جوليان أسانج: نهاية رجل شجاع

المقرصن، المبرمج، الصحافي، والسجين... ألقاب متعددة لرجل واحد هو الأسترالي جوليان أسانج الذي ملأ الدنيا ذات يوم ولا يزال يقف معانداً أمام قضاء يصعب فصله عن شوائب السياسة.

تمثل محاكمة مؤسس موقع “ويكليليكس” جوليان أسانج أمام القضاء الأميركي هدفاً منشوداً لكثيرين، في مقدمّهم ربما الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي لا يرى في الصحافة إلا عدواً، ولا يتعامل معها إلا على هذا الأساس… الزعيم المفترض للعالم الحر تقوم بينه وبين الصحافيين (الإستقصائيين خاصة) حالة حرب معلنة.

مؤخراً مثل أسانج أمام محكمة وولويش البريطانية مستَمَعاً إليه في شأن الطلب الأميركي لاستعادته بتهمة سرقة ونشر معلومات أمنية غير متاحة، وقد ظهر متماسكاً بالرغم من سوداوية المصير الذي ينتظره، في ظل افتقاده لدعم دولي يسمح له بمواجهة الإستفراد الأميركي.

قبل أكثر من عشر سنوات فاجأ أسانج، ومعه بعض مساعديه، العالم باطلاقه موقعه الفضائحي الذي نشر الآلاف من الوثائق المصنفة سرية. لم يترك حجراً في أرض السياسة الأميركية والدولية إلا قلَبَه مُظهراً ما يختبئ تحته. 250 ألف برقية دبلوماسية و500 ألف وثيقة سرية يتعلق معظمها بالجيش الأميركي، وبوكالة الاسختبارات المركزية، الكثير منها ما ينطوي على فضائح قانونية، صارت بمتناول العامة، وهو ما دفع جيمس لويس، ممثل الولايات المتحدة أمام المحكمة البريطانية التي تنظر في طلب تسليم الصحافي الأوسترالي للقضاء الأميركي، إلى القول أن “جريمة” أسانج لا ترتبط بالكشف عن معلومات محرجة للإدارة الأميركية بل بتعريضه حياة الكثيرين للخطر، رافضاً اعتبار “ويكليكيس” منبراً إعلامياً مهنياً، وهو ما اعترض عليه محامي المتهم  إدوارد فيتزغيرالد، واصفاً ما قام به موكله بالعمل الصحافي الصرف، الذي لا يبرر محاكمته وفق لائحة اتهام من 18 بنداً، تصل عقوبتها إلى السجن 175 عاماً.

كما نزع فيتزغيرالد الصفة القانونية عن طلب الإسترداد الذي تقدمت به الولايات المتحدة أمام المحكمة البريطانية ليضعه في خانة الإجراء السياسي الكيدي والمخادع، محذراً من إمكانية لجوء موكله إلى الإنتحار في حال تجاوبت محكمة وولويش مع الرغبة الأميركية.

محامي أسانج أثار نقطة لافتة بتركيزه على أن تفعيل طلب الولايات المتحدة باسترداد أسانج لم يأت على خلفية مستجدات في قضيته تبرر الأمر، بل جراء اكتساب تلك القضية أبعاد سياسية تغوي بتحقيق منافع معنوية تحتاجها إدارة ترامب.

منذ أن أطلق أسانج موقعه تحول إلى علامة استفهام محيرة. أسئلة كثيرة أطلقت حول خلفيته والجهات الداعمة له، ولم يبق جهاز اسختباراتي فاعل على الساحة العالمية دون أن يجري إلحاقه به. وعندما سُجن للمرة الأولى في العام 2010 أمضى ثمانية ايام في زنزانة منفردة في أحد السجون البريطانية. عدد الوثائق المنشورة حينها لم يكن يتخطى الألفين، وكان التوقع منطقياً بأن ترهبه التحديات غير المحسوبة التي وجد نفسه أمامها، وأن يتراجع بالتالي عن خطوته المغامرة في نشر الوثائق، لكنه فاجأ سجانيه، وسواهم أيضاً، بأن موقعه ظل ينشط في إثارة الفضائح والمتاعب، وأن السجن عزز حجم الأنظارالموجهة نحوه، فصار اسمه على أغلفة كبرى المجلات، وفي صدارة عناوين الصحف المقروءة بشغف، كما أمكنه أن يحجز مكاناً شبه دائم في صلب النشرات المتلفزة.

أمضى أسانج ثمانية أيام في زنزانته المنفردة ليغادر بإخراج مؤقت، على أن يمثل أمام المحكمة لاحقاً. كان يحاكم بإدعاء من الدولة السويدية بتهمة تحرش جنسي. حاول الإحتكام إلى مرجعيات قانونية في بريطانيا وخارجها، لكن القضاء البريطاني أصدر حكماً بحقه في شباط/فبراير 2012 يقضي بتسليمه إلى السويد، وأكدت المحكمة البريطانية العليا الحكم في 30 أيار/مايو من العام نفسه. في 19 حزيران/يونيو 2012 لجأ أسانج إلى دولة الإكوادور من خلال سفارتها في لندن، وقد أبدى الرئيس الإكوادوري حينها رافاييل كوريا تعاطفاً معه، وأعلن وزير خارجية الإكوادور ريكاردو باتينيو في 16 آب/أغسطس 2012 موافقة حكومته على منح اللاجئ الأوسترالي حق اللجوء.

مكث أسانج سنوات سبع داخل السفارة يشرف من بعيد على موقعه، وكان خلالها يخضع للتجسس الإلكتروني من قبل الطامحين للإيقاع به، قبل أن  تتبدل علاقته بالإكوادور مع تولى لينين مورينو الرئاسة خلفا لكوريا عام  2017، فكان أن جرى اعتقاله في 11 نيسان/أبريل عام 2019 بموافقة السفير الإكوادوري في بريطانيا.

بالتزامن مع اعتقال اسانج كشفت محاميته عن تلقيه عرضاً من ترامب بمنحه عفواً رئاسياً مقابل إقراره العلني بعدم تدخل روسيا في الانتخابات الرئاسية.

في 1 أيار/مايو 2019 حكم القضاء البريطاني على أسانج بالسجن 50 أسبوعا لانتهاكه شروط الإفراج المؤقت.

بالتزامن مع اعتقال جوليان اسانج كشفت محاميته عن تلقيه عرضاً من الرئيس الأميركي دونالد ترامب بمنحه عفواً رئاسياً مقابل إقراره العلني بعدم تورط روسيا في عملية تسريب الرسائل الإلكترونية خلال الإنتخابات الرئاسية عام 2016 وهو ما نفاه دانا رورا باخر، عضو الكونغرس السابق الذي نسبت إليه المحامية نقل العرض نيابة عن ترامب، موضحاً أنه فاوض أسانج بصفة فردية حول موضوع العفو.

كثيرة هي المواقف التي ستبقى في الذاكرة بفعل الدور غير المسبوق الذي لعبه “ويكليليكس” في الكشف عن الأسرار المحصنة بأسوار عالية، لعل أبرزها ما ارتبط بهيلاري كلينتون وزيرة خارجية الولايات المتحدة، والمرشحة لرئاسة جمهوريتها. يتذكر المتابعون ذلك اليوم من شهر آب/أغسطس عام 2016 عندما أطلقت كلينتون اتهامها للقراصنة الروس العاملين تحت إدارة الحكومة الروسية باختراق حواسيب حملتها الإنتخابية. كانت كلينتون تلقي خطاباً في لاس فيغاس، وعلى مقربة من المكان كان ينعقد مؤتمر حاشد للهاكرز. هذه التسريبات التي أمكن الحصول عليها من حواسيب كلينتون تحولت إلى أساس لتحقيقات أجراها مكتب التحقيق الفدرالي بعد نشرها على موقع “ويكليليكس”. حينها، أمكن للمتابعين أن يطلعوا على 20 ألف رسالة الكترونية احتواها البريد الإلكتروني التابع للجنة الوطنية للحزب الديمقراطي الأميركي يدور بعضها حول تشويه سمعة منافس كلينتون المرشح الديمقراطي بيرني ساندرز، بعدما أظهرت النتائج الأولية أنه ليس خصماً سهلاً. تضمنت الحملة إرسال صحافي إلى ساندرز بسؤال مفخخ حول ديانته، ليظهر أن الرجل ملحد وليس يهودياً، ما أدى إلى تراجع نسبة مؤيديه. هذا التسريب تسبب باستقالة أمينة اللجنة الوطنية في الحزب الديمقراطي د. ب. وايزمان شولتز.

في مقابلة تلفزيونية أجرتها آنذاك محطة “آر تي” الروسية مع أسانج في مبنى السفارة الإكوادرية في لندن، حيث كان يحتمي خشية من الإعتقال،  دافع صاحب الموقع الفضائحي عن وجود صلة متينة تجمع بين هيلاري كلينتون والحكومة الروسية مبرزاً قرائن دامغة عن تبادل مصالح بين المرشحة الأميركية للمنصب الرئاسي وبين شركات روسية عالية المستوى.

تناول أسانج أيضاً حكاية الإنقلاب الذي شهدته تركيا في 15 تموز/يوليو 2015، ولم يعتمد في ذلك على المعلومات وحدها، بل لجأ إلى التحليل مشيراً إلى ما نشرته شبكة “إن بي سي” الإخبارية الأميركية حول أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان كان في طريقه إلى ألمانيا لطلب اللجوء السياسي، مستندة إلى مصدر عسكري أميركي، واضعاً الخبر في إطار المساعدة على إنجاح الإنقلاب، ذلك “أن مغادرة رئيس الجمهورية بلده الذي يتعرض لعملية إنقلابية تعني أنه فقد السيطرة على الأمور”.

أسانج لم تفته الإشارة إلى أن محطة “إن بي سي” كانت داعمة لحملة كلينتون الإنتخابية، وأن كثيرين من أنصار فتح الله غولن المقيمين في الولايات المتحدة كانوا منخرطين في حملتها الرئاسية.

ما كشف عنه أسانج أكثر خطورة: هيلاري كلينتون استغلت الفلتان الأمني الحاصل في ليبيا لتمرير أسلحة إلى المنظمات الجهادية التي كانت تحارب في سوريا. نشر موقعه العديد من تلك التقارير. كما استند إلى مقالات لصحافيين أميركيين كبار، بينهم سيمور هيرش، نشرت في صحف من مستوى “نيويورك تايمز”.

اسانج: المقارنة بين كلينتون وترامب هي مفاضلة بين الكوليرا والسيلان.. أنا أرفض الإثنين.

تحدث ايضاً عن علاقة مالية بين كلينتون وبين شركة “لافارج” الفرنسية المتخصصة بتجارة الإسمنت، كميات معتبرة من الأموال وصلت من الشركة إلى الصندوق الإنتخابي لكلينتون، في الوقت الذي كانت “لافارج” تعقد صفقات مدفوعة مع تنظيم “داعش” لجني المكاسب من الحرب السورية.

التصويب المركز على كلينتون أوحى للبعض أن اسانج ينحاز لمنافسها الرئيس الحالي دونالد ترامب، لكنه رد على سؤال صحافي بالقول: “المقارنة بين كلينتون وترامب هي مفاضلة بين الكوليرا والسيلان.. أنا أرفض الإثنين”.

الاستخبارات المركزية الأميركية كان لها نصيب وافر من استهدافات موقع “ويكليليكس”، فقد حذر أسانج من أن المواطنين في العالم بأكمله صاروا لعبة الكترونية في أيدي أجهزة الاستخبارات، بمن فيهم أولئك الذين يعيشون في ظل الديمقراطيات المزعومة، وقال: “إذا كانت الاستخبارات المركزية الأميركية، بكل ما لديها من دوافع للسيطرة على ترسانة أسلحتها في الفضاء الإلكتروني، غير قادرة على السيطرة على تلك الترسانة برمتها، لأن المعلومات يمكنها أن تتدفق دون رقيب، فما هو حدود تحكمها بكيفية استغلال تلك الترسانة”؟

لاعب ويكليكيس الاستخبارات الأميركية على نار هادئة. ذات يوم فاجأ الموقع متابعيه بتغريدة تتضمن أسئلة مختصرة إلى جانبها صور محيرة: ما هي الخزينة 7؟ مع صورة لمخزن في النروج يستخدم لتخزين البذور الجينية. أما السؤال الثاني فكان: أين الخزينة 7؟ مع صورة لمنجم ملح في ألمانيا كان يستخدم أيام الحكم النازي لتخزين الذهب. السؤال الثالث: متى الخزينة 7 ؟ مرفقاً بصورة لمحرك طائرة من طراز براتون واتمين أثناء اختباره. السؤال الرابع: من الخزينة 7؟ مع صور لأركان الموقع: برادلي ماننيغ، وجوليان أسانج وإدوارد سنودن. ثم جاء السؤال الخامس: لماذا الخزينة 7؟ بصورة تمثل الموقع الرسمي لقاعدة ويتمان الجوية في أميركا، وردت في سياق مقال عن “سلامة أساسات البناء”. تساءل المتابعون بفضول كبير عما تعنيه تلك التغريدات، وعن الرسالة المبطنة التي يرغب الموقع في تمريرها.

 أحد المواقع المتخصصة (Press for truth)حاول تفسير التغريدة بالقول: “لدى ويكليليكس وثائق هي صورة طبق الأصل لمثيلتها المتواجدة عند مكتب التحقيق الفدرالي، هم يعلمون بشأن الذهب المدفون تحت برج التجارة العالمي، كما يعرفون أسرار محركات الطائرات القابلة للتحكم بها عن بعد. وهم يعلمون أيضاً ما تتطلبه إذابة أعمدة الاساسات باستخدام فرق متخصصة، أما صور أسانج وزملائه فهي تشير إلى استعدادهم لفضح الحقائق التي يعرفونها”.

كما نشر “ويكليليكس” وثيقة سرية مسربة من قسم التجسس الإلكتروني في وكالة الاستخبارات الأميركية تكشف النقاب عن نجاح الوكالة في تطوير فيروسات ووسائط الكترونية تمكنها من اختراق أجهزة الهواتف الذكية، وأجهزة التلفاز الذكية، وأنظمة تشغيل الحواسيب، ومثيلتها لقيادة السيارات، إضافة إلى تطبيقات الماسينجر، بما يعني إمكانية التحكم عن بعد في تلك الأنظمة والتطبيقات، دون معرفة أصحابها، وكل ذلك يجري من مقر الوكالة في لانغلي فيرجينيا، أو من القنصلية الأميركية في فرانكفورت، ألمانيا. يشمل التجسس أوروبا والعالم العربي. أما الجديد في الأمر فهو أن الوكالة فقدت السيطرة على الوسائط والفيروسات التي صارت بمتناول القراصنة على امتداد العالم. نشر “ويكليليكس” الخبر دون أن يتلقى أي تعليق أو نفي من الدولة الأميركية أو وكالة استخباراتها.

يمكن  لوسيط “الملاك الباكي” مثلاً أن يحول تلفزيون “سامسونغ” إلى وسيلة للتجسس. كما يتنصت على مكالمات “سكايب”. وثمة وسيط آخر للتحكم بالحواسيب العاملة وفق نظم “مايكروسوفت ويندوز”. اما “البومة الثلجية” فهي أداة لإختراق الحواسب من طراز ماك. الحديث يدور هنا عن أنظمة وبرمجيات متعددة تعتمدها دول كثيرة، وبينها دول عربية، لإختراق خصوصية مواطنيها.

البديهي أنه من المبكر الحكم على تجربة “ويكليليكس”، فرصد النتائج المتوقعة لا يزال يحتاج إلى الكثير من الوقت، لكن ما يمكن الجزم به أن الموقع شكَّل ظاهرة متفردة، وسابقة يُعوّل عليها في رفع حجاب السرية والتكتم عما يؤسس له في أروقة مظلمة لا يتقن قاطنوها سوى صناعة الأذى، ليتسرب كالفيروس نحو الواقع مثيراً الكثير من الفجائع والمآسي.

Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
online free course