مارشال سالينز في مواجهة الفكرة الغربية عن الإنسان

هذا ما يراه مارشال سالينز، عالم الأنثروبولوجيا الأميركي، الذي خصّص للموضوع كتابه «الوهم الغربي حول الطبيعة البشرية»، الصادر عام 2008 (1). فبحسب قراءته، نظر تيار راسخ في الفكر الغربي إلى الطبيعة البشرية باعتبارها سيئة في الجوهر، بسبب الجشع وحب التملك والنزوع إلى العنف والسيطرة، وذلك منذ ثوسيديديس في القرن الخامس قبل الميلاد، وربما منذ هسيود في القرن الثامن قبل الميلاد، وصولاً إلى أيامنا. وقد شكّلت هذه النظرة، في رأيه، أساساً مهماً للعلم السياسي الغربي والعلوم الاجتماعية عموماً.

النموذج الأصلي لهذه النظرة هو رواية ثوسيديديس لثورة العوام المؤيدين للديمقراطية في جزيرة كوركيرا، والمدعومين من أثينا، ضد الأرستقراطيين الذين كانت تدعمهم أسبرطة، إبان الحروب الأهلية التي عمّت المدن اليونانية في القرن الخامس قبل الميلاد. كان الأسطول الأثيني يحاصر الجزيرة، ما شجّع العوام على الثورة وارتكاب مجازر طالت الأرستقراطيين والدائنين وأصحاب الأملاك، ولم يتورّع الإخوة خلالها عن قتل إخوتهم، حتى إن أحداً لم يسلم من المذابح، بحسب الرواية. كان ثوسيديديس يُكنّ كرهاً عظيماً للديمقراطية، وهذا ما أثار إعجاب هوبز، الذي شاركه هذا الحقد، وعمل بكل ما أوتي من قوة على تدمير البنية الفكرية للمبدأ الجمهوري. وكان هوبز أول من نقل ثوسيديديس مباشرة إلى الإنكليزية. ويرى سالينز، مستنداً إلى آراء كثيرين، أن مفهوم «الحالة الطبيعية»، الذي استخدمه هوبز لوصف مجتمعات ما قبل الدولة، هو نقل شبه حرفي لسرد ثوسيديديس لأحداث كوركيرا. ومعلوم أن فرضية «العقد الاجتماعي» بُنيت على مقولة «الحالة الطبيعية» وضرورة الخروج منها، وإن اختلفت صيغها بين تيارات الفكر السياسي الغربي.

على أن هناك ما هو أبعد من رواية ثوسيديديس. يرى سالينز أن النظرة الغربية إلى الطبيعة البشرية تستند أيضاً إلى الميتافيزيقا اليونانية، ولا سيما أساطير نشوء الكون والمجتمع وتصورات الجسد. ففي أسطورة صراع زيوس مع الجبابرة (Titans)، تنتهي الفوضى بانتصار زيوس وإخضاع القوى المتمرّدة لنظام إلهي. وتروي صيغة أخرى، منسوبة إلى التقليد الأورفي، أن الجبابرة قتلوا ديونيسوس، فعاقبهم زيوس بصواعقه، ونشأ البشر من بقاياهم. وقد اختلف الباحثون في تاريخ هذه الرواية وتركيب عناصرها، لكنها، في القراءة التي يعرضها سالينز، تعبّر عن تصور لطبيعة بشرية تحمل في أصلها عنصراً من الفوضى. وكما في الكون، لا يستقيم المجتمع، وفق هذا التصور، من دون سلطة تحدّ من الأهواء وتضبط السلوك على إيقاع العيش المشترك. أما الجسد، فقد ربطت تصورات يونانية صحته بتوازن عناصره، ومرضه باختلال ذلك التوازن، الذي تقتضي معالجته إعادة النظام إليه.

ولئن اشتركت تيارات واسعة من الفكر الغربي في هذه النظرة، فإنها لم تتفق على الحل الأفضل للمشكلة. ويمكن اختزال الحلول التي يعرضها سالينز في اتجاهين: تراتبية هرمية يتربع على رأسها فرد يُخضع الجميع لسلطته، وهذه هي المَلَكية؛ واتجاه يتبنّى المساواة ويحاول التوفيق بين المصالح المتناقضة، كما عبّرت عنه الديمقراطية والجمهورية.

يستعرض سالينز المراحل التي مرّت بها هذه النظرة، من دون الادعاء بأنه يقدّم تأريخاً شاملاً لها. فبعد الرواية الأسطورية، جاء الفلاسفة ليحوّلوا الإشكالية إلى تناقض بين الطبيعة (Physis) والقانون أو العرف (Nomos)، وهي مسألة فلسفية بارزة منذ السفسطائيين، انعكست بكثافة في الحوارات الأفلاطونية. وقد أثّرت هذه الثنائية، بدرجات مختلفة، في نشوء العلوم الاجتماعية الغربية وإشكالياتها.

ثم جاءت المسيحية، عبر مقولة «الخطيئة الأصلية»، لتكرّس، في هذا المسار الفكري، الشك في الطبيعة البشرية، وتمنح السلطة المَلَكية مسوّغاً دينياً. واعتبر أوغسطينوس المَلَكية، في «مدينة الله»، نعمة منحتها الحكمة الربانية للبشر الذين، لو تُركوا بلا سلطة، لالتهم كبيرهم صغيرهم كما يفعل السمك. ورأى البشر أسوأ من الحيوانات لأنهم يقتلون أبناء جنسهم، كما في قصة قايين وهابيل. ومن جهته، وجد توما الأكويني نموذج الحكم المَلَكي في الكون نفسه: فكل متعدد يتحدّر من الواحد، وهناك أمير حاكم في كل شيء. وأسهم الأكويني في «طبعنة» الخطيئة الأصلية، بتحويلها إلى مصلحة ذاتية أنانية، وفي تبرير الحكم المَلَكي. ولعبت ترجمة كتاب «السياسة» لأرسطو دوراً في هذا المجال، لأن أرسطو يعتبر الإنسان ذا طبيعة مدنية واجتماعية. وبدأ التناقض يظهر بين فكرة المساواة الطبيعية والمؤسسات، كالملَكية والعبودية والملكية الخاصة، التي أنتجها «السقوط» من الجنة، فتهيّأ المناخ للتطلع إلى الجمهوريات.

برزت جمهوريات المدن في إيطاليا منذ أواخر القرن الحادي عشر، ومن بينها فلورنسا والبندقية وجنوى، وتفاوتت أعمارها وبناها السياسية. وتحتل فلورنسا مكانة خاصة في هذا السرد، بفعل مأسسة صراع المصالح فيها بدلاً من إلغائه. ولعب مكيافيللي دوراً حاسماً في تحويل الأنانية والصراع من أجل الذات إلى فضيلة، وفي النظر إلى التحزّب وصراعات المصالح باعتبارها مصدراً للحرية، من دون أن يعني ذلك خروجه على النظرة العامة إلى الطبيعة البشرية باعتبارها سيئة في الجوهر. ولا داعي للتذكير بدور هوبز في تحقير الطبيعة البشرية؛ فمقولته عن ذئبية الإنسان معروفة، حتى إن كل نظرة متشائمة إلى البشر باتت توسم بـ«الهوبزية».

في أميركا، شكّل عنصران وعي ما يُعرف بـ«الآباء المؤسسين»: الماضي، متمثلاً بحروب أثينا وروما وما صاحبها من عنف وبربرية؛ والمسيحية الكالفينية، بنظرتها المتشائمة إلى الطبيعة البشرية، ونسختها المُطبعنة المتمثلة في «الهوبزية». فالبشر، بحسب هذا التصور، يتميزون بالجشع وحب التملك والعنف والنزوع إلى السيطرة. ويعلّق سالينز بأن هذه النظرة التي تدّعي الواقعية ليست، في الحقيقة، سوى وجهة نظر الطبقات المالكة التي تعتبر الحفاظ على الملكية الهدف الأول للدولة، وهي موجّهة أساساً إلى الجماهير.

ابتداءً من القرن الثامن عشر، جرى تبرير المصلحة الفردية أخلاقياً، وصارت تُعتبر أمراً إيجابياً لمساهمتها المفترضة في التوازن الاجتماعي، إلى أن غدت في القرن العشرين أساس المجتمع وازدهار الأمم. وأسهم في هذا التحول تيار هوبز وفلاسفة الأخلاق الإنسانويون ومادّيو القرن الثامن عشر، وكذلك الثورة الأميركية التي عدّت السعي الفردي إلى السعادة حقاً منحه الله للإنسان. وهكذا، فإن ما اعتبره القديس توما عقاباً ربانياً أصبح أساس الحرية لدى النيوليبراليين والمحافظين الجدد ومنظّري الداروينية الاجتماعية والسوسيوبيولوجيا، التي ترى أن البيولوجيا والجينات تحددان سلوك الإنسان ومؤسساته الاجتماعية. وما فات هؤلاء تولّى الاقتصاديون الدفاع عنه باسم «الخيار العقلاني».

بعد استعراض هذه النظرة الغربية المتشائمة وتلويناتها التاريخية، يقرر سالينز أنها بُنيت على وهم خالص. ويرى أنها من أقل التصورات انتشاراً في العالم، لأن ثقافات كثيرة لا تعتبر البشر سيئين بطبعهم، بل يتعامل بعضها مع كائنات أخرى باعتبارها أشخاصاً. ويستشهد بتصورات لدى شعوب سيبيريا والسكان الأصليين للأميركيتين، وفي مجتمعات آسيوية وأفريقية، لا تجعل الأنانية والعنف جوهر الإنسان. كما يرى أن الفلاسفة اليونان أهملوا علاقات القرابة التي تقوم، في أوجه كثيرة منها، على التضحية والإحسان لا على المصلحة الذاتية وحدها.

إقرأ على موقع 180  "فورين أفيرز": حرب العراق لم تكن مجرد خطأ سياسي (1)

لقد بيّنت الإثنوغرافيا، في قراءة سالينز، أن الأنا في مجتمعات عديدة ليست وحدة مستقلة، بل نقطة تقاطع ذوات متعددة تربطها علاقات متشابكة. ويجد أمثلة على ذلك لدى السكان الأصليين للأميركيتين وفي جنوب آسيا وأفريقيا. والأنانية في هذه التصورات أمر غير طبيعي بالمعنى المعياري، وقد تُعامل بوصفها اختلالاً يستدعي العزل أو المعالجة. أما الجسد واللذة والألم والولادة والموت وغيرها من ظواهر الحياة، فلا تُفهم دائماً باعتبارها خبرات فردية خالصة، بل باعتبارها جزءاً من وجود جماعي مشترك.

ومن جهة أخرى، لا تتخذ الثنائية الغربية بين الطبيعة والثقافة المعنى نفسه في ثقافات أخرى. ففي مجتمعات من الأميركيتين ونيوزيلندا وماليزيا وأفريقيا وآسيا، تُمنح النباتات والحيوانات، بل بعض الموجودات الجامدة، صفات روحية وشخصية. ثم إن الغرب نفسه يتعامل مع كائنات غير بشرية على أنها أشخاص، ويمنح الحيوانات حقوقاً، في إشارة أرادها سالينز رداً على الذين يهزؤون من اعتبار الطبيعة كائناً حياً. ولم تبنِ ثقافات أخرى نظرتها بالضرورة على لاهوت التعالي أو أنطولوجيا عالم مادي بحت، بل على تصورات محايثة للكون؛ فلا يكون العالم مجرد موضوع خالٍ من الذاتية، ولا تكون الحواس المصدر الوحيد للمعرفة، بل تتداخل الأحلام والأساطير والحدس وتجارب الحيوات الأخرى، بما يذكّر بالإبستمولوجيا الأفلاطونية.

بناءً على ذلك، يعلن سالينز أن «الثقافة هي الطبيعة البشرية»، وليست البيولوجيا وحاجاتها وغرائزها. ويستند إلى قِدم الثقافة قياساً إلى الشكل البيولوجي الراهن للإنسان، مستحضراً تقديرات علمية مختلفة، منها ما ينسبه إلى ريتشارد كلاين. وبكلام آخر، يرى أن التطور البيولوجي تأثر بالاصطفاء الثقافي، وأن الثقافة تحدد وسائل تلبية الحاجات البيولوجية وظروفها؛ فيكون الدماغ عضواً اجتماعياً بامتياز، وتغدو القدرة الرمزية ضرورية لنموه. إن الطبيعة البشرية، وفق هذه الرؤية، ليست أمراً ناجزاً، بل عملية مستمرة؛ ومن يعتبرها طيّبة في جوهرها يرتكب الخطأ نفسه الذي يرتكبه من يدّعي سوءها. ويختم سالينز كتابه بالقول: «خلاصتي المتواضعة هي أن الحضارة الغربية بُنيت على فكرة منحرفة وخاطئة عن الطبيعة البشرية. أستميحكم عذراً، لقد كانت كلها خطأً بخطأ. إن كون هذه الفكرة المنحرفة عن الطبيعة البشرية تعرّض وجودنا للخطر هو احتمال غير بعيد عن الصحة» (ص. 112).

تستثير طروحات سالينز ملاحظات عدة، أولها يخص المنهج. فمن الواضح أن منهجه ثقافوي، لا من خلال عرضه التاريخي للنظرة الغربية إلى الطبيعة البشرية وتحولاتها فحسب، بل لأنه يعلن ذلك صراحة ويخصّص فصلاً بعنوان «الثقافة هي الطبيعة البشرية»، يدحض فيه آراء السوسيوبيولوجيا. ولا يشير سالينز في هذا الكتيّب إلى دور واضح للعناصر المادية في إنتاج الثقافة، وإن فعل عرضاً، فإنه لا يمنحها وزناً تفسيرياً، حتى لكأن الثقافة معلّقة في الهواء، مستقلة عن جذورها الأرضية. وهذا يطرح أسئلة: كيف نفسّر تنوع الثقافات بين المجتمعات، بل داخل المجتمع الواحد؟ لماذا لم تعتبر ثقافات أخرى الطبيعة البشرية سيئة كما فعل التيار الغربي الذي يدرسه؟ وكيف نجد داخل الثقافة الغربية نفسها من يرفض التصور السائد، كما يفعل المؤلف؟ كيف نفهم التحولات التي طرأت على مفهوم الطبيعة ومعانيه المختلفة؟ ولماذا برزت فكرة السيطرة على الطبيعة، البشرية والمادية، وضرورة تملّكها وإخضاعها، كما في عبارة ديكارت الشهيرة، في تيارات غربية، بينما تبنّت ثقافات أخرى نظرات أكثر تصالحاً معها؟

في اعتقادي أن المنهج الثقافوي لا يستطيع الإجابة عن هذه الأسئلة، لأنه يدخلنا في حلقة تفسيرية دائرية. فلا يكفي ردّ اختلاف الثقافات إلى الثقافة نفسها، من دون البحث في علاقات الإنتاج والملكية وتوزيع الموارد وبنى السلطة، وفي تفاعل هذه الشروط المادية والتاريخية مع الأفكار والرموز. وهذه هي نقطة ضعفه. وللإنصاف، تجدر الإشارة إلى أن سالينز، على الرغم من ثقافويته، لا يقع في فخ ما بعد الحداثة التي تنظّر للخصوصية المطلقة للثقافات، ومن ثم لعدم جواز إطلاق أي حكم قيمي على ممارساتها، مهما تكن طبيعتها.

وهناك جانب آخر نود الإشارة إليه، هو وصف سالينز للنظرة الغربية إلى الطبيعة البشرية بالمركزية الإثنية. إن «الهوبزية»، التي أضحت تختصر النظريات الغربية السائدة عن الطبيعة البشرية، ما سبقها وما تلاها، ليست سوى نظرة البرجوازي الغربي تحديداً إلى هذه الطبيعة. إن اختيار بعض ممارساتنا وبناء نظرية تدّعي الكونية عن السلوك البشري على أساسها عمل لا يقرّه العلم، وتدحضه قيم ثقافات أخرى وسلوكياتها. وفي مثل هذه الإثنية العلمية، يقول سالينز، يصبح لسان حالنا: «الجنس البشري هو أنا» (L’espèce, c’est moi). إن النقد الشديد الذي يوجّهه المؤلف إلى المركزية الغربية على امتداد الكتاب نقد عقلاني وموثّق، وهو إن دلّ على شيء، فإنما يدلّ على أن النقد الجدي لهذه المركزية ينتجه، عموماً، الغربيون أنفسهم، مع استثناءات قليلة. فالخطاب العربي الناقد للمركزية الغربية، مثلاً، غالباً ما يكون تعبيراً عن مركزية مقلوبة، تعتمد التجييش العاطفي ودغدغة المشاعر والغرائز بدلاً من إعمال العقل والاستناد إلى الوقائع.

في النهاية، لا يسع المرء إلا أن يتساءل، وبسذاجة ربما: كيف أمكن لحضارة بُنيت على وهم خالص، كما يرى سالينز، أن تحقق هذه الإنجازات الهائلة في مختلف الميادين، وأن تبني مجتمعات منظمة، حتى لا نقول الأكثر تنظيماً، وإن لم تكن بالضرورة الأكثر عدلاً في العالم؟ ألا يكشف ذلك عن عجز المنهج الثقافوي عن تفسير التاريخ الفعلي لهذه الحضارة، وعن قصور أي محاولة لاختزال نشأتها وتطورها في تصور ثقافي واحد عن الطبيعة البشرية؟

(1) Marshall Sahlins, The Western Illusion of Human Nature, Prickly Paradigm Press, Chicago, 2008, 112 pages.

Print Friendly, PDF & Email
Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  "أسراب الدرونز" مفاجأة "حماس" الجديدة في غزة؟