لقد صوَّر كثيرون من الإعلاميين العرب أنَّ الانتخابات وسيلة لإسقاط نتنياهو وإنجاح آيزنكوت كأنَّ بينهما فرقاً خارج لعبة السلطة، فيما هما رمزان لمشروع واحدٍ. ربَّما نسيَ هؤلاء أو تناسَوْا الإجابة التاريخية للقائد الثوري فيديل كاسترو عندما سئل عام 1960 عمَّن يفضل في الانتخابات الأميركية ريتشارد نيكسون أو جون كينيدي فكان ردُّه واضحاً وقاسياً إذْ قال: وهل نفرق بين فردَتَيْ حذاء ينتعلهما شخص واحدٌ؟
تِلْكُم هي قصة نتنياهو وآيزنكوت. والشخص الواحد في مثال كاسترو هو النظام الأميركي الرأسمالي الإمبريالي، وفي الانتخابات الإسرائيلية هو المشروع الصهيوني. ولا ضرورة لاستعادة أهدافه منذ نشوء الصهيونية القومية الدينية الحديثة في القرن التاسعَ عشر. إنَّها معروفة للقاصي والداني. والمسألة ليست في مَنْ يخسر الانتخابات أو يربحُها في الكيان الإسرائيلي بل هي في إنشاء الكيان نفسه، وطبيعته الكولونيالية الاستيطانية، وصيرورته المستقبلية، وتحالفه التَلاحُمِيّ مع القوى الاستعمارية بزعامة الولايات المتحدة.
واللافتُ المأسويُّ للانتباه أنّ أوهام التمييز بين نتنياهو وآيزنكوت ما زالت مستمرَّة. وبات النقاش المؤسف الآن في معظم الساحة الإعلامية- ومنها عندنا في لبنان- حول من سيشكِّل الحكومة الإسرائيلية المقبلة. وحول ما إذا كانت ستتشكَّلُ حكومةٌ أم سُتعادُ الانتخاباتُ كما جرى في مراحل سابقة عندما لا يحقق أحد الأفرقاء غالبية مطلقة لتشكيل حكومة. مثل هذا النقاش يكشف عن مَخْزاةٍ من التماهي مع الإعلام الإسرائيلي، فهذا الأخير معنيٌ بلعبة السلطة في مؤسسات الكيان، وبِسَعْيِهِ إلى التطبيع غير المباشر من خلال تقديم الحدث الإسرائيلي بوصفه حدثاً يعني الرأي العام في الشارع العربي. أمَّا الحقيقة التي يُكرِّرُ الواقعُ إظهارَها أنَّ إستراتيجيَّة المشروع الصهيوني هي التي انتصرت في الانتخابات سواء مع نتنياهو أو مع آيزنكوت. وهذا يعكِس الحالة الإسبارطيةَ-الدينية التوراتية في التجمُّع الإسرائيلي الاستعماري على أرض فلسطين، ولا نقول أبداً المجتمع الإسرائيلي. وإذا كانت بعض النخب العربية ترى أنَّ فوز فلسطينييّ الـ 48 بمقاعد إضافية هذه المرة للقائمتين “الموحدة” و“المشتركة” يدلُّ على زيادة التأثير في السلطة، فإنَّ ما تُغيِّبُهُ هذه النخب هو مخادعة الجمهور العربي في الأرض المحتلة.
إنَّ مثل هذا التأثير للنواب العرب في الكنيست الاستيطاني لا يعدو أن يكون في تحسين موازنةِ بلديةٍ أو في مجال خدمات في إحدى المناطق. أمَّا إستراتيجيّة الكيان فتبقى على ما هي عليه مع اختلاف أسلوب الإدارة. آيزنكوت مثل نتنياهو يريد توسيع الاستيطان، وضمَّ الضفة، وضرب غزة، ومواصلة التهجير، وتوسيعَ الاحتلال في سوريا ولبنان، ومهاجمة إيران، ومحاولة الاستمرار في حلم بناء إسرائيل الكبرى، ولكن ببهرجة كلامية أقلَّ من نتنياهو. وعندما نحتسب مجموع عدد المقاعد للمعسكريْن يتبيَّن أنه مئة مقعدٍ وواحدٌ. وهذا يعني أنَّ المشروع الصهيوني هو المنتصر، وأنَّ التسويات ممكنة بين الفريقين، ولا سيَّما أنَّ أيَّاً منهما لا يرغب في إعطاء أيِّ وزنٍ إستراتيجي للقوى الانتخابية العربية عند صَوْغ التحالفاتِ الحكوميَّة، ما لم تُقدِمْ هذه الأخيرةُ على الاعتراف العلني بما يُسمِّيه الصهاينة”يهوديَّة الدولة”. وهو الأمر الذي لا تستطيع القوائم العربية القيامَ به (ولا يجوز أصلاً) كونه يعني التذويب الذاتي والخضوع لكل تفاصيل سياسات الاحتلال وعلى رأسها إبادة فلسطين والفلسطينيين.
مضى نحو ثمانية عقود على إنشاء الكيان الاستيطاني. كانت كلُّها مثقلة بمحاولات “الحوار والسلام”، بما فيها مشاركة عرب الـ48 في الانتخابات الإسرائيلية مرَّات عديدة. لم تؤدِّ أيٌّ منها إلى أيِّ تغيير في الطابع الاستعماري لـ”إسرائيل”. ربَّما النخب الفلسطينية في أرض الـ48 تشعر بحاجة أهلها إلى تخفيف معاناتهم، وتحسين ظروفهم، وهذا ما يتفهَّمه كثيرون، غير أنَّ المكاسب التكتيكية شيءٌ، والطبيعة الإستراتيجية للصراع شيءٌ آخر. إنَّ الطبيعة الكولونيالية والطبقيَّة للكيان، واستنادهُ إلى الفكر الديني التلمودي تجعله كياناً لا يقبل بتكوينه البنيوي أي فكرة للحوار والمشاركة والسلام؛ فإمَّا يبقى يحارب أو يزول. ولهذه العوامل كلِّها كان ينبغي للقوائم العربية ألَّا تُقَدِّمَ عجز نتنياهو عن تحقيق الغالبية المطلقة بوصفه انتصاراً للعرب، بل أن تُبقيه ضمن معادلاته التنافسية على السلطة مع آيزنكوت في إطار مشروعهما الواحد، كي لا تسـهم هذه القوائـم في توسـيع الخديعة. ذلك أنَّ الحقائق معروفة تاريخياً إذْ تتغيرُ الوجوه الصهيونيَّة ولا تتغيَّر السياساتُ منذ جابونتسكي وهرتزل إلى نتنياهو وآيزنكوت وهرتسوغ، وغيرهم في ما بعد.
لن يكون هناك أيُّ تغيير في السياسة الإسرائيلية. ستشهد المرحلة المقبلة استمراراً لما هو جارٍ حالياً سواء أكان نتنياهو أم آيزنكوت على رأس حكومة العدوِّ. ولا شكَّ في أنَّ المراهنة على أيِّ تغيير ستكون في ذروة الغباء الإستراتيجي، فالاحتلال الإسرائيلي سيكمل نهجه ضد الفلسطينيين، وسيعمل على ترسيخ قواته في جنوب لبنان وجنوب سوريا، وسيواصل مشروعه للحرب على إيران. المنطقة كلها ازدادت انزلاقاً نحو اشتداد الصراع، وأبواب التسويات ما زالت مقفلة حتى الآن برغم كثرة الحديث عن مفاوضات هنا وهناك.
