بين لاهوت الحرب.. وأنطولوجيا الصراع

ليس من الصعب ملاحظة شكل الحروب في منطقتنا التي كثيرًا ما تظهر بلبوس ديني، كالشعارات العقائدية، وخطابات التعبئة الطائفية، واستدعاء الهويات الدينية. ففي كل مرة تندلع فيها حرب يتقدم الدين إلى الواجهة، وكأننا أمام صراع ديني خالص تتواجه في الجماعات بإسم الحقيقة المطلقة. غير أن هذا الإنطباع، على قوته، قد يكون مضللًا بقدر ما هو ظاهر. فهذه الحروب التي تخاض بلغة الدين لا تعني بالضرورة انبثاقها عن رحمه.

يتحول الدين غالبًا، في سياق النزاعات، إلى أداة تعبير يتم  استخدامه لتأطير الصراع وشحن العواطف وإضفاء شرعية على العنف. لكنه في الوقت نفسه لا يفسر لماذا تنشب الحروب ولماذا لا تستمر. فخلف هذا الغطاء الرمزي، تتشكل صراعات أعمق تتعلق بكيفية فهم الإنسان لذاته، وللآخر، وللمجتمع الذي ينتمي إليه. فهل الدين هو سبب الصراع، أم مجرد لغة ظاهرة؟ وهل نحن أمام نزاعات دينية فعلًا، أم أمام صراعات فكرية تتخفى داخل الرموز الدينية؟

في العمق، ما يظهر كصراع ديني هو، في كثير من الأحيان، تعبير عن تنازع أعمق بين تصورات مختلفة للوجود السياسي والأخلاقي، بين الإنسان ككائن منفتح على الآخر ومن يختزله داخل حدود هوية مغلقة، وبين من يفهم الدولة كفضاء للمواطنة ومن يُحوّلها إلى امتداد لجماعة عقائدية، وبين من يجعل من الأخلاق أفقًا للعلاقة ومن يُوظّفها كأداة للإقصاء. هنا لا يعود الدين إلا لغة من لغات الصراع؛ لغة قوية ومؤثرة لكنها ليست الأصل، إذ يكمن الأصل في البنى الفكرية التي تحدد معنى الإنتماء، وحدود الإختلاف، ومشروعية العنف. وعندما تتحول هذه البنى إلى يقينات مغلقة يصبح الآخر تهديدًا لا شريكًا، وتغدو الحرب نتيجة شبه حتمية.

خطورة الوضع تكمن في تحويل الدين إلى أداة ضمن أنظمة فكرية تنتج الإقصاء وتنشر العنف. لذلك لا يكفي نزع الطابع الديني عن الصراع وإنما يجب تفكيك البنى التي تجعله يبدو ضروريًا ومطلقًا

في هذا السياق، لا تكفي مقولة “الحرب الدينية” لتفسير ما يجري، كما لا يكفي نفي البعد الديني كليًا. فالمسألة هنا أعقد من ذلك، حيث أننا أمام تداخل بين السياسي والفكري، وبين الرمزي والأنطولوجي، حيث تتحول النزاعات إلى فضاءات لإعادة إنتاج المعنى والهوية، لا مجرد صراعات على السلطة أو الموارد.

حين يتحول الفكر إلى أداة هيمنة

غالبًا ما ينظر إلى الفكر بوصفه مجالًا محايدًا للتأمل والسعي إلى الحقيقة. ولكن يتهاوى هذا التصور حين ندرك تحول الفكر نفسه إلى أداة هيمنة تنظم العالم وفق رؤية واحدة، وتُحدّد ما يعتبر حقيقة ومن يملك حق النطق بها.

هنا ترتبط المعرفة بالسلطة، حيث يحمل كل نظام معرفي في داخله آليات إقصاء وتوجيه. فلا يصف الفكر الواقع بما هو عليه، بقدر ما يساهم في إنتاجه وفي رسم حدوده. فيعاد توظيف الفكر لإنتاج سرديات مهيمنة تضفي الشرعية على العنف وتقصي كل قراءة بديلة. وهكذا، يمكننا القول أن هناك عنفًا رمزيًا يسبق العنف، يتمثل في فرض معنى واحد للعالم وإغلاق إمكانيات التأويل.

تحويل الصراع السياسي إلى صراع مقدس

غالبًا ما تنشأ الصراعات من تناقضات سياسية، إن كان في شكل صراع على سلطة أو نفوذ أو موارد أو إعادة توزيع القوة داخل المجتمع. غير أن هذه الصراعات تعاد صياغتها ضمن خطابات يُضفى عليها طابعًا مقدسًا. عندها يحدث التحول من نزاع قابل للتفاوض إلى صراع مطلق لا يقبل التسوية. فحين يُقدّم الصراع بوصفه “حقًا إلهيًا” أو “واجبًا عقائديًا” يُستبدل منطق السياسة القائم على التفاوض والمصلحة، بمنطق لاهوتي يحول الصراع إلى صراع ما بين الحق والباطل. في هذه اللحظة، يتحول الخصم إلى تهديد وجودي لا مجرد طرف سياسي. وهكذا يُرفع الصراع إلى مستوى يتجاوز التاريخ ويُنزع عنه طابعه الإنساني ليصبح جزءًا من سردية مطلقة تغلق باب الحل، لأن المقدس بطبيعته لا يساوم عليه.

يتجلى هذا التحول بوضوح في الحالة اللبنانية، حيث أعادت الحرب الأهلية إنتاج الإنقسام السياسي داخل سرديات هوياتية ذات طابع شبه مقدس؛ فجعلت الإنتماء الطائفي يتقدم على الإنتماء السياسي وحوّّل الخصومة إلى اختلاف وجودي لا مجرد خلاف على إدارة الدولة.

ولكن لا يكتمل باب الصراع المقدس إلا عبر إعادة تشكيل هوية جماعية، لأن استمرار النزاعات يتطلب بشكلٍ أو بآخر سردية واضحة تفصل بين نحن/هم، بوصفها تعارضًا جوهريًا. في هذا السياق، يعاد تعريف العالم عبر ثنائية حادة بحيث يصبح الصراع ليس وفق اختلاف سياسي بل على معنى الإنسان ذاته، من هو؟ ومن يملك حق تمثيل الحقيقة؟

في السياق نفسه، تظهر أيضًا التجربة اللبنانية استمرارية الثنائيات الهوياتية بعد توقف الحرب، حيث ظل هذا الـ نحن/هم يعيد إنتاج نفسه داخل البنية السياسية والإجتماعية بشكل يجعل التعددية السياسية رهينة توازنات هوياتية أكثر مما هي اختيارًا مدنيًا.

تبدو الحالة اللبنانية مثالًا دالًا على أن الخروج من الحرب لا يعني بالضرورة الخروج من منطقها، ما دامت البنى الفكرية والهوياتية التي أنتجتها ما تزال فاعلة في إعادة تشكيل العلاقة مع الآخر. فإذا كانت النزاعات في المنطقة تبدو دينية في ظاهرها، فإن التجارب المتكررة تظهر صراعات فكرية وأنطولوجية تتعلق بالهوية والمعنى والسلطة

أنظمة الصراع

إقرأ على موقع 180  عون وجنبلاط.. للبحث صلة

يتجاوز الصراع مستوى الخطاب ليترسخ داخل ما يمكن تسميته “أنظمة الصراع”، أي البنى التي تعيد إنتاج العداء بشكل مستمر. داخل هذه الأنظمة، يتم تموضع الآخر داخل وظيفة واحدة، هي التهديد الوجودي. ولكن يبقى هذا الاختزال شرطًا لاستمرارية بنية الصراع نفسها! فالأنظمة القائمة على التوتر غالبًا ما تحتاج إلى عدو دائم، فيصبح الإستقطاب جزءًا من بنية الدولة لا مجرد حالة طارئة. ومع مرور الوقت تتكون ما يمكن تسميته “انطولوجيا أمنية” يراد به تعريف الوجود من خلال منطق الخطر. فيصبح السؤال: إلى أي مدى يشكل الآخر تهديدًا؟

وهنا أيضًا تبرز الحالة اللبنانية كنموذج واضح لما يمكن تسميته “استمرار أنطمة الصراع بعد الحرب” حيث لا يقاس انتهاء العنف بانتهائه المادي فقط، وإنما بقدرة البنى السياسية والإجتماعية على تجاوز منطق التهديد المتبادل. فحتى في ظل غياب الحرب المباشرة، يبقى الآخر محمّلًا بإمكان التهديد داخل نظام سياسي يعيد إنتاج التوازن على أساس الهويات لا على أساس المواطنة.

وبناءً على ما تقدم يعاد تشكيل الهوية – عند تقديس الصراع – على أساس إقصائي، فيصبح العنف قابلًا للتبرير وشكلًا ضروريًا للبقاء. فالمطلق، بحكم تعريفه، لا يقبل التعدد، ومن يدعي امتلاكه يرى في الدفاع عنه واجبًا عقائديًا.

في هذا السياق، يعاد تعريف العنف بوصفه دفاعًا عن الحق أو واجبًا مقدسًا، فينزع عنه طابعه الإجرامي ويعاد إدخاله في منظومة أخلاقية تضفي عليه الشرعية. غير أن المفارقة تكمن في أن هذا المطلق الذي يفترض أن يكون مصدرًا للأخلاق، يتحول إلى أداة لتبرير انتهاكها. والأخطر أن هذه الشرعنة تغلق أفق النقد، إذ تصبح مساءلة العنف نفسها مساءلة للمقدس، ويدخل المجتمع في دائرة مغلقة يعاد فيها إنتاج العنف باسم قيم يفترض أنها ترفضه.

من لاهوت الحرب إلى أخلاقيات الصراع

من هنا تبدو الحالة اللبنانية مثالًا دالًا على أن الخروج من الحرب لا يعني بالضرورة الخروج من منطقها، ما دامت البنى الفكرية والهوياتية التي أنتجتها ما تزال فاعلة في إعادة تشكيل العلاقة مع الآخر. فإذا كانت النزاعات في المنطقة تبدو دينية في ظاهرها، فإن التجارب المتكررة تظهر صراعات فكرية وأنطولوجية تتعلق بالهوية والمعنى والسلطة. فالدين يعمل كلغة تترجم عبرها توترات أعمق في بنية الفكر والمجتمع.

بيد أن خطورة الوضع تكمن في تحويل الدين إلى أداة ضمن أنظمة فكرية تنتج الإقصاء وتنشر العنف. لذلك لا يكفي نزع الطابع الديني عن الصراع وإنما يجب تفكيك البنى التي تجعله يبدو ضروريًا ومطلقًا.

فلا يتم الخروج من “لاهوت الحرب” إلا عبر إعادة بناء أخلاقيات للصراع تعترف بالآخر كشريك في إنتاج المعنى. فيبنى المستقبل من خلال اعتراف متبادل يعيد للسياسة بعدها الإنساني وللفكر تواضعه وللصراع حدوده الممكنة.

Print Friendly, PDF & Email
يوسف أيوب

كاتب وأكاديمي لبناني

Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  "اليوم التالي" إسرائيلياً .. ماذا حلّ بالدولة والمجتمع؟