هل يجيب مغرب 2020 عن أسئلة التنمية وما جاورها؟

أسدل العام 2019 ستائره والمغرب يخوض غمار البحث عن معالم نموذجه التنموي الجديد، فقبل أشهر، أعلن الملك المغربي محمد السادس عن قراره القاضي بتكليف لجنة خاصة بهذا الشأن، وكلف سفير البلاد في فرنسا، شكيب بنموسى، برئاسة لجنة لم تعجب تشكيلتها قطاعا من الفاعلين السياسيين والمتابعين، لكن الكل ينتظر النتائج.

احتفل المغرب بالذكرى العشرين لتربع الملك محمد السادس على عرش أسلافه. عشرون سنة كانت مليئة بالاختيارات المتلاحقة والمتباينة، حفلت بنجاحات باهرة، وحملت بين ثنايا أيامها وشهورها وسنواتها إخفاقات لا تخطئها عين مدقق، “النموذج التنموي” المغربي واحد من ملامح الإخفاق تلك، هكذا تحدث الملك قبل فترة، بيْد أن ثمة إرادة لتحقيق قفزات تنموية في المستقبل، هذا طموح الشارع، ومعظم الناس تلهج ألسنتهم بذلك، الملك هو الأمل الوحيد المتبقي.

خلال العام 2019، أعيد تشكيل حكومة سعد الدين العثماني الثانية. منذ عقود طويلة، لم يعايش المغاربة حكومة لا يتجاوز عدد وزرائها 24 وزيرا، مع ما صاحب ذلك من جدل بين مرحب بالهندسة الجديدة ومقلل من شأنها. ما الفائدة في نهاية الأمر؟ الحكومة إياها وُلدت بعد تجربة “بلوكاج” سيئة، ولم تقدم حصيلة جيدة للمواطن المغربي لا هي ولا سابقاتها، هذا لسان حال قطاع طويل عريض من الرأي العام والناخبين. يبدو إذن أن شبح العزوف عن التصويت يتكشف رويدا رويدا، وحدها تفاعلات وتحولات البلاد في العام الجديد بإمكانها أن تكشف المؤشرات.

الأحزاب في المغرب باتت ضعيفة وغير قادرة على التأثير في الشارع، فمعظمها إما فقد قياداته المؤثرة وخطباءه المفوهين وشعبوييه مثل أحزاب الأصالة والمعاصرة والعدالة والتنمية والاستقلال، أو يترنح تحت وطأة مشاكله الداخلية وبيروقراطية زعمائه كما هو حال الاتحاد الاشتراكي، فيما المعارضة ما تزال تحتكم فقط إلى الزعم بمصداقية خطابها، دونما مقدرة على إثبات أي فعالية لها على صعيد التحشيد الانتخابي.

في المحصلة، بات المشهد السياسي في المغرب عاريا إلا من عزيز أخنوش، رجل الأعمال الذي يخوض غمار السياسة في زمن فراغ القوة، لكنه ما يلبث أن يتعثر في أوحال وكلس التواصل الاجتماعي، يبدو أن الرجل لا يصلح لأن يكون خطيبا قادرا على التبشير بمشروع سياسي والإقناع به. وبالمقابل، تزداد سطوة وسائل التواصل الاجتماعي، وتهجم على ميدان السياسة، تارة بموجات التفاهة والرداءة، وأخرى بمفاعيل إساءة استعمال الحق في التعبير، ينخرط شباب غير مؤطرين سياسيا في أفعال القذف والسب والتشهير، ليجدوا أنفسهم في المعتقلات، فترتفع في النهاية فاتورة الدولة حيال مسألة الحقوق والحريات.

تزداد سطوة وسائل التواصل الاجتماعي، وتهجم على ميدان السياسة، تارة بموجات التفاهة والرداءة، وأخرى بمفاعيل إساءة استعمال الحق في التعبير، ينخرط شباب غير مؤطرين سياسيا في أفعال القذف والسب والتشهير، ليجدوا أنفسهم في المعتقلات

أقفل العام 2019 مُسجلاً إغلاق ملف الحسيمة، فقد أدين المتهمون على خلفية أحداثها بمدد سجنية طويلة بلغت العشرين سنة في بعض الحالات، هل فشل الحراك أم فشلت الدولة في تدبيره أمنيا وسياسيا وقانونيا؟ لم يَعد السؤال مغريا، ذلك أن اتجاها بارزا في أوساط الشباب بات على أهبة الاستعداد لإدانة الدولة، الدولة فقط، فيما الأسئلة المتصلة بالبحث الاجتماعي والاقتصادي ما تزال معلقة، عسى أن تجيب عنها المرحلة الجديدة التي قررت الدولة هنا أن تبدأها مع بداية العام 2020.

لقد كانت العشرون سنة الماضية وعاءً لتجريب الانكباب على ما يعرف في المغرب بـ”المشاريع المُهيكلة” و”الورش التنموية الكبرى”، وفعلا ثمة حصيلة متميزة ولافتة للانتباه، فالتحول نحو سياسة خارجية نشيطة في إفريقيا وأكثر برغماتية اتجاه الفضاء الأورو متوسطي، مكّن المغرب خلال السنوات الماضية من مضاعفة ناتجه الإجمالي من 41.6 مليار دولار عام 1999 إلى 121.4 مليار عام 2019، بحسب تقارير دولية، ليصير القوة الاقتصادية الخامسة في إفريقيا، وواحدا من أكثر بلدانها جذبا للاستثمار، لكنه لم يتخطَّ بعدُ عوائق جوهرية تقف في طريقه ليصبح بلدا ذا ريادة قصوى.

منذ التخلي عن خيار التوجه نحو التصنيع والاستقلال الاقتصادي الذي دعت إليه حكومة عبد الله إبراهيم في سنوات استقلال المغرب الأولى، ومن ثم التوجه نحو تبني خيار تشجيع الاستثمار الأجنبي، بقي المغرب يترنح في اختياراته الاقتصادية بين تثبيت أسس المجتمع الزراعي تارة، وبين الاعتناء بملامح اقتصاد الخدمات، إلى أن جاء عهد الملك محمد السادس، فانشغل المغرب رويدا رويدا بالمسالة الاجتماعية، لكنه اعتنى عناية قصوى بمشاريع البنية التحتية، موانئ عملاقة، طرق سيارة، سكك حديدية وقطارات فائقة السرعة وشبكات من القناطر والجسور المهمة، محطات ضخمة لتوليد الطاقة الشمسية، كل هذا في عشرين سنة فقط، لكن ماذا عن يوم الإنسان المغربي البسيط وسلَّة غذائه وتعليم أبنائه وصحة أسرته؟.

تحدث الملك محمد السادس صراحة أكثر من مرة عن ضرورة إعادة النظر في السياسات الاجتماعية، ولم تعد تقارير مؤسسات مهمة مثل المجلس الأعلى للحسابات، تُجمِّل الصورة، وبدأت تدق هي الأخرى صراحة ناقوس الخطر.

حافظ المغرب على استقراره الأمني، حيث تمكن من المعالجة القانونية/الإنسانية لمشاكل تدفق أسراب المهاجرين من دول إفريقيا جنوب الصحراء، وتم تحقيق أعلى منسوب من النجاحات في تأمين تراب البلاد في وجه مشاريع الإرهاب والتطرف

ثمة إذن واجهتان ينبغي الانكباب على إصلاحهما؛ سوق الشغل إنْ في القطاعين العام أو الخاص، ووقف نزيف الفساد الإداري وهدر المال العام. في الواجهة الأولى، كل ما فعلته حكومتا العثماني وابن كيران بنسختيهما معا هو خنْق فرص الشغل في القطاع العام انتهاجا للتشقف، و”ابتكار” تقنية التوظيف عبر التعاقد. قد يكون الإجراء جيدا، ومن شأنه أن يرفع من منسوب رقابة الدولة على موظفيها عبر آليات المتابعة والتوقيف، لكن ألم يكن من الأجدى أن تراجَع شروط التعاقد في القطاع الخاص أولا ويتم تحسينها؟، بدلا من ترك العاطلين بين نار القطاع الخاص ورمضاء نظيره العام.

الفساد الإداري بدوره يحتاج إلى ورش إصلاحية عميقة، فالإدارة في المغرب تعاني الترهل وغياب الضوابط العقلانية، وضعف التكوين، والجمود القاتل للاجتهاد والابتكار والمرونة، وهدر الإمكانيات المالية والبشرية في ما لا طائل من ورائه، وكثيرا ما تكون هذه الإدارة عائقا حقيقيا أمام فرص الاستثمار، الأجنبي منه والوطني. يحدث هذا في مغرب عهد الملك محمد السادس، عقدان من الزمن تحقَّقت فيهما قفزات كبرى، فيما الانتظارات والآمال معقودة على النموذج التنموي الجديد، حيث الكل ينتظر أن يكشف العام 2020 عما سيتضمنه من جديد.

أمام كل هذا، حافظ المغرب على استقراره الأمني، حيث تمكن من المعالجة القانونية/الإنسانية لمشاكل تدفق أسراب المهاجرين من دول إفريقيا جنوب الصحراء، وتم تحقيق أعلى منسوب من النجاحات في تأمين تراب البلاد في وجه مشاريع الإرهاب والتطرف، والحفاظ على ثبات الخطوات الدبلوماسية على صعيد تحصين الوحدة الترابية، لتكريس نموذج للحكم الذاتي في إطار الجهوية الموسعة، نظام جهوي يمضي هو الآخر رويدا رويدا نحو التطبيق الكامل، عساه أيضا أن يكون إطارا جامعا مانعا لاحتضان النموذج التنموي المراد خلال العام 2020 ما بعدها.

(*) كاتب مغربي

Download Premium WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
udemy course download free