آيزنكوت.. تغيير القيادة لا العقيدة

لم يدخل غادي آيزنكوت السياسة الإسرائيلية بوصفه عسكريًا متقاعدًا يبحث عن موقع جديد، بل وصل إليها حاملًا سؤالًا أكبر حول شكل الدولة التي خرجت من سنوات طويلة من الاستقطاب. فبعد أكثر من أربعة عقود داخل المؤسسة العسكرية، انتقل رئيس الأركان السابق إلى الحياة السياسية في لحظة بدا فيها أن الصراع داخل إسرائيل لم يعد يدور فقط حول الأمن والحدود، بل حول علاقة القوة بالمؤسسات، والجيش بالسياسة، والدولة بشخص الحاكم.

تشكّلت شخصية آيزنكوت في المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، التي أمضى فيها معظم حياته المهنية قبل أن يتولى رئاسة هيئة الأركان بين عامَي 2015 و2019. خلال هذه المسيرة، مرّ عبر جبهات لبنان والضفة الغربية وقطاع غزة وسوريا، ووصل إلى قلب عملية صنع القرار العسكري. لذلك، فإن انتقاله إلى السياسة لم يكن انتقالًا من مجال إلى آخر بقدر ما كان انتقالًا من إدارة القوة إلى محاولة التأثير في الأهداف التي تُستخدم القوة من أجلها.

ارتبط اسمه في لبنان خصوصًا بما عُرف بـ«عقيدة الضاحية»، وهي مقاربة عسكرية تقوم على استخدام قوة واسعة ضد البيئة والبنية التي يعمل ضمنها “حزب الله”، بهدف خلق ردع طويل الأمد. كما كان من الضباط الذين أسهموا في تطوير مفاهيم أخرى، من بينها «المعركة بين الحروب»، التي تقوم على استخدام عمليات عسكرية محدودة ومتكررة لمنع الخصوم من تطوير قدراتهم من دون الانزلاق، نظريًا، إلى حرب شاملة. هذه الخلفية جعلته يمثل نموذجًا للجنرال الذي يؤمن بالقوة، لكنه يصرّ في الوقت نفسه على أن استخدامها يجب أن يرتبط بهدف سياسي قابل للتحقيق.

بهذا المعنى، لا يُقدّم آيزنكوت نفسه بديلًا يساريًا لليمين. هو يميني بامتياز تنطلق رؤيته من مفهوم الدولة الأمنية، لكنه يختلف مع الاتجاهات التي حوّلت الأمن إلى غاية مستقلة عن السياسة. ومن هذا المنطلق، أصبحت معارضته لبنيامين نتنياهو مرتبطة، بما يعتبره إخضاعًا لمصالح الدولة لمنطق البقاء السياسي.

دخل آيزنكوت الحياة الحزبية عام 2022 ضمن تحالف «معسكر الدولة»، مستفيدًا من رصيده العسكري وصورته بوصفه شخصية أقل انخراطًا في الاستقطاب السياسي التقليدي. وبعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، انضم إلى حكومة الطوارئ والمجلس المصغّر للحرب، في خطوة عكست ثقلًا خاصًا لشخصيته داخل المؤسسة الإسرائيلية. لكنه غادر لاحقًا بعد تصاعد خلافه مع نتنياهو حول إدارة الحرب وملف الأسرى وغياب تصور سياسي واضح لما بعدها.

منذ ذلك الوقت، راح يُقدّم نفسه بديلًا من سياسة الشخصنة والانقسام، ويركز على إعادة الاعتبار إلى مؤسسات الدولة والجيش والخدمة العامة. كما أن تجربته الشخصية، بعد مقتل ابنه في حرب غزة، منحته موقعًا مختلفًا في النقاش الداخلي؛ إذ بات انتقاده لإدارة الحرب صادرًا عن شخصية دفعت ثمنًا مباشرًا لها، وليس عن خصم سياسي يقف خارج المؤسسة العسكرية.

ومع تأسيسه حزب «يشار»، انتقل آيزنكوت من موقع الشريك السياسي إلى محاولة بناء مشروعه الخاص. يقوم هذا المشروع على استعادة فكرة الدولة باعتبارها المرجعية الأساسية في إدارة الأمن والمجتمع، مع خطاب يدعو إلى إعادة بناء الثقة بالمؤسسات. لكنه، في الوقت نفسه، لا يمثل تحولًا جذريًا في الموقف الإسرائيلي من الفلسطينيين؛ فهو يعارض الضم الكامل للضفة الغربية لما قد يفرضه من واقع ديموغرافي وسياسي، لكنه لا يتبنى قيام دولة فلسطينية مستقلة.

وتبرز في برنامجه مسألتان تتجاوزان الصراع الشخصي مع نتنياهو: إعادة تنظيم العلاقة بين السلطات، وتوسيع نطاق الخدمة العسكرية بما يقلّص التفاوت في توزيع الأعباء بين مكونات المجتمع الإسرائيلي. كما يدعو إلى تشكيل لجنة تحقيق رسمية في إخفاقات السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023. لكن هذه الدعوات تضعه أمام امتحان مزدوج: مدى قدرته على تحدي الامتيازات السياسية والاجتماعية القائمة، ومدى استعداده لمدّ المراجعة النقدية إلى المؤسسة العسكرية والعقيدة الأمنية اللتين تخرّج من صفوفهما.

وتكمن أهمية آيزنكوت في أنه يُعبّر عن اتجاه آخذ في الظهور داخل إسرائيل: يمين ووسط يبحثان عن بديل لنتنياهو من دون التخلي عن مركزية القوة. إنه لا يدعو إلى تفكيك العقيدة الأمنية الإسرائيلية، بل إلى إعادة تنظيمها. ولا يرفض استخدام القوة العسكرية، لكنه يرفض أن تصبح الحرب أداة مفتوحة من دون نهاية سياسية محددة.

غير أن المفارقة في تجربة آيزنكوت تكمن في أنه يسعى إلى تقديم بديل سياسي من داخل العقيدة الأمنية التي ساهم في ترسيخها، لا من خارجها. فهو لا يعترض على مركزية القوة في المشروع الإسرائيلي، بل على الطريقة التي تُدار بها وعلى الأهداف السياسية المرتبطة باستخدامها. ومن هنا، فإن خلافه مع نتنياهو لا يعني بالضرورة اختلافًا جوهريًا في النظرة إلى الفلسطينيين أو إلى التفوق العسكري الإسرائيلي، بقدر ما يعكس نزاعًا حول حدود القوة، ودور المؤسسات، وقدرة الحرب على تحقيق نتائج سياسية.

لهذا، فإن آيزنكوت يمثل أكثر من جنرال دخل السياسة. إنه محاولة لإعادة تقديم المؤسسة العسكرية بوصفها مصدرًا للشرعية السياسية في مواجهة تراجع الثقة بالقيادة الحزبية التقليدية. وبينما بنى نتنياهو جزءًا كبيرًا من قوته على إدارة الخوف والانقسام، يراهن آيزنكوت على صورة القائد الهادئ الذي يجعل الدولة، لا الزعيم، مركز القرار.

إقرأ على موقع 180  انتصار لبنان يُساوي ولادة مشرق جديد

أما امتحانه الأكثر إلحاحًا، فيتمثل في انتخابات 27 تشرين الأول/أكتوبر 2026. فقد أظهرت استطلاعات الرأي تقدّم حزبه على الليكود في عدد من التقديرات، من دون أن تمنح المعسكر المناهض لنتنياهو أغلبية برلمانية واضحة. وهنا تظهر حدود مشروعه السياسي: فبناء حكومة بديلة قد يتطلب تفاهمات مع قوى لا ينسجم معها أيديولوجيًا، ولا سيما الأحزاب العربية. ولذلك، فإن قدرة آيزنكوت على تحويل شعبيته إلى سلطة فعلية ستتوقف على إدارة تناقضات التحالفات بقدر ما تتوقف على صورته بوصفه قائدًا عسكريًا سابقًا.

ليس آيزنكوت مشروعاً إنقلابياً داخل اليمين. هو ابن هذا اليمين المتطرف. المسألة بالنسبة إليه ليست التخلي عن القوة، بل إعادة ربطها بالسياسة والمؤسسات. ومن هنا تأتي دلالته: غادي آيزنكوت هو الجنرال الذي خرج من قلب العقيدة العسكرية الإسرائيلية ليجادل بأن الدولة نفسها تحتاج إلى إعادة بناء.

Print Friendly, PDF & Email
سعيد عيسى

كاتب وباحث لبناني

Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Premium WordPress Themes Free
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  القضاء اللبناني ينتفض ضد السلطة السياسية.. ماذا بعد؟