نضال خالد, Author at 180Post - Page 2 of 9

801-4.jpg

لم تكن الطاعة الشامية يومًا سمة ثابتة في المجتمع السوري، بقدر ما كانت نتيجة مباشرة لتحولات الدولة نفسها، من الإمبراطورية إلى الدولة الأمنية ثم إلى زمن التفكك والحرب. فدمشق، عبر تاريخها الطويل، لم تكن مجرد عاصمة تتبدل فيها أنظمة الحكم، بل مركزًا لإنتاج السلطة وإعادة تعريف العلاقة بين المجتمع والدولة في كل مرحلة تاريخية.

800.png

في لبنان لا يظهر العفو العام كاستثناء قانوني، بل كدليل على خلل أعمق في طريقة عمل الدولة نفسها. فهي دولة لا تُنتج العدالة بوصفها قانوناً عاماً نافذاً، بل كصفقة سياسية تُعاد صياغتها كل مرة تحت ضغط التوازنات. وما يُطرح بوصفه حلاً إنسانياً للاكتظاظ أو التعطّل القضائي، يكشف في العمق نظاماً تصبح فيه العدالة قابلة للتجزئة والتأجيل والتفاوض، حتى تفقد معناها كمعيار ملزم.

813.jpg

لم يأتِ التحوّل في بنية التمثيل السياسي السنّي في لبنان من فراغ، ولم يكن مجرّد نتاج كاريزما فرد أو ظرف عابر، بل جاء نتيجة مسار الدولة بعد اتفاق الطائف، ونتاج تزاوجٍ معقّد بين إعادة هندسة النظام السياسي وصعود المال السياسي بوصفه لغة الحكم الجديدة.

saad_hariri8.jpg

منذ قيام دولة لبنان الكبير في العام 1920، بدت تجربة العمل الحزبي عند المسلمين السنّة مختلفة عن باقي الطوائف اللبنانية. فالسنّة، بخلاف الطوائف التي بنت أحزابًا عقائدية أو تنظيمات مغلقة، ظلّوا أقرب إلى الزعامة التقليدية اللبنانوية أكثر من اقترابهم من فكرة النواة الحزبية الصلبة. وهكذا تنقلوا من تجارب آل الصلح وسلام وكرامي في مرحلة ما بعد الاستقلال إلى تجربة آل الحريري في مرحلة ما بعد الطائف، مروراً بتجارب طغى عليها العنوان القومي من دون اغفال ظاهرة الإسلام السياسي بمسمياتها العديدة (جماعة، أحباش إلخ..).

800-23.jpg

لم يتوقف المطر الربيعي على غير عادته. الشارع يلمع تحت ضوء المصابيح المنعكسة على الحفر والمياه. مقهى على أول الطريق، يبدو مصممًا للجلوس الطويل، للحديث الممتد بلا توقف، حيث يتحول كل شيء إلى فضاء للنقاش والخيال، وتتباطأ الحياة قليلًا، حتى لو كان العالم يُسرع من حولك.

11111111.jpg

لم يعد من الممكن قراءة التجربة اللبنانية من زاوية الانقسام الطائفي بوصفه أزمة قابلة للإدارة أو الاحتواء. فبعد ما يقارب أربعة عقود على اتفاق الطائف، تبدّل موقع المشكلة داخل بنية النظام نفسه، لم يعد السؤال كيف يُدار الانقسام، بل كيف تحوّل هذا الانقسام إلى القاعدة التي يقوم عليها النظام.

780-8.jpg

لا تتحرك إيران والدول العربية ضمن نظام إقليمي مشترك، بل داخل عالمين متوازيين من التصورات والمفاهيم. كل طرف يمتلك لغة مفاهيمية خاصة به، تُحدّد ما هو الإقليم، وما الذي يُعد تهديدًا، وما الذي يعنيه الأمن أو السيادة. بناءً على ذلك، نحن أمام اختلاف في تعريف المصالح نفسها، وهذا ما يُفسّر كيف يمكن للفعل ذاته أن يُقرأ بطرق متناقضة تمامًا: ما تعتبره إيران إجراءً دفاعيًا مشروعًا، تراه الدول العربية تهديدًا لبنية النظام الإقليمي، والعكس صحيح في العديد من الحالات.

787.jpg

في جنوب لبنان، لا تُقاس السياسة ببيانات الدولة ولا بخرائط الحدود، بل بقدرتها على التكيّف مع واقع يتجاوزها. هنا، يتداخل الاستثناء مع القاعدة، ويتحوّل السلاح من أداة مرحلية إلى جزء من بنية مستمرة، فيما تعجز الدولة عن حسم تعريف سيادتها. بين مقاومةٍ تنتج شرعيتها، ودولةٍ تسعى إلى استعادتها، يتكرّس نموذج لبناني فريد: استقرارٌ قائم على اختلال، وسيادةٌ تتقاسمها قوى متعددة.

800-16.jpg

نشر موقع 180 بوست مقالة للزميل مالك أبو حمدان بعنوان "لبنان.. بأيّ مُعجزة نعيشُ "سويّاً"؟" طرحت أسئلة حول الرمزيات الجامعة، وخلص فيها إلى المقارنة بين تضحيات المقاومين وما يعتبره تناقضاً في سلوك سلطة سياسية تذهب إلى التفاوض مع العدو الإسرائيلي في لحظة مواجهة، ما يخلق مشهداً سوريالياً يفصل بين من يدفع كلفة الصراع ومن يقرّر مساره. وفي جوهر النص، يطرح إشكالية أخلاقية عميقة: كيف يمكن تبرير هذه السياسات للأجيال الجديدة، من دون أن تتحوّل إلى “كذبة” تُقوّض فكرة العيش المشترك في لبنان؟