؤسسة العامة للإسكان في مشاريع خاصة، بدلاً من أن تبيع الأرض بأسعار السوق، وتعوّض مالكيها القدامى تعويضاً عادلاً، وتحصل في المقابل على التمويل الضروري لها وللبلديات لاستكمال مشاريع السكن الاجتماعي وبنيتها التحتية المتعثرة، وهي المشاريع التي أُنشئت أصلاً، واستفادت من ميزة الاستملاك، من أجلها.
ثانياً، المكتتب هو المموّل. ففي مشروع «شام فيو» يدفع المكتتب عربوناً بين 3,000 و7,000 دولار، ثم 25% عند التخصيص، حين يكتمل 50% من أعمال البنية التحتية، ثم 25% عند الأساسات، و20% عند الهيكل، و10% عند الواجهات، و10% عند الإكساء، فتبلغ الدفعات 90% قبل عقد البيع النهائي.
ولا يستطيع المكتتب الحصول على قرض عقاري برهن لتمويل ذلك، بخلاف ما يجري في مصر، حيث تُدعم فائدة الرهن لمحدودي الدخل، وفي الإمارات والسعودية مع حسابات الضمان.
وهكذا، وبرغم الصمود الاستثنائي للمصارف السورية، العامة والخاصة، في وجه العقوبات وانهيار أسعار الصرف، انخفض الإقراض العقاري من 9% من مجمل ميزانياتها إلى أقل من 1% في 2024، مقابل 25 إلى 30% في تركيا والإمارات. ويشهد هذا الإقراض نهوضاً طفيفاً في الآونة الأخيرة، لكنه بالدولار وموجّه إلى المطوّرين، ويعيقه خصوصاً شح الودائع المصرفية مع انتشار اقتصاد الكاش وسياسات كبح السيولة من المصرف المركزي.
وهناك أيضاً المضاربات العقارية. إذ يلفت الانتباه التزاحم على الاكتتاب في هذه المشاريع الجديدة، حتى من فئات اجتماعية متوسطة. ويذكّرنا ذلك بأن 70% من الاكتتابات في الجمعيات السكنية كانت تُباع بعقود تُسجّل في المحاكم قبل التخصيص وعند الاستلام، أي أن الاكتتاب كان، في جوهره، وسيلة للمضاربة العقارية.
وما أبعد ذلك عن الوضع في مصر، حيث يُمنع بيع السكن الاجتماعي المدعوم وتأجيره لمدة خمس إلى سبع سنوات، بعقوبة تصل إلى الحبس سنة. لكن بعض المشاريع الجديدة تمنع البيع حتى دفع 60% من القيمة النهائية، ثم تجيزه بموافقتها ومقابل عمولة، أي أن المطوّر العقاري يحتكر السوق الثانوية، برغم إعلانه أن الوحدات «للسكن لا للتداول».
ثم هناك كبح الإيجار، وهو تحدٍّ كبير: ندرة المساكن المعروضة للإيجار، وارتفاع الأسعار ارتفاعاً كبيراً، حتى بلغت في بعض أحياء دمشق الفارهة مستويات العواصم الأوروبية.
فسوق الإيجار مقموع منذ زمن طويل في سوريا، حتى أن بعض التحليلات ترد ذلك إلى «ثقافة عامة» في البلاد تفضّل التملّك، ولو لم يُسجّل في «الطابو» الرسمي، على الاستئجار، بينما يردّه آخرون إلى قوانين التمديد الحكمي للإيجارات القديمة التي أُلغيت منذ عقود، بحيث أصبح الإيجار «شريعة المتعاقدين»، بخلاف مصر.
ومع ذلك، لا يُؤجّر في مدينة دمشق سوى 7% من المساكن، بحسب آخر المسوح، مقابل أكثر من 45% في بيروت و30% في القاهرة والرياض ودبي. وهذا برغم أن 10% من المساكن فارغة، وثلثها ينتظر منذ زمن أن يتم إكساؤه.
وهكذا، يتزامن الجنوح نحو المضاربة العقارية والانكفاء عن الإيجار مع غياب الرسوم على المساكن الشاغرة، وغياب ضريبة القيمة المضافة العقارية.
طبيعي أن تنشط المشاريع العقارية ذات القيمة المضافة الكبيرة في زمن الندرة، لكن بشرط الشفافية والحفاظ على الحقوق. أما بالنسبة إلى الأغلبية الأكثر هشاشة، فالفرصة لم تضع بعد، وليس الطريق مسدوداً، بل إن بدايته واضحة.
المعالجة ممكنة وكلفتها معروفة: ترميم المساكن المتضررة بقروض تمويل أصغر لا تحتاج إلى رهن عقاري، وإتمام مشاريع الجمعيات السكنية والمؤسسة العامة للإسكان شبه الجاهزة بتمويل جسري مقرون بمنع المضاربة، وإحياء الرهن العقاري عبر سجل عقاري موثوق ومصرف عقاري يستعيد دوره، وتحريك سوق الإيجار برسوم على الشاغر وحوافز للمؤجرين.
وفي مقدمة ذلك كله، تسوية حقوق أصحاب الأرض والحائزين قبل إطلاق المشاريع لا بعدها، وهي القاعدة التي تحوّل المشروع العقاري من مصدر نزاع إلى أساس للثقة. فإذا اقترنت حيوية القطاع الخاص اليوم بشفافية الأسعار، وحسابات الضمان، وحقوق مضمونة للسكان، أمكن أن تصير هذه الطفرة العقارية رافعة لإعادة إعمار تتسع للجميع، لا لمن يملك الدولار وحده.
