في ماهية الاسلام: معنى الفقيه والشريعة (1)

ما دفعني إلى كتابة هذه السلسلة من المقالات عن الإسلام هو كتاب قرأته مؤخراً لمفكر عربي ووجدت نفسي في مواجهة أخطاء تاريخية ومفاهيمية، معظمها ناتج عن مقاربة خاطئة للتاريخ الاسلامي وعدم إلمام بالفكر الديني الذي انتجه المسلمون عبر العصور.

الإصرار على تعريف الاسلام بحذافيره لا يقودنا بتاتاً لمعرفة المسلمين وكيف يتصرفوا مع الاسلام. الأحرى أن ندرس فهم المسلمين للاسلام، إذ عبر ذلك نكتشف الثروة الفكرية التي أنتجوها والتي أدّت إلى نشوء مفاهيم ومعتقدات واتجاهات مختلفة ساعدتهم بالدرجة الأولى على جعل الاسلام يحل مشاكلهم، وهو ما صنع عملياً الحضارة الاسلامية. لذلك، من الضروري أن نتوقف عن الحديث عن إسلام واحد ونبدأ بالحديث عن إسلامات، إذ لم يتّفق المسلمون في تاريخهم على أي شيء، حتّى الإيمان بالله اختلفوا في معناه ومتطلباته. في هذا البحث، سأتناول موضوع الفقيه وكيف ينظر إلى الشريعة ويتعاطى معها.

***

يقول الشيخ صبحي الصالح في كتابه “معالم الشريعة الاسلامية”:

هذه الشريعة المعصومة أزلاً، المتجدّدة أبداً، التي استشف روحها الإمام السلفي المجدّد ابن قيّم الجوزيّة حين كتب يقول: “الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد. وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها”.

صبحي الصالح من أهم علماء الفقه الاسلامي في العصر الحديث. إغتيل في بيروت في خريف العام 1986. كلامه عن الشريعة الاسلامية كان محيّراً. كيف تكون الشريعة معصومة ومتجددة في الوقت نفسه؟ المعصوم لا يحتمل الخطأ، والتجديد يعني وجود خطأ أو ترهّل يتطلّب بديلاً أصلح منه. كذلك، إذا كانت الشريعة كلّها عدل وحكمة ومصالح ورحمة، فهي ليست بحاجة للتغيير، إذ أن ضرورة التغيير تفترض وجود ظلم أو إجحاف أو إساءة أو عدم ملاءمة. إمّا أن يكون خطاب صبحي الصالح مجرد سفسطة كلامية، أو أنّه كان يعني شيئاً آخر، أي أنّ الشريعة هدفها العدل والحكمة والخير. بكلام آخر، الشريعة كما يجب أن تكون لا كما هي. هذا تحديداً ما نقرأه في إهدائه للكتاب إلى ولده أسامة حيث يقول له صبحي الصالح: “في عيدك التاسع عشر لك مني خير هدية: “معالم الشريعة الاسلامية” مبرأة من التعقيد، مسايرة لروح العصر، متطلعة إلى غد أفضل، خليقة بالبقاء والخلود”. خلاصة قوله أن الشريعة كي تكون جديرة بالبقاء يجب عليها أن تتجدّد وتساير العصر. أن تسهّل الأمور لا أن تعقّدها.

بيت القصيد في هذا البحث أن الفقيه تعاطى مع الشريعة الإسلامية على أنّها غير قابلة للثبات. على العكس، هي بحاجة دائماً لأن يُبحث فيها وأن تُستقرأ ويعاد تفسيرها ويلغى بعضها

ولكن الشريعة ليست قادرة بذاتها على التجدد. هي بحاجة لمن يقوم بذلك نيابةً عنها. هو عمل قام به فقهاء المسلمين منذ العصور الأولى، وأدى إلى ظهور مذاهب متفرّقة كان هدفها الإجابة عن كثير من الاسئلة، وأهمها؛ على أي أسس تبنى الشريعة؟ وكيف يتم تجديدها؟

أجاب فقهاء المسلمين (سنة وشيعة) على هذه الاسئلة بطرق مختلفة. وحتّى عندما إتفقوا على جواب (مثلاّ: الشريعة يعرّفها القرآن أو السنة النبوية، إلخ)، اختلفوا في معنى تلك الاجابة. يقول الإمام الشافعي (ت. 820) مثلاً إنّ القرآن هو أصل الشريعة وأنّ السنة تفسّره ولكن لا يمكنها أن تنسخه (فهو يزعم أن القرآن لا يُنسخ إلاّ بالقرآن). ويعطي مثلاً عن ذلك “أنّ الله فرض الصلاة والزكاة والحج فبيّن رسول الله كيفية الصلاة وعددها ومواقيتها وسننها”. كلام الشافعي عن نسخ القرآن موارب للحقيقة. في موضوع الصلاة تحديداً، يقول القرآن “وأقِمِ الصلاةَ طَرَفَي النهار وَزُلَفاً من الليل” (سورة هود، آية 114). يحدّد القرآن كما نرى عدد الصلوات بثلاث ومواقيتها بطرفي النهار (الصباح والمساء) وفي الليل. ليس في القرآن أي ذكر للصلوات الخمس. هي مبنية على حديث نبوي، تحديداً قصة المعراج (والتي ليس لها ذكر واضح في القرآن). إذاً، عكس ما يزعمه الشافعي، فهو أباح للسنّة هنا (وفي كثير من الحالات) أن تنسخ القرآن. بكلام آخر، زعمه أنّ لا شيء ينسخ القرآن إلاّ القرآن غير صحيح، وفيه تجاهل للنصّ القرآني وفرض رأي على القرآن من خارج القرآن في ما يخصّ الشريعة وأحكامها.

استنبط فقهاء المسلمين حججاً كثيرة، لكي يفرضوا رأيهم على القرآن. مثلاً التأويل. في هذا الموضوع، يقول الشافعي إن القرآن يجب فهمه “على ظاهره حتّى تأتي دلالة منه أو سنّة أو إجماع بأنّه على دون ظاهر”. هنا بيت القصيد. القرآن لا يحدّد لنا أياً من آياته يجب أخذها على ظاهرها وأياً من آياته يجب تأويلها ليعرف معناها الحقيقي. هذا عمل يقوم به الفقيه. وفي ذلك يقول المفسّر الشافعي أبو إسحاق الثعلبي (ت. 1035):

التفسير: علم نزول الآية وشأنها وقصتها، والأسباب التي نزلت فيها. فهذا وأضرابه محظورة على الناس القول [فيها] إلا باستماع الأثر. فأما التأويل فالأمر فيه أسهل لأنه صرف الآية إلى معنى يحتمله، وليس بمحظور على العلماء استنباطه والقول فيه وإنما يكون مرآتنا الكتاب والسنة.

بمعنى آخر، من غير المسموح التلاعب بنصّ القرآن وأسباب نزوله (وهي أمور إختلف عليها المسلمون أيضاً). أما معنى آياته، فهو أمر مفتوح للفقهاء والمفسرين لتأويل وإستخلاص أحكام ليست بالضرورة منصوص عليها في القرآن أو حتّى في السنة النبوية. والكلام على ضرورة أخذ القرآن والسنة “كمرآة” هي تعابير فضفاضة من المستحيل معرفة ما إذا كانت مبنيّة على عقيدة وقناعات كلّ مذهب بمذهبه.

إقرأ على موقع 180  ميقاتي على سكة الإعتذار.. فرصة الحكومة في المجهول!

***

مفاهيم أخرى ساعدت الفقهاء في تعريف أحكام الشريعة وأطر تطبيقها. هناك مفهوم القياس، أي الأخذ بحكم معيّن وتطبيقه على حالة مقاربة له، وهو أمر يرفضه الحنابلة مثلاً. هناك الضرورة والمصلحة ومقاصد الشريعة، والتي يأخذ بها كثير من فقهاء المذاهب من أجل تغيير بعض أحكام الشريعة أو إرجاء تنفيذها. مثلاً، يقول الفقيه الحنبلي ابن قدامة (ت. 1223) إن أحمد بن حنبل حرّم دفع المال إلى العدو من أجل المهادنة، وهو رأي لم يقبله ابن قدامة، فاستخدم مفهوم الضرورة ليعارض حكم مؤسس مذهبه، وأضاف أنّ “بذل المال إن كان فيه صغار، فإنه يجوز تحمله لدفع صغار أعظم منه”.

خلاصة هذا البحث أن الفقيه في الإسلام تعاطى ويتعاطى مع الشريعة الإسلامية كما يصنع الخبّاز من العجين العديد من الأشكال والألوان والمذاقات. لذلك علينا أن نتذكر دائما أن الفقيه، كما أي مفكر آخر، سواء أكان متديناً أم لا، هو نتاج عصره ومرآة مجتمعه

هكذا نهج فقهاء الإسلام في الشريعة، وما زال هذا الأمر يطبّق إلى يومنا هذا. يقول العلامة التونسي محمد الطاهر بن عاشور (ت. 1973) في كتابه “مقاصد الشريعة الاسلامية” نقلاً عن الإمام أبي إسحاق الشاطبي (ت. 1388):

للشارع في شرع الأحكام مقاصد أصلية ومقاصد تابعة. فمنها منصوص عليه، ومنها مشار إليه، ومنها ما استقرىء من المنصوص. فاستدللنا بذلك على أن كل ما لم ينص عليه مما ذلك شأنه هو مقصود للشارع.

بعبارة أخرى، يمكن للفقيه معرفة مقصد الله والتشريع بالنيابة عنه، طالما هناك نصّ يمكن للفقيه أن يستقرئه. وما يقوله الفقيه هو ما يريده الله، حتّى إذا لم يكن هناك من نصّ واضح يثبت ذلك.

بيت القصيد في هذا البحث أن الفقيه تعاطى مع الشريعة الإسلامية على أنّها غير قابلة للثبات. على العكس، هي بحاجة دائماً لأن يُبحث فيها وأن تُستقرأ ويعاد تفسيرها ويلغى بعضها، الخ. لذلك، عندما قام العباسيون في أواسط القرن التاسع بتحديد ستّة مذاهب – الحنفية والشافعية والمالكية والحنبلية والظاهرية والاثناعشرية – كان هذا اعتراف وتسليم سياسي وعقائدي أنّه من المستحيل تعريف شريعة واحدة لكلّ المسلمين. كان هدف هذا الإجراء تنظيم الاختلافات بين الفقهاء من أجل تسيير أمور الدولة والمجتمع.

إذاّ، عندما نقول شريعة، المقصود بذلك شرائع مختلفة. المفرد غير موجود في الواقع. حتّى في داخل المذهب الواحد هناك اتّجاهات وخلافات جذرية بين الفقهاء. الشافعيّة الأشعرية مثلاً منقسمون حول موضوع أصول الدين بين من يقول بضرورة حصرها بالقرآن والسنة وبين أولئك الذين يصرّون على أنّه من المستحيل فهم الشريعة وتعريف أحكامها من دون العقل (أمثال الغزالي وفخر الدين الرازي). كذلك الأمر عند الشيعة الاثني عشريةّ، فهناك انقسام بين الأصوليين، الذين يصرّون على ضرورة الأخذ بالرأي والعقل، وبين التقليديين الذي يحصرون الفقه بسنّة النبي وتراث الأئمّة الاثني عشرية.

***

مع دخول العصر الحديث وانبهار كثير من فقهاء المسلمين بتقدم أوروبا، أصبحوا مقتنعين أن تقدم المسلمين مرهون بتحديث الاسلام وجعله ملائماً لمتطلبات الحداثة. قام فقهاء وعلماء أمثال محمد عبده وسيد احمد خان ومحمد رشيد رضا للقول بضرورة تصحيح أو تنقيح الشريعة. بعضهم أصرّ على فصل العبادات (التي يقررها الله) عن المعاملات (التي يقررها المسلمون). آخرون قالوا بضرورة التلفيق (الكولاج)، والتي تعني التلاعب بالشريعة من أجل اختراع أحكام تلائم العصر. قاموا أيضاً بالبحث عن تعابير ومفاهيم اسلامية يمكن مطابقتها على تلك التي أرادوا استعارتها من أوروبا حتّى يتم “أسلمة” الحداثة؛ مثلاً، مفهوم الشورى كمطابق للديموقراطية.

الخطأ العظيم الذي اقترفه هؤلاء هو أنّهم، وفي معرض تبرير ما قاموا به، أشاعوا فكرة أن سبب تخلّف المسلمين كان التقليد. وأن ما يدعون إليه هو الاسلام الصحيح المبني على الاجتهاد. أساءوا فهم معنى التقليد والاجتهاد في الاسلام، وأشاعوا خرافة أن باب الاجتهاد أقفل منذ القرن التاسع (وهو موضوع سأتطرق إليه في مقال لاحق). والأسوأ من ذلك أنّهم أشاعوا الكره للحضارة الاسلامية التي شهدت قيام المسلمين عبر العصور بتفسير الاسلام وتحويله إلى آليات مكّنتهم من تحقيق ما حلموا به وما أرادوه هم من الاسلام (وهذا أمر ليس بحكر على المسلمين، بل نجده في كل الأديان والعقائد على مرّ التاريخ).

***

خلاصة هذا البحث أن الفقيه في الإسلام تعاطى ويتعاطى مع الشريعة الإسلامية كما يصنع الخبّاز من العجين العديد من الأشكال والألوان والمذاقات. لذلك علينا أن نتذكر دائما أن الفقيه، كما أي مفكر آخر، سواء أكان متديناً أم لا، هو نتاج عصره ومرآة مجتمعه. ينطلق من مسلمات وقناعات، كما رأينا في كلام صبحي الصالح في بداية هذا البحث، تُحتم عليه فهم الدين على طريقته، حتّى عندما يزعم أنّه يقلّد من سبقه أو يتبع القرآن والسنة، فهي عبارات تردّد لغاية في نفس يعقوب. إذا قال لنا أن الشريعة تقول هكذا، يجب أن نسأله: لماذا تقول ما تقول؟

هذا هو الفقيه.

 

Print Friendly, PDF & Email
سليمان مراد

كاتب وأستاذ جامعي مقيم في الولايات المتحدة

Download Nulled WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
online free course
إقرأ على موقع 180  ميقاتي على سكة الإعتذار.. فرصة الحكومة في المجهول!