من البوسفور إلى الصين.. أردوغان يريد مفاتيح العالم!

تخوض تركيا معركة استراتيجية لتثبيت موقعها في النظام الدولي المتحوّل، حيث تتعاظم أهمية الممرات البحرية والبرية وطرق الطاقة وسلاسل الإمداد. ومن مضيقي البوسفور والدردنيل إلى القوقاز وآسيا الوسطى والعراق وإفريقيا، يسعى رجب طيب أردوغان إلى تحويل الموقع الجغرافي لبلاده إلى شبكة من المصالح الاقتصادية والنفوذ السياسي، بما يمنح أنقرة قدرة أكبر على المساومة في التوازنات الإقليمية والدولية.

غير أن الجغرافيا، مهما بلغت أهميتها، لا تكفي وحدها لصناعة القوة. فالدولة التي تقع عند تقاطع طرق التجارة قد تتحول إلى مركز اقتصادي مؤثر، وقد تبقى مجرد معبر تتحكم في شروط استخدامه قوى وأسواق أخرى. وبين هذين الاحتمالين يتحدد الرهان التركي: هل تستطيع أنقرة تحويل موقعها إلى نفوذ مستدام، أم أن طموحاتها ستصطدم بكلفة الانتشار وحدود القدرة الاقتصادية والسياسية؟

الجغرافيا في خدمة القوة

تبدأ أهمية تركيا الاستراتيجية من موقعها عند ملتقى أوروبا وآسيا، ومن سيطرتها الجغرافية على المضائق التي تصل البحر الأسود ببحر مرمرة والبحر المتوسط. لكن هذه السيطرة لا تعني امتلاك حرية مطلقة في تنظيم المرور، إذ تخضع المضائق لاتفاقية مونترو الموقعة عام 1936، التي تكفل حرية مرور السفن التجارية، وتفرض قيودًا محددة على عبور السفن الحربية، ولا سيما التابعة للدول غير المطلة على البحر الأسود.

وقد أعادت الحرب الروسية الأوكرانية إبراز أهمية هذه المعادلة. فتركيا، العضو في حلف شمال الأطلسي، وجدت نفسها في موقع يسمح لها بالتأثير في البيئة الأمنية للبحر الأسود، مع الحفاظ على قنوات التواصل مع موسكو وكييف. وتكشف هذه التجربة أن قيمة المضائق لا تنحصر في مرور السفن، بل تشمل القدرة على إدارة التوازن بين الالتزامات القانونية والمصالح الاستراتيجية.

وإلى جانب المضائق، تراهن أنقرة على «الممر الأوسط» الذي يربط الصين وآسيا الوسطى بأوروبا، مرورًا ببحر قزوين وأذربيجان وجورجيا وتركيا. وتنبع أهمية هذا المشروع من سعي الدول والشركات إلى تنويع طرق التجارة وتقليل الاعتماد على مسارات محددة، ولا سيما مع تصاعد التوترات الدولية واضطراب سلاسل الإمداد.

وتسعى تركيا إلى تقديم نفسها حلقة أساسية في هذا الاتصال التجاري، مستندة إلى شبكات السكك الحديدية والموانئ والطرق والخدمات اللوجستية. غير أن نجاح المشروع يتطلب تنسيقًا بين دول متعددة، واستثمارات كبيرة في البنية التحتية، وتطويرًا للإجراءات الجمركية وقدرات للنقل عبر بحر قزوين.

فمرور الممر بالأراضي التركية يمنح أنقرة فرصة اقتصادية وسياسية، لكنه لا يعطيها سلطة منفردة على مسار يعتمد على استقرار دول أخرى، وكفاءة موانئها، وقدرتها على جذب حركة تجارية منتظمة.

من دولة عبور إلى مركز اقتصادي

يشكل «طريق التنمية» العراقي امتدادًا آخر للرهان التركي على جغرافيا العبور. ويهدف المشروع إلى ربط ميناء الفاو الكبير بشبكة من السكك الحديدية والطرق تمتد عبر العراق إلى الحدود التركية، ومنها إلى الأسواق الأوروبية. وقد وقّعت تركيا والعراق وقطر والإمارات مذكرة تفاهم للتعاون بشأن المشروع في نيسان/أبريل 2024.

وتكمن أهميته المحتملة في توفير مسار إضافي لنقل البضائع بين الخليج وأوروبا، وفتح مجالات للاستثمار في النقل والصناعة والخدمات. لكنه يواجه تحديات تتعلق بالتمويل، واستكمال البنية التحتية، وأمن المسار، والخلافات السياسية والإدارية داخل العراق.

وهنا يظهر الفارق بين الإعلان عن ممر استراتيجي وتحويله إلى طريق تجاري فعّال. فنجاح المشروع لا يُقاس بالاتفاقيات الموقعة وحدها، بل بحجم البضائع التي ينقلها، وكلفة استخدامها للمسار، وقدرته على المنافسة، واستقرار البيئة السياسية والأمنية التي يمر بها.

ويتكرر الرهان نفسه في مجال الطاقة. فتركيا تستفيد من موقعها بين الدول المنتجة للنفط والغاز والأسواق الأوروبية المستهلكة، ومن شبكة خطوط الأنابيب ومنشآت الاستقبال والتخزين والتوزيع التي تعبر أراضيها أو تتصل بها.

لكن تحويل تركيا إلى مركز إقليمي لتجارة الطاقة يتطلب أكثر من مرور الأنابيب. فدولة العبور تحصل على رسوم ومزايا استراتيجية، بينما يحتاج مركز تجارة الطاقة إلى إمدادات متنوعة ومستقرة، وأسواق تنافسية، وآليات تسعير وتعاقد، وثقة المستثمرين والمستهلكين.

وتزداد أهمية هذا التمييز مع التنافس على موارد شرق المتوسط والخلافات البحرية بين تركيا واليونان وقبرص، والتعاون القائم بين عدد من دول المنطقة في مجال الغاز. فالموقع الجغرافي يفتح باب المنافسة، لكنه لا يحسم نتائجها، خصوصًا عندما تتداخل المطالب السياسية مع قواعد القانون البحري ومصالح الشركاء الدوليين.. والأهم معرفة ماذا تريد أميركا لتركيا وماذا تريد لمنافسيها كما هو الحال مع قبرص واليونان وإسرائيل (الممر الهندي).

طموح الدولة وحسابات الحكم

لا يمكن فصل هذا التوجه عن التحولات التي شهدتها تركيا خلال حكم حزب العدالة والتنمية بزعامة رجب طيب أردوغان. فقد ارتبط صعود الحزب بتوسع شرائح اقتصادية محافظة، وبخطاب يجمع النمو والتنمية واستعادة المكانة الإقليمية، فيما تفاعلت المرجعية الإسلامية مع القومية التركية ومصالح قطاعات الأعمال والمؤسسات الأمنية.

وأتاح هذا التفاعل توسيع أدوات السياسة الخارجية، من التجارة والاستثمار والدبلوماسية إلى الاتفاقيات الأمنية والتدخلات العسكرية. كما عزّز النظام الرئاسي مركزية القرار، وربط صورة الدولة القوية بمكانة القيادة في الداخل.

غير أن اختزال سياسة الممرات في شخصية أردوغان يغفل مصالح تركية أقدم وأوسع. فالمضائق والبحر الأسود والقوقاز والتجارة مع أوروبا وأمن الطاقة تمثل عناصر مستمرة في حسابات الدولة التركية، وإن اختلفت وسائل إدارتها من مرحلة إلى أخرى.

إقرأ على موقع 180  السعودية وإيران.. خيارات المواجهة والتقارب

ومن هنا، يمكن فهم ما يُسمى «العثمانية الجديدة» بوصفه أحد الأطر المستخدمة لتفسير الخطاب والرمزية السياسية، بينما يوفر مفهوم «الاستقلال الاستراتيجي» مدخلًا أكثر اتصالًا بالممارسة الفعلية.

فالهدف التركي يتمثل في توسيع الخيارات وتنويع الشراكات ورفع القدرة على المساومة، من دون القطيعة مع الغرب أو التخلي عن العلاقات الاقتصادية والأمنية التي تربط أنقرة بالولايات المتحدة وأوروبا.

وتكشف هذه السياسة عن مفارقة أساسية: تسعى تركيا إلى توسيع استقلالية قرارها، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى الأسواق الغربية والتكنولوجيا والاستثمار الخارجي، وإلى إدارة علاقات مع روسيا والصين وقوى إقليمية تتباين مصالحها.

وهكذا تصبح إدارة التوازنات جزءًا من المشروع التركي، كما تصبح الاعتمادات الاقتصادية والأمنية قيدًا على حرية الحركة التي يسعى المشروع نفسه إلى تعزيزها.

هل حان وقت الحصاد؟

بعد سنوات من توسيع الحضور التركي خارجيًا، يتقدم سؤال العائد: ما الذي تستطيع أنقرة تحويله إلى مكاسب مستقرة، وما الموارد اللازمة لحمايتها؟

يمكن قياس الحصاد عبر ثلاثة اختبارات مترابطة: العائد الاقتصادي للممرات، واستدامة الشراكات التي تقوم عليها، وقدرة تركيا على توظيف موقعها لتقليل المخاطر وتعزيز نفوذها السياسي.

فالاستثمار في الموانئ والسكك الحديدية والطرق وخطوط الطاقة يحتاج إلى رؤوس أموال كبيرة وأطر تنظيمية مستقرة. كما أن البنية التحتية العابرة للحدود لا تعمل بقرار دولة واحدة، بل تتطلب تعاونًا مستمرًا بين الحكومات والمؤسسات والشركات والأسواق.

وتواجه أنقرة أيضًا اختبارًا داخليًا يتعلق بقدرتها على تمويل طموحاتها الخارجية في ظل الضغوط الاقتصادية وحاجات المجتمع ومقتضيات الاستقرار المالي واحتمالات التغيير السياسي الداخلي. ويضاف إلى ذلك أثر المسألة الكردية في الأولويات الأمنية، ولا سيما حيث تتقاطع الحسابات الحدودية مع مشروعات النقل والطاقة.

أما الاختبار الخارجي، فيتصل بقدرة تركيا على الحفاظ على علاقات عملية مع قوى تتنافس فيما بينها. فالتقارب مع طرف قد يفتح فرصة تجارية أو أمنية، لكنه قد يزيد كلفة العلاقة مع طرف آخر. وكلما اتسعت شبكة المصالح التركية، ازدادت معها الحاجة إلى إدارة تناقضاتها.

والأهم أن النفوذ على الممرات ليس درجة واحدة. فثمة فارق بين الاستفادة من حركة العبور، والتأثير في أمن الممر، والقدرة على تنظيم المرور ضمن القواعد القانونية القائمة. وتمتلك تركيا أدوات متفاوتة في هذه المجالات، لكنها لا تستطيع تحويل جميع طرق التجارة المحيطة بها إلى مجال نفوذ تتحكم فيه منفردة.

بهذا المعنى، لا تتحدد «إمبراطورية الممرات» بعدد المشاريع المعلنة أو اتساع الخرائط التي تصل بينها، بل بقدرة تركيا على تحويل الجغرافيا إلى اقتصاد منتج، والموقع إلى شراكات مستدامة، والقوة إلى تسويات تعزز الاستقرار.

في الختام؛ تملك أنقرة مزايا جغرافية يصعب تجاوزها، لكن نجاح رهانها يبقى مشروطًا بقدرتها على إدارة كلفة النفوذ، وتأمين ثقة الشركاء، وتحويل طرق العبور إلى مصالح متبادلة. فالجغرافيا تمنح تركيا فرصة لتكون لاعبًا لا يمكن تجاهله، لكنها لا تضمن لها وحدها أن تصبح القوة التي ترسم قواعد اللعبة.

ولا ينحصر اختبار النفوذ التركي في الممرات العابرة لأراضي الأناضول؛ فالصومال يفتح لأنقرة نافذة على القرن الأفريقي وطرق الملاحة نحو البحر الأحمر، وليبيا تمنحها موطئ قدم في معادلات شرق المتوسط، فيما تمثل مصر، بموقعها على قناة السويس وتشابك مصالحها الإقليمية، طرفًا لا يمكن تجاوزه في هذه الحسابات. وهذه الساحات الثلاث، بما تنطوي عليه من تنافس وتقاطعات وفرص للشراكة (تحديداً مصر)، تستحق قراءة مستقلة في مقال لاحق يتناول حدود تمدد النفوذ التركي خارج جغرافيته المباشرة.

Print Friendly, PDF & Email
رشيد كركر

حقوقي وباحث سياسي، لبنان

Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  رحلة من القاهرة إلى جنوب السودان.. صُورٌ لا تُنسى