لذلك يمكننا القول إن المفاهيم الكبرى هي وليدة لحظات صراع وتحولات تاريخية. فظهرت مثلًا العدالة كأفق لتنظيم الحياة السياسية المشتركة، والحرية كاعتراض على الهيمنة والتسلط، والمقاومة كرد فعل على القهر، والدولة بمفهومها الفلسفي السياسي كصيغة للخروج من الفوضى. وبهذا الإنبلاج يكون المفهوم حدثًا فكريًا وقوة ديناميكية تتجاوز المعطى وتُعيد تعريف الممكن.
هنا تتقاطع أزمة الكرامة مع أزمة المفاهيم عمومًا؛ فكما تتحول المقاومة أحيانًا من فعل تحرري إلى هوية، يُمكن للكرامة أيضًا أن تنزلق من كونها مبدأً مفتوحًا للمطالبة إلى تمثل مغلق يستعمل لتثبيت حدود الجماعة بدلًا من توسيع أفق الإنسان. وعند هذه النقطة بالتحديد يفقد المفهوم قدرته التأسيسية لأنه يتحول من قوة نقدية إلى بنية رمزية تعيد إنتاج ذاتها. من هنا، تكمن مهمة التفكير في الكرامة في استعادة طابعها الفعلي بوصفها حدثًا أخلاقيًا وسياسيًا يقاوم كل انغلاق. ونحن نزعم أن المفهوم يظل حيًّا ما دام يفتح إمكانًا للعدالة لا بتحوله إلى هوية تتعبد لذاتها. فما يبدأ كفعل مفتوح قابل للتجدد سرعان ما يميل إلى التصلب، متحولًا من أفق للفعل إلى هوية مغلقة تُكرّر ذاتها ويُشكّل في الوقت نفسه بنية دفاعية تحرس حدوده.
***
في هذا السياق، تظهر إشكالية المفهوم حين يتحول من وسيلة إلى غاية بذاتها ومن فعل إلى هوية. فيفقد علاقته بالسؤال الذي أنشأه، وما كان في الأصل إستجابة تاريخية يصبح عقيدة فوق التاريخ، وما كان حركة يصبح بنية وما كان وعدًا يصبح تكرارًا. ويمكن ملاحظة ذلك بوضوح في التجربة السوفياتية؛ فالمشروع الذي بدأ بوصفه وعدًا بتحرير الإنسان من الاستغلال الطبقي تحول تدريجيًا إلى منظومة أيديولوجية مغلقة جعلت حماية العقيدة الثورية أولوية تتقدم على الإنسان نفسه. هنا يفقد المفهوم بعده النقدي، لأن كل مساءلة تصبح تهديدًا للبنية لا محاولة لإنقاذها. ما يجعل نقد المفاهيم إستعادة لأصلها الحي أي تحريرها من تحجرها إلى أفق الفعل الذي ولدت فيه. لأنه حين يتحول المفهوم إلى هوية مغلقة فإنه يبدأ في نفي الشرط الذي من أجله وجد.
غير أن هذا التحول لا يحدث دفعة واحدة، وإنما حين تبدأ في نسيان شروط ولادتها. حيث يتحول الفعل المؤسس إلى ذاكرة ومن ثم إلى مرجعية، والمرجعية إلى شرعية، والشرعية إلى ما يشبه القداسة التي تحصّن المفهوم ضد النقد والمراجعة. وبالتالي يصبح للمفهوم إطارًا يقيد الفعل باسم المحافظة على الأصل. هنا تكمن المفارقة، فما كان في بدايته حركة تجاوز، يتحول إلى ما يمنع التجاوز. وما ولد بوصفه اعتراضًا على الانغلاق يصبح شكلًا من أشكال الانغلاق. إذ تجمّد الهوية المفهوم في صورة مكتملة وكأن معناه قد استنفد نهائيًا. في حين أن المفاهيم الحيّة لا تعرّف بالاكتمال وإنما بقدرتها الدائمة على إعادة تعريف نفسها.
بهذا المعنى، عندما يُساء استعمال المفهوم يتحول التكرار فيه إلى مصدر شرعية، فيولّد وهم الثبات ويصبح الحفاظ على المفهوم أهم من الغاية ويتحول الفعل إلى هوية. ولعل أخطر ما في هذا التحول أنه يحدث غالبًا باسم الوفاء للأصل ولكنه في عمقه انفصالًا عنه. إذ أن الوفاء للفكرة لا يكون بتكرارها وإنما بتجددها. لأن الفكرة التي تعجز عن مراجعة أدواتها تتحول تدريجيًا إلى أثر من آثار نفسها. وما يفقد المفهوم ليس الهزيمة وإنما ادعاء الاكتمال. فالأفكار أو المفاهيم تموت أقل حين تهزم وأكثر حين تتوقف عن مساءلة نفسها.
من هنا يبدأ مأزق المفاهيم ومنها الكرامة عندما تتحول إلى هويات ترى في النقد تهديدًا، وفي التحول خيانة، وفي التجديد انحرافًا. وعند هذه النقطة لا يعود المفهوم ينتج معنى جديدًا وإنما يستهلك رصيده الرمزي. غير أن هذه الحركة ليست استثناءً بل تكاد قانونًا عامًا في تاريخ المفاهيم. وقد نبّه ميشال فوكو إلى هذا الانزلاق حين أشار إلى أن كل خطاب مهما كان تحرريًا يحمل في طياته قابلية التحول إلى نظام من الضبط. فتكمن المشكلة في داخل الخطاب نفسه حين يبدأ في حماية ذاته ويحرّم مساءلته. وعليه يبدأ مأزق الكرامة حين تنفصل عن الإنسان وتتحول إلى مفهوم تعبوي مجرد. فتنزلق الكرامة من كونها دفاعًا عن الإنسان إلى وسيلة لتبرير السلطة عليه باسم “كرامة الأمة” أو “كرامة الجماعة” أو “كرامة القضية”. فيصبح المطلوب من الفرد أحيانًا التضحية بحريته أو حياته أو حقه في النقد باسم الحفاظ على كرامة لم يعد يملك حق تعريفها أصلًا.
غير أن أخطر ما في هذا التحول يظهر في مستوى العلاقة بين الوسيلة والغاية، فيصبح السؤال كيف نحافظ على ما نحن عليه لا ما الذي نريده؟ لأن الخطر الحقيقي ليس بالهزيمة التي قد تصيب المفاهيم وإنما العجز عن الاعتراف بتحول الشروط التي منحتها معناها. ذلك أن الهزيمة في معناها العميق هي لحظة وعي، أما الاستمرار دون مراجعة نقدية فهو شكل من أشكال الجمود المقنّع. من هنا لا يكون التحدي الحقيقي في الحفاظ على المفهوم وإنما في قدرته على إعادة ابتكار أدواته. فكل مفهوم يفقد علاقته بالابتكار يفقد علاقته تدريجيًا بالواقع وحين يعجز عن إنتاج أدوات جديدة يبدأ في استهلاك أدواته القديمة حتى تتحول إلى عبء عليه.
***
كيف تفقد الكرامة معناها الإنساني عندما تتحول إلى خطاب رمزي منفصل عن شروط تحققها الواقعي؟ وكيف تتحول الكرامة نفسها إلى أداة قمع أو إلى شعار فارغ؟
تنبثق الكرامة بوصفها استجابات لصراعات الإنسان ضد الإقصاء والعنف والهيمنة، حيث لم تكن الكرامة في أصلها مفهومًا معياريًا مجردًا وإنما تعبيرًا عن مطلب الاعتراف بالإنسان بما هو غاية لا وسيلة، وما هو غير قابل للاختزال في القوة أو المنفعة أو الهوية المغلقة. إذًا، ليست الكرامة فكرة مجردة أو زينة خطابية وإنما هي تجربة وجودية ملموسة. أي أن الإنسان لا يشعر بكرامته لأنه يسمع عنها، هو يعيشها فعليًا في شروط حياته اليومية، كالأمان، والحرية، وفي القدرة على التعبير، وعدم الخوف، وفي العدالة، وفي عدم إذلاله اقتصاديًا أو سياسيًا أو اجتماعيًا. هي واقع يُمارس لا قيمة مجردة تُعلن، إذ أنها شرطًا وجوديًا سابقًا على كل انتماء. في هذا المعنى تصبح الكرامة شكلًا من أشكال المقاومة المفهومية نفسها، مقاومة لكل ما يحوّل الإنسان إلى موضوع للسيطرة أو أداة داخل أنساق السلطة. ولهذا ارتبط هذا المفهوم تاريخيًا بتحولات كبرى، من فكرة القيمة الإنسانية إلى نضالات التحرر حيث أصبحت اسمًا للمطالبة بالعدالة والاعتراف معًا. ولكن ما يبدأ بوصفه أفقًا تحرريًا مفتوحًا يتحول تحت وطأة التمركز الهوياتي أو الاستخدام الأيديولوجي إلى شعارٍ مكتفٍ بذاته أو إلى قيمة مجردة منفصلة عن الفعل الذي أنشأها. من هنا، تكمن خطورة تحول الكرامة إلى هوية أيديولوجية في أنها تفقد طابعها الإنساني لتصبح مرتبطة بمنطق الإنتماء والولاء، وتتحول إلى امتياز تمنحه الجماعة لمن تعتبره ممثلًا لها أو منسجمًا مع صورتها عن ذاتها. وبالتالي تصبح أداة لإعادة إنتاج الحدود بين من يستحق الاعتراف ومن يجرّد منه. ولعل الثورة الفرنسية تمثل أحد أبرز النماذج التاريخية لهذا التحول؛ إذ انطلقت بوصفها ثورة على الامتيازات والهيمنة باسم الحرية والكرامة والمواطنة، لكنها ما لبثت أن دخلت في مرحلة أصبح فيها الحفاظ على الثورة نفسها مبررًا للعنف والإقصاء. فتحول المفهوم التحرري من أفق مفتوح إلى بنية تحرس ذاتها باسم الشرعية الثورية، وكأن الخطر ينظر إليه باعتباره تهديدًا للهوية الجديدة للثورة. عندها تختزل الكرامة في خطاب تمجيدي أو في هوية مغلقة بدلًا من أن تبقى مبدأ نقديًا يعترض على الظلم ويعيد مساءلة البنى التي أنتجته.
***
تظهر أخطر أشكال أزمة الكرامة حين تتحول من غاية أخلاقية تهدف إلى حماية الإنسان إلى غلاف رمزي يبرر استمرار القمع، ويصبح استدعاء الكرامة وسيلة لإخفاء غيابها الواقعي. فكلما تراجعت شروط العيش الكريم ارتفع منسوب الخطاب عنها، وكأن اللغة تحاول تعويض ما يفقده الواقع. عندها تتحول الكرامة إلى صورة خطابية أكثر منها تجربة إنسانية، ويصبح تمجيدها المتكرر مؤشرًا على هشاشتها لا على تحققها. وهنا تصبح اللغة نفسها جزءًا من آلية الإخفاء، بحيث يطلب من الإنسان التصفيق لكرامته النظرية في الوقت الذي يفقد فيه حقه في الأمان أو الحرية أو العدالة.
فلا تتحقق الكرامة بمجرد تحويلها إلى شعار أخلاقي أو سياسي، لأنها ليست قيمة رمزية معلقة فوق الواقع وإنما هي شرطًا وجوديًا يتجسد في طريقة عيش الإنسان وعلاقته بالعالم والسلطة والآخرين. فلا معنى للحديث عن الكرامة في ظل الخوف الدائم أو الجوع أو القمع أو انعدام القدرة عن التعبير. إذ لا يمكن فصل الكرامة عن شروط الحرية والأمان والاعتراف والحقوق لأنها اعتراف فعلي بإنسانية الإنسان.
وأخيرًا ربما تكون اللحظة الأكثر وفاءً لأي فكرة أو مفهوم ومنها مفهوم الكرامة هي تلك التي يعترف فيها ولو ضمنيًا بأن شروطها الأولى قد تبدلت وأن استمرارها لا يمر عبر التكرار. فالمطلوب اليوم ليس هدم المفاهيم وإنما انقاذها من ادعاء اكتمالها، وليس المطلوب استبدال المفاهيم بل إعادة فتحها على إمكانات لم تستنفد بعد. ولعل التحدي الأعمق يكمن في القدرة على التفكير بما لم يفكر فيه بعد. هناك تستعيد المفاهيم معناها كأفق يُفتح، فالمفاهيم لا تنتهي فقط حين تهزم وإنما حين تتحول إلى يقين مغلق يعجز عن الإصغاء لتحولات العالم.
