“الترامبية”.. باقية وتتمدد!

الانتخابات الأميركية تحبس أنفاس البشر في أربع رياح المعمورة، بفعل البحث المضني عن جواب لسؤال ملح حول مستقبل دور أميركا في قيادة العالم مع دونالد ترامب أو من دونه، بعدما شكلت ولايته الأولى منعطفاً تاريخياً اشتبكت فيه أولويات السياسة الداخلية بأجندات السياسة الخارجية.

بداية، تتعين الاشارة الى التأثير الشخصي لرجل ورئيس هو الأكثر جدلاً في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية. وصل الى الحكم في لحظة ذروة معاناة الولايات المتحدة من أزمة عميقة تجر ذيولها منذ عقود. إنه ثمرة تلك الأزمة التي التقط فرصة نضوجها ليكرس أسلوباً خاصاً في الحكم. طريقة مرتبطة بشخصه. “شخصن” السلطة ومسرحها، وجعل نفسه مركز الاهتمام الأول. مارس الحكم عمودياً غير عابئ بسلبيات ممارسة السلطوية الكارهة لقواعد اللعبة المؤسسية التقليدية. يتصرف بغريزة تلقائية مغرداً عشرات المرات يومياً  بشكل بسيط وفعال وقريب من ناخبيه. لا يحتمل المعارضة ولا الإعلام المحايد. معه تتحول الأمور شخصية فوراً إذا شعر أن الاعتراض آت مما يمسيه الدولة العميقة المؤلفة من نخب سياسية وبيروقراطية ومالية وقانونية.

ظروف انتخابه في 2016 مستمرة الى اليوم. بزغ في لحظة كان فيها الحزب الجمهوري يفقد فحوى المحتوى السياسي الذي يشد عصب ناخبيه. تولى المهمة بطريقته الخاصة شاهراً أسلحة الهوية ومعاداة العولمة. شعر بغريزته أن ممثلي الأميركيين لا يمثلونهم فعلاً!

يجمع المحللون على أن “الترامبية” باقية وتتمدد مهما كانت نتائج الانتخابات. ولن يستطيع الحزب الجمهوري العودة الى ما قبل ترامب، بل أن بقاء الحزب قيد الحياة السياسية الفاعلة بات رهن ما انطلق وجُرّب خلال السنوات القليلة الماضية، بناء على عدد من الأفكار والرؤى التأسيسية الجديدة او المتجددة، التي أسهم فيها كثيرون وفي مقدمهم المفكر الإسرائيلي الأميركي يورام هازوني، الذي دعا إلى مؤتمر في العام الماضي جمع فيه المفكرين والمثقفين الجمهوريين والمحافظين، تمخض عن وضع شبكة قراءة جديدة للقيم التي ستبقى مع ترامب او من دونه. وتلك الشبكة ثلاثية الأبعاد: قومية، دينية، ومناهضة لليبرالية، وفقاً للمؤرخة الفرنسية المتخصصة بالشؤون الأميركية مايا كاندل.

على الصعيد القومي، يقتبس ترامب ومستشاروه من الفيلسوف الإسرائيلي الأميركي (هازوني)، الذي ألف كتاباً شهيراً في العام 2018 عنوانه “فضيلة القومية”، ينشد فيه استعادة القومية من سمعتها السيئة الى رحاب عالم من القوميات المستقلة في نظام دول “صافية” هو افضل الممكن بنظره. ومن هذا المنبع يجري استهزاء ترامب بالاتحاد الاوروبي وتشجيعه خروج بريطانيا من ذلك الاتحاد “غير المنسجم قومياً” برأيه.

لقد أضحى الشعار القومي في صلب فكر الحزب الجمهوري اكثر من ذي قبل، بتنظير من كثر بينهم ستيف بانون المستشار السابق الذي نصح ترامب بالتماهي مع إرث الرئيس الأميركي أندرو جاكسون (1829-1837) الذي اعتمد التطهير العرقي بقتل الهنود الحمر وترحيلهم من أراضيهم. وبات جاكسون في المكتب البيضاوي “مخلداً” بصورة علقها ترامب بنفسه. ونزعة التطهير الجديدة تشدد شروط الهجرة الى الولايات المتحدة، وتمنع رعايا دول مسلمة وجنوب أميركية من الوصول إلى هناك حتى اضطر الأمر لبناء جدار عازل.

أضحى الشعار القومي في صلب فكر الحزب الجمهوري اكثر من ذي قبل، بتنطير من كثر بينهم ستيف بانون الذي نصح ترامب بالتماهي مع إرث الرئيس الأميركي أندرو جاكسون (1829-1837) الذي اعتمد التطهير العرقي بقتل الهنود الحمر وترحيلهم من أراضيهم

 وتظهر استطلاعات الرأي قوة الناخبين الجمهوريين حالياً في أوساط الأميركيين البيض، لا سيما بين سكان الأرياف الداخلية وضواحي المدن والمزارعين وغير المتعلمين جامعياً، وعاشقي حمل السلاح، ومن هم فوق 65 عاماً، ورافضي الفكر الديمقراطي التأميمي إثنياً وضرائبياً، أي العرق الأول سيد نفسه غير المختلط مع الأقليات الأخرى. ويشكل هؤلاء قوة متماسكة نسبتها 40 في المئة تتغاضى عن أخطاء ترامب ولا تعبأ كثيراً بجهله بكثير من القضايا، ولا تتوقف كثيراً عند اتهامات له بالتحرش الجنسي والتهرب الضريبي، ولا تحاكمه على استغلاله للسلطة، ولا تدين قلة تدينه وبذاءته.. جل ما تريده هو ان يكمل السياسات التي بدأها.

وللشعار القومي هدف آخر، اقتصادي هذه المرة، في مواجهة العولمة التي استفاد منها الآخرون على حساب الأميركيين بحسب المنظرين الجدد للحزب الجمهوري الذين يتهمون النخب عموماً،  ونخبة الحزب الديمقراطي خصوصاً، بالتواطؤ مع التنين الآسيوي على حساب العمال الأميركيين الذين فقدوا وظائفهم في المصانع التي رحلت الى الصين، أو بسبب مكسيكيين سلبوهم وظائفهم، ويشمل الاتهام شركات متعددة الجنسيات لم تعد الوظائف الأميركية في أولوياتها.

***

أما معاداة الليبرالية فتبدو مربكة للوهلة الاولى، لكن الجمهوريين الترامبيين الجدد يشرحونها بضرورة مناهضة كل من يدعي التقدمية الليبرالية المدافعة عن المجتمع المتعدد الثقافات (الكوزموبوليتية) وحقوق الأقليات والإجهاض والحقوق النسوية وحقوق المثليين جنسياً، وصولاً الى معاداة الفكر الليبرالي العمومي الأممي (اليونيفرسالي) المعتقد بالإنسانية الواحدة بالتكافل والتضامن.

وعلى انقاض الليبرالية يتجدد دور الدولة بشكل أكبر في الاقتصاد الأميركي الذي يعاني منذ عقود من نيوليبرالية متمادية في تكسير القيود منذ الريغانية التي دفعت ثمنها، بحسب الترامبيين، الطبقات الوسطى والفقيرة التي تعاني فوارق هائلة في المداخيل التي تتجمع وتتركز بيد القلة.

ومن رفض نتائج النيوليبرالية يأتي أيضاً تفسير الهجوم الكاسح الذي شنه ترامب على المؤسسات الدولية مثل منظمة التجارة العالمية ومنظمة الصحة العالمية والبنك الدولي والأمم المتحدة والحلف الاطلسي.. علما بأن تلك المؤسسات قامت في أربعينيات القرن الماضي بدفع من واشنطن ورعايتها، غداة الحرب العالمية الثانية، لكن الانغلاق والانعزال الآن سيدا الموقف لأن الترامبية ترى ان تلك المؤسسات قديمة وغير مناسبة للقومية الأميركية وغير منتجة إلا في خدمة أعداء الولايات المتحدة.

***

أما البعد الديني فقد تعزز أكثر بالحلف الاستراتيجي بين الجمهوريين والانجيليين، في سعي، باعتقادهم، لترميم صورة أميركا التي رفع لواءها المؤسسون الأوائل تحت “توجيه الله” وفقاً للدستور. وبين الكاثوليك من هم أيضاً حلفاء في هذا التوجه الديني الساعي لإعادة الإعتبار للعائلة الاميركية المسيحية، النواة الأولى التي قام عليها المجتمع تاريخياً. وهذا البعد الديني لن يترك مساحة أكبر للأقليات المنتمية الى أديان أخرى لتحتل موقعاً مقرراً على طاولة الهوية. ويعرف المسيحيون المحافظون أن القضاء قطاع مهم جداً لانتظام القيم المجتمعية، لذا تبرع ترامب، لإرضائهم،  بتعيينات قضائية حتى باتت في المحكمة العليا أغلبية محافظة دينياً للمرة الأولى منذ زمن بعيد.

ولهؤلاء المسيحيين نظرة غير صديقة لليبرالية. يفضلون عليها الدولة القومية او الجمهورية المسيحية. لذا، لا غرابة في الانسجام الذي أظهره ترامب، على سبيل المثال، مع الرئيس الهنغاري فيكتور أوربان الداعي مع حزبه القومي المحافظ الى “الديمقراطية المسيحية” كبديل عن الديمقراطية الليبرالية.

***

ويرى محللون ان الترامبية ستبقى لأنها نتاج انزلاق تدريجي منذ اربعة عقود جنح خلالها الحزب الجمهوري نحو اليمين المتطرف المعادي للنخب الديمقراطية وللنظم القائمة (أنتي سيستم وأنتي استبلشمنت). وهذا الإنزلاق نحو التموضع الجديد بلغ ذروته خلال سنوات ترامب الذي استغل الاصطفافات الحادة وجيّرها في مصلحته. ولم يتوان عن قبول استخدام اللاعقلاني فيها، مثل الايمان بنظريات المؤامرة باشاعة الاعتقاد بانفضال الاعلام عن الواقع ولا حياديته، وفزاعة الإحلال الكبير للمهاجرين مكان الأميركيين المسيحيين الأوائل، وغيرها من نظريات المؤامرة مثل التي انتشرت حول كوفيد19 (كورونا)، فضلا عن التهكم على الخائفين من التغير المناخي. وذلك الاصطفاف الاستقطابي فصل الجمهوريين عن الديمقراطيين بشكل عامودي حاد، غاب معه وسطيون من الحزبين كانوا تاريخياً يلتقون على أرضيات قضايا وطنية عامة مشتركة خصوصاً في الملمات والمنعطفات الكبيرة.

يرى محللون ان الترامبية ستبقى لأنها نتاج انزلاق تدريجي منذ اربعة عقود جنح خلالها الحزب الجمهوري نحو اليمين المتطرف المعادي للنخب الديمقراطية وللنظم القائمة (أنتي سيستم وأنتي استبلشمنت)

 ويقرأ المنظرون الجدد للترامبية ملياً في كتاب صراع الحضارات لصاموئيل هتنغتون الذي حسم فكرة تجذر الاختلافات الثقافية والدينية المتصارعة، كما حسم في كتاب آخر ضرورة تحديد الهوية الأميركية والتنبه للمخاطر المحدقة بها. ولا ننسى هوس البارانويا السيادية التي تسكن أمثال جون بولتون، وهو ميل تاريخي في الحزب الجمهوري يركز على العدو الخارجي الراغب في تدمير الغرب، وذلك العدو بارز الأنياب برأيهم في  جهات مثل الصين والإسلام السياسي.

***

وبالهوية الجديدة البالغة الوضوح والقاطعة في كثير من القضايا، تحققت نبوءة الرئيس الراحل فرانكلين روزفلت في 1944 عندما قال: يجب الوصول إلى حزبين: واحد ليبرالي والآخر محافظ. ما يعني ان الترامبية ليست حركة ظرفية منفصلة عن التاريخ الأميركي، بدليل ان ولايتي باراك أوباما لم تستطيعا جعل حلم الوحدة ممكنا، بل أتي وراءه ترامب ليستغل الانقسام القائم كما يشتهي.. ونجح!

 واذا كان ترامب شكل منعطفاً تأسيسيا جديداً، فان الانحرافات بادئة منذ عقود، وتجذرت مع الاختفاء التدريجي للوسط اليساري او التقدمي  بين الجمهوريين. وخلال السنوات الخمسين الماضية كان هناك رابحون رأوا في العصرنة والتحديث نتائج ايجابية على حياتهم مقابل آخرين من المحافطين وجدوا نتائجها سلبية عليهم، فازداد الشرخ.

وكانت الانقسامات الحادة اطلت برأسها في الستينيات بعيد اقرار الحقوق المدنية للسود في حركة انطلقت مع انتخاب الديمقراطي جون كينيدي، فتطرفت في المقابل فئات مدفوعة بمعاداة الشيوعية ومواجهة ما اطلقوا عليه “الحمى العدمية” دفاعا عن نظام اخلاقي محافظ.

***

الوجه الآخر لهذه الميدالية، هو أن الديمقراطية الاميركية تدفع ثمنا باهظا، لان ترامب يبالغ في الشعبوية، ويمعن في استغلال التفسخات الهيكلية وانقسام المجتمع الاميركي ويحتقر عمل المؤسسات الدستورية. وقالت ماري ابنة اخيه: اذا اعيد انتخاب عمي، نوقع حكم اعدام الديمقراطيىة الاميركية. تقول ذلك مع آخرين بالنظر الى قدرته على القسمة وقلة ميله الى التوحيد، وإرادته ان يكون رئيسا لفريق ضد آخر وليس رئيسا لكل الشعب، وحلفانه اليمين الدستورية لناخبيه وليس لعموم الاميركيين.

***

انها الأمة الأكثر تنوعاً في العالم وبين أعرق الديمقراطيات، ومع ذلك هي أشبه بمختبر لم تنضج تجاربه بعد. تهجع الحرب الأهلية الباردة في نفوسهم بنزعات انفصالية لم تخب يوما. ففي 2012 تلقى البيت الأبيض غداة انتخاب اوباما لولاية ثانية عشرات آلاف الإيميلات التي تتضمن عرائض انفصالية اتت من 50 ولاية ابرزها من تكساس. ومع انتخاب ترامب انطلقت في كاليفورنيا حركة انفصالية لجمع التواقيع.

خلافات الأميركيين تتوسع لتشمل مختلف مناحي الحياة بالطول والعرض، افقيا وعامودياً. مختلفون حول الدين والهجرة والهوية والسلاح والسياسة الصحية والضرائب والحرية الجنسية والإجهاض وحقوق الأقليات.. والمضحك المبكي انهم مختلفون اليوم حول لبس الكمامة!

منير يونس

صحافي وكاتب لبناني

Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Nulled WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
free online course