في هذا المعنى، لا يبدو وقف إطلاق النار نهايةً لمرحلة بقدر ما هو اختبار لما تبقى من معنى الدولة، وحدود قدرتها على احتكار القرار في لحظة يفترض أنها لحظة سيادة. هنا يعود السؤال الكلاسيكي: من يُقرّر في اللحظة الحاسمة؟
وعلى الرغم من سهولة الجواب، إلا أنّه في الحالة اللبنانية تكمن الصعوبة في تعدّده. غير أنّ اختزال المشهد في سؤال السيادة وحده قد يعيدنا إلى الدائرة ذاتها التي طالما دارت فيها الكتابات عن لبنان. لذلك، ربما الأجدر أن نقرأ هذه اللحظة من زاوية أخرى، لا بوصفها أزمة قرار، بل بوصفها أزمة معنى. ماذا يعني أن يتوقّف العنف من دون أن يتأسس السلام؟ وأي شكل من السياسة يمكن أن ينبثق من هدنة لا تعيد تعريف العلاقة بين الفاعلين بقدر ما تؤجل صدامهم؟

هنا، يغدو وقف إطلاق النار أقل دلالة على نهاية، وأكثر إشارة إلى فراغٍ لم يُملأ بعد – فراغٍ يفتح المجال أمام إعادة التفكير في السياسة لا كإدارةٍ لموازين القوى، بل كمسؤولية تجاه الآخر. وعلى جانب آخر، فإن الحديث عن “أزمة معنى” لا يراد به توصيفٌ تجريديٌ بقدر ما هو تشخيص لنقطة العطب الأكثر عمقًا في التجربة اللبنانية. حيث تكمن المشكلة في غياب أفقٍ يُضفي على الفعل السياسي مشروعيته من خارج منطق القوة ذاته لا في تعدّد مراكز القرار أو في هشاشة البنى المؤسسية. ذلك أنّ السياسة، حين تُختزل في إدارة التوازنات، تفقد قدرتها على إنتاج معنى مشترك، وتتحوّل إلى مجرّد تأجيلٍ دائم للصدام.
من هنا، قد يكون من الضروري قلب السؤال بدل البحث في شروط إعادة بناء الدولة انطلاقًا من السيادة، لماذا لا يُطرح الأمر من زاوية مغايرة، أي من زاوية المسؤولية؟ ليس باعتبارها قيمة أخلاقية مضافة إلى السياسة، بل كشرط إمكانها الأول. في هذا الأفق، يتيح لنا إعادة ترتيب العلاقة بين الذات والآخر، حيث لا تقوم السياسة على التماثل أو التوازن، بل على انكشاف الذات أمام مطالبة الآخر التي تسبق كل تعاقد وكل شرعية. وبهذا المعنى، تصبح مسألة وقف إطلاق النار اختبارًا لإمكانية الانتقال من منطق الاعتراف المتبادل بالقوة إلى منطق الاعتراف بالآخر كأولوية أخلاقية. فالدولة، في أحد وجوهها العميقة، ما هي إلا إطارٌ يُعاد ضمنه تعريف العلاقة بين الأفراد على أساس من المسؤولية لا العداء.
غير أنّ هذا التحوّل ليس يسيرًا كما يظن البعض. إذ يفترض، قبل أي إصلاح مؤسساتي، إعادة النظر في تصوّر الهوية ذاته، هل تُبنى الهوية على الانغلاق والخوف من الآخر، أم على القدرة على تحمّل حضوره؟ هنا تحديدًا، تتبدّى حدود كل محاولة لبناء دولة من دون إعادة تأسيس أخلاقي، لأنّ غياب هذا البعد يُحوّل المؤسسات إلى هياكل فارغة، قابلة للاستخدام ضمن أي منطق صراعي جديد.
إذا كان وقف إطلاق النار قد أتاح لحظةً للتفكير خارج إكراهات العنف، فإن التحدّي الحقيقي لا يكمن في تثبيت الهدنة بقدر ما يكمن في تحويلها إلى أفقٍ يُعاد ضمنه تعريف ما نعنيه بالسياسة ذاتها. فتظل المسؤولية تجاه الآخر، على ضرورتها، خطوة أولى ما لم تترجم إلى مبدأ قادر على تنظيم الفضاء المشترك وإعطائه معيارًا يتجاوز توازنات القوة.
من هنا، تبرز العدالة بوصفها الأفق الذي يمكن أن تتأسس عليه الدولة، لا باعتبارها جهازًا يطبق القواعد، بل باعتبارها شرطًا لإمكان قيام قواعدٍ عادلة أصلًا. هذا التحوّل يستدعي تجاوز الفهم الإجرائي للعدالة نحو تصورٍ أقرب إلى ما بلوره جون رولز في نظريته حول “العدالة كإنصاف”، حيث لا تُبنى الشرعية على الغلبة، بل على إمكانية قبول القواعد من قبل الجميع ضمن شروطٍ متكافئة.
غير أنّ العدالة، بهذا المعنى، تتأسّس على المسؤولية وتعيد صياغتها في مستوى مؤسساتي. فلا معنى لأي نظامٍ سياسي إذا لم يظل مفتوحًا على مطالب الآخر التي تتجاوز كل تقنين نهائي. وبذلك، تصبح العدالة شكل من أشكال استمرارية الأخلاق في شكلٍ عمومي يحدّ من انزلاق السياسة نحو العنف.
وعليه، فإنّ الخروج من منطق “وقف إطلاق النار” إلى أفق الدولة يمرّ بالضرورة عبر تأسيس عقدٍ ضمني جديد، قاعدته أنّ العيش المشترك لا يُدار بالخوف المتبادل، بل بإمكان الثقة المنظمة. عند هذه النقطة فقط، يمكن للهدنة أن تتحوّل من مجرّد انقطاعٍ في العنف إلى بداية معنى، ومن حدثٍ عابر إلى لحظة تأسيس.
