كيف تواجهُ الدول جائحة كورونا بلا تفريط بمكتسباتها الوطنيّة؟

"إنّ المسجونين بإمكانهم أن ينسوا عذاباتهم إذا تلقّوا  كلمة طيبة واحدة فقط"، هكذا قال أحد "نزلاء" السجن في سيبيريا سنة 1860 لـ ألكسندر بيتروفتش في رواية "ذكريات من منازل الأموات" للكاتب الروسي الشهير فيودور دوستويفسكي.

ربما ليس من اللائق أن نقارن الحجر الصحي لملايين البشر في هذه الأرض بأحوال المعتقلات في كافة العصور والأزمنة، ولكن العنوان الأعرض لمعنى الاعتقال يبدو متوفّراً، وإنْ كان في حدودٍ دنيا؛ تكتسي أهمية قصوى في إحداث هذه المقارنة فحسب.
ما جعل مقولة هذا السجين الروسي في غابر الأزمان، تستأهل الاستعادة والاستدانة على نحوٍ ما، هو ما يروّج في وسائل الإعلام وما يتكرّر في خطابات الساسة في العالم. إنّها ذات التوليفة، الكلّ يبشر بفناءٍ جزئيّ لنصف سكّان وطنه، وحتى إنْ لم يكن فناءً، فهو ما يقتربُ منهُ أو يُشابهه: المرض! التمرين الاستعاري لموتٍ حقيقي.
الناس بحاجة إلى ما يُهدّىء روّعهم، ويشدّ من عزمهم، ويقوّي من صبرهم. وحدها الموسيقى من كل أجناس التصرّف بشرياً كان أم إلهياً، من عملت على إشاعة البهجة في صفوف المنفردين في بيوتهم، درءاً لخطر العدوى المحتملة، والتزاماً بفائض الحيطة والحذر.
الأديان كافةً، تعتبر الوباء غضبٌ إلهيٌ مبرمٌ، وجنديّ من جنود الإله، جاء إمّا ليُعاقب البشر، أو ليحذرهم، وكان ثمن التحذير هذا؛ موتُ الناس، وهلع المسنين، وتٌهم متبادلة باستحداث الفيروس ونشرهِ، ربما تحقيقاً، لما يراهُ اقتصادي إنجليزي اسمهُ توماس مالتوس (1766-1834)،  اعتقد في إحدى طروحاتهِ التي عُرفت بـ”النظريّة المالتوسيّة”، زعمَ فيها أنّ التفاوت الوطني والدوليّ بين الكثافة السكانيّة ووسائل العيش وأدواتهِ وإمكاناتهِ، لا يمكن ضبطه تماماً إلا بواسطة انتشار الأوبئة والمجاعات وحدوث الحروب، بغض النّظر عن البحث في الأسباب وأمداء الافتعال..
يحدثُ أنّ يقضي نصفُ البشر أو بعضهم حياتهم بالأمراض الفتّاكة والأوبئة القاتلة، ويموتُ البعض الآخر وهو خائف منها. بعض الأمراض التي لا علاقة لها بالبكتيريا، مثل: الملاريا والحمى الصفراء والصرع والسرطان.. تمثل رهانات حقيقيّة للعقل البشري، فقد نجح هذا العقل في محاصرة أو القضاء على أوبئة عدّة، إذ إنّ أغلب الأمراض المُهلكة في الفترة ما بين 1880 حتى 1900 كانت بسبب الفيروسات المتنقلة! فيما عجزَ عن غيرها إلى غاية اللحظة.

الأرواح التي لا تعبأ الحكومة البريطانية بها، ربما – بمنطق جونسون- هي أرواح المناطق التقليديّة التي تصوّت للعمّال عادةً أيّ ميدلاندز وشمال إنجلترا

الموت بالقِطع..!
لم يكن في ذهن البشر وقت انتشار الأوبئة في العصور الوسطى، مقولة باتاي:” الموت هو تعفّن الحياة”، بلّ إنّ الموت زمنذاك؛ هو الحالة القصوى لبلوغ البشر مستوى لا تتحمّل فيه المعاناة، معاناةً أخرى. ولا يحتمل الجسدُ بوصفهِ قشرةً لثلّة من الأفكار والذكريات والعقائد.. فرصةً تالية لاستعادتها بعد فقدٍ، أو تركها بعد عثور!
فقد قضى الموت الأسود أو الطاعون على 200 مليون شخص في العصور الوسطى، وقضت الإنفلونزا الموسميّة حالياً، حسب خطاب الرئيس الأميركي دونالد ترمب في بداية انتشار جائحة كورنا (كوفيد- 19)، على 80 ألف شخص بين  عاميّ2017 و2018 في أميركا وحدها. هذا الخطاب الذي جاء “مطمئناً” للشعب الأميركي، وساهياً في الآن ذاتهِ عن سؤال: كم مات من أصل كمّ عدد من أصيب! وجاء هذا كله، بعد اتّهامهِ للحزب الديمقراطي باصطناع “خدعة” كورونا من أجل التأثير على حظوظه الانتخابيّة!
والحال أنّه لا يذكّر هذا، إلا بخطاب رئيس الوزراء البريطاني بوريس جنسون حول ما يسمّى بـ”مناعة القطيع” (Herd immunity)، وبرغم من أنّها نظريّة طبيّة موثّقة، ولكن استعمالها بتلك الطريقة التي اعتمدها بوريس جونسون، ألّبت عليه الرأي العام، بسبب الأكلاف الباهظة التي تذهبُ لقاء تحقّق هذه النظريّة، وهي أرواحُ الكثير من البريطانيين. هذه الأرواح التي لا تعبأ الحكومة البريطانية بها، ربما – بمنطق جونسون- هي أرواح المناطق التقليديّة التي تصوّت للعمّال عادةً أيّ ميدلاندز وشمال إنجلترا.

****

يموتُ من البشر بسبب حوادث المرور سنوياً حوالي: 1,25 مليون إنسان، ولا يزال البشر يخاطرون بأنفسهم، مقابلة متعةٍ عُصابيّة، قوامها: الشعور بالمتعة عند اقتراف الخوف، واكتناهُ اللذة بعد اختراق المُميت!
إذن فالبشر يعيشون حرباً أهليّة من قبل وباء كورونا، كما اعتبرهم الفيلسوف الإيطالي جورجيو أغامبن كذلك، فالعدوّ – حسبه – منك وبك.
إنّهم يقتلون أنفسهم، بعد أن تجاوزوا فكرة تقسيط الموت بالمرض، فبات من المتعذّر عليهم، قهر الموتِ بالعقل، فليكنْ إذن، التسلّي بمشارفة الموت مدوارةً، ولو كان في ذلك احتمال وقوعه!
قال د. هاوس (هيو لوري) ذات مرة في المسلسل الطبي الشهير لمديرة المشفى د. كادي (ليزا إدلستين)، حين علّقت على انتحار د. كوتنر (كال بين) في الحلقة العشرين من الموسم الخامس بالقول: “إنّه متأثرٌ بطريقتك في الحياة”. ردّ هاوس:” لو كان متأثراً بيّ حقاً، لأدرك بأنّ العيش في عالمٍ قذر كهذا، أفضل من الموت فيه”.

خطط الإنقاذ..

تأتي الأزمات غالباً من غير نُذرٍ أو علامات، بيد أنّ تعيين إدارة خاصة بالطوارئ، وظيفتها فقط، تعزيز التنبؤ بالكوارث والعمل على استنطاق الإمكانيّات في مواجهتها، بات أمراً أكثر من ضرورة، لتفادي حدوث تلك الأزمات التي تأتي بغير موعدٍ أو إشارة.
يقسّم تشارلز هرمان الأزمات إلى ثلاث مناطق: منطقة المفاجأة، منطقة التهديد بنسف المقدّرات إبّان حدوث الأزمة، منطقة الوقت الضيق لاتخاذ القرارات السليمة حيال مواجهتها.

لا يمكن أبداً تصوّر الحلول الطارئة ما لم يكن هنالك خلايا بشريّة مهمتها الاستشراف والقراءة والبحث عن علاج الطارئ بالطارئ، وبشكلٍ فوري وسريع

في عالم اليوم ينبغي إضافة عنصرٍ رابع إلى مناطق هرمان وهي: منطقة استيعاب الثغرة الماليّة الناجمة عن حصول الأزمات التي يُعتقد بأنّها قصيرة الأمد، أيّ الأزمات التي تُهدّد بالانهيار الاقتصادي ولكنّها ليست بالضرورة تقود إليه تماماً. ويكون ذلك بستّ طرقٍ أقترحها على النحو التالي:

أولاً: توعية المواطنين بضرورة التخفيف من التسوّق تحت ضغط استشعار الحاجة، حتى لا يضطروا إلى شراء الفئران لطهيها زمن المجاعة المُتخيلة كما يعبّر عنهُ الألمان بمصطلح (Hamsterkauf) عن حمّى التسوّق وشراء كل شيء خوفاً من نفاد كل شيء.

ثانياً: دعم الشركات الاقتصاديّة التي تعملُ تحت رحمة الوباء، حمايةً لها من الإنفاق المتضخم نتيجة ثقل المواجهة، وحتى لا تقع في شرك الإفلاس المؤكد. فإيطاليا مثلاً خصصت ما قيمتهُ 25 مليار يورو فقط لمواجهة خطر الإفلاس المؤسسيّ، والذي نجحت في تجنّبه مبدئياً، قياساً بحجم الكارثة التي تُعانيها الآن.

ثالثا: تفعيل دور “صندوق  الإنقاذ الأوروبي”، وانشاء شبيه لهُ في البلدان العربيّة تحسّباً لـ”منطقة استيعاب الثغرة الماليّة الناجمة عن حصول الأزمات التي يُعتقد بأنّها قصيرة الأمد“، التي تحدّثت عنها آنفاً.

رابعاً: سنّ قوانين جديدة مؤقتة، حول السياسة الاقتراضيّة للسندات قصيرة الأجل، أيّ أقل من خمس سنوات، مع تأكيد قابليّتها للسداد قبل حلول أجل الاستحقاق.

خامساً: تجميد العمل بـالسندات الصفريّة، لأنّها بلا فائدة، وتحرّض المستثمر على بيعها في السوق حسب السعر المتداول. والسعر هنا مشروط بزمن الجائحة، ممّا يترتّب عنهُ سلوكيّات اقتصاديّة مكلّفة وغير قانونيّة.

سادساً: اقتطاع الفترة التي حلّت بها الجائحة من هامش الفائدة المترتبة عن الدين العام (التضامن الوطني) والدين الخارجي (التضامن الدولي).

ومن نافل القول التذكير بأنّ الأزمات التي تمرّ بالبشر في جلّها، تتّحد في التأثير على القرار السياسي والسيادي، وغالباً ما تُحال قضايا الاستقلال الوطني من المتن إلى الهامش، لذلك لا يمكن أبداً تصوّر الحلول الطارئة ما لم يكن هنالك خلايا بشريّة مهمتها الاستشراف والقراءة والبحث عن علاج الطارئ بالطارئ، وبشكلٍ فوري وسريع.

(*) كاتب ومثقف جزائري

ضيف حمزة ضيف

كاتب وصحافي جزائري

Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Premium WordPress Themes Download
Download Best WordPress Themes Free Download
udemy paid course free download