النظام الايراني Archives - 180Post

800-13.jpg

ومن هنا يعود السؤال، لا بوصفه تمريناً نظرياً بل كاختبار فوري للمنطقة: هل هذه المحادثات الأميركية الإيرانية في عُمان بداية مسار يكبح الانزلاق إلى حرب مفتوحة، أم أنها محطة تكتيكية ضمن صدام استنزافي طويل جرى الإعداد له منذ حرب الـ12 يوماً في حزيران/يونيو 2025؟ فالمفاوضات، على عكس ما اعتاده العالم في جولات سابقة، لا تُدار في ظل خوفٍ من حرب مقبلة فقط، بل في ظل ذاكرة حربٍ حدثت بالفعل.

ذلك أن ما يجري الآن لا يشبه في جوهره مفاوضات فيينا التي أفضت إلى اتفاق 2015. يومها كان الخلاف يدور حول حدود برنامج نووي يمكن احتواؤه عبر نصوص وآليات تفتيش. أما اليوم، فتجلس واشنطن وطهران- ولو عبر غرف منفصلة ووسطاء عُمانيين- وكلتاهما تحمل في ذاكرتها القريبة ضربة أميركية مباشرة على منشآت نطنز وفوردو وأصفهان ضمن عملية “ميدنايت هامر” خلال الحرب الإيرانية–الإسرائيلية في حزيران/يونيو 2025. كانت تلك أول هجمة أميركية على الأراضي الإيرانية منذ 1988، ولذلك تبدو هذه الجولة أقرب إلى “مفاوضات ما بعد أول اختبار ناري واسع” منها إلى تفاوضٍ وقائي قبل الانفجار.

ومع استئناف المحادثات، تُكرّر إدارة دونالد ترامب علناً هدفاً صارماً: “صفر قدرة نووية” لإيران. غير أن تفاصيل المسرح- الأسماء، والإشارات، والحضور العسكري- تلمّح إلى أن واشنطن لا تتعامل مع مسقط بوصفها مجرد غرفة لتعديل بنود تقنية. فالمفاوض الرئيسي ستيف ويتكوف ليس وجهاً تقليدياً من وجوه الدبلوماسية الأميركية، وإلى جانبه يظهر جاريد كوشنر في صيغة تستعيد ملامح سياسة خارجية تمزج بين البيت الأبيض والدائرة الضيقة ورجال الأعمال. ثم تأتي الرسالة الأشد وضوحاً حين ينعكس ظل المؤسسة العسكرية أو “القوة الصلبة” على المشهد: حضور قائد القيادة البحرية الأميركية في الشرق الأوسط، الأدميرال براد كوبر، إلى عُمان بالتزامن مع جولات التفاوض غير المباشرة، في ما بدا أنه تذكير بأن الطاولة محاطة بمدى نيران الأسطول الأميركي المنتشر حول إيران، وبأن حاملة الطائرات “أبراهام لينكولن” الراسية في بحر العرب ليست تفصيلاً بعيداً عن المشهد التفاوضي.

وبالتالي، لم يعد الحديث الأميركي ينحصر في الملف النووي وحده، إذ تتسع المطالب لتشمل الصواريخ الباليستية والنفوذ الإقليمي، حتى لو قُدّمت تحت عنوان “اتفاق أكثر شمولاً”. لكن إدخال هذه الملفات دفعة واحدة إلى غرفة مثقلة بانعدام الثقة المتراكم يجعل من مسقط اختباراً لإستراتيجية أوسع: استخدام التحصين العسكري والتفوّق الجوي والصاروخي كرافعة تفاوضية، لا كأداة ردعٍ صامتة فحسب.

في المقابل، تدخل إيران المفاوضات بتركيز مختلف. فهي تبدو أقل اهتماماً بما يمكن أن تحصده فوراً، وأكثر انشغالاً بما تريد أن تمنع حدوثه: ضربة ثانية على شاكلة “ميدنايت هامر”، أو توسّع الحرب المحدودة إلى حرب شاملة تستهدف بنية النظام نفسه. ولذلك تُشدّد طهران منذ البداية على حصر الأجندة في “الملف النووي” واستبعاد الصواريخ والنفوذ الإقليميي من النقاش. وحين وصف وزير الخارجية عباس عراقجي الجولة الأخيرة بأنها “بداية جيدة”، ربط أي خطوة لاحقة بالتشاور مع “العواصم”، في تلميح إلى أن قرار الذهاب بعيداً في التسوية لا يتخذه وحده، بل يمر عبر مركّب أوسع يضمن مشاركة مروحة من صانعي القرار ولا سيما مكتب المرشد.

ثم إن إيران تصل إلى مسقط وهي أضعف مما كانت عليه قبل حزيران/يونيو 2025: منشآتها النووية الأساسية تلقت ضربة قاسية، والاقتصاد يرزح تحت عقوبات مشددة وجولة جديدة من القيود على صادرات النفط و“أسطول الظل” من الناقلات، فيما تركت الاحتجاجات الداخلية وما رافقها من قمع دموي أثراً على شرعية النظام في عيون جزء من قاعدته. ومع ذلك، لا يتحول الضعف دائماً إلى مرونة؛ ففي كثير من الأحيان يتحول إلى تصلّب دفاعي. فالنظام الذي يشعر بأنه محاصر خارجياً ومربك داخلياً يصبح أكثر حساسية لأي تنازل يمكن أن يُقرأ “إهانة” أمام جمهوره أو نخبه الأمنية. ومن هنا يبرز الإصرار على “المحادثات غير المباشرة” وعلى وسيطٍ تُعدّ عُمان فيه، بحكم خبرتها الطويلة، أرضاً أكثر أماناً نفسياً وسياسياً، ومثلهما الإصرار على حصرية الملف النووي.

وميزة الإيراني أنه يُتقن لعبة الوقت. في عقله الباطني، يسعى إلى تحويل الوقت من عبء إلى فرصة أو أداة قوة. حِرفةٌ تشي بالدهاء والمناورة. وظيفة الوقت تحسين شروط المفاوض الإيراني واوراقه من جهة واستنزاف الخصم من جهة ثانية. العبرة في أن يُدار الزمن بحرفة وذكاء فيكون مردروه أقوى من السلاح نفسه.

غير أن التفاوض هنا لا يمكن فصله عن التحول العسكري الذي شهده الشرق الأوسط في العام الأخير. فالولايات المتحدة أعادت هندسة تموضعها من قواعد واسعة مكشوفة إلى ما يمكن وصفه بتحصين جيومكاني عبر نشر منظومات (THAAD) و(Patriot PAC‑3) ودمجها ضمن مظلة دفاع صاروخي تمتد من الخليج إلى شرق المتوسط وصولاً إلى غرب آسيا ووسطها. وفي الوقت نفسه، تمركزت “أبراهام لينكولن” ومجموعتها الهجومية في بحر العرب خارج عنق زجاجة مضيق هرمز، لتقليل قابلية الاستهداف وتعظيم زمن الإنذار، وهو ما عكسته حادثة إسقاط مقاتلة (F‑35) لمُسيّرة إيرانية قرب الحاملة الأسبوع الماضي.

وبينما تُشدد واشنطن قبضتها الدفاعية، تُواصل طهران تطوير ترسانتها من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، وتُبقي شبكتها الإقليمية – من الحوثيين إلى الفصائل العراقية وحزب الله – كأداة لفتح أكثر من جبهة ضغط عند الحاجة، بما في ذلك تهديد الملاحة في البحر الأحمر والخليج. وهكذا تبدو محادثات مسقط حلقة ضمن “أحجية الردع والتحصين”: واشنطن تفاوض وهي تعتقد أن بنيتها الجديدة قادرة على امتصاص ضربة إيرانية انتقامية إذا اضطرت إلى توجيه ضربة ثانية؛ وطهران تفاوض على أمل أن يبقى تهديدها بـ“الفوضى المنظمة”- من تعطيل الطاقة إلى تفعيل الأذرع الإقليمية- كافياً لردع البيت الأبيض عن شن مغامرة أوسع.

لكن حين تُقرأ المؤشرات السياسية والعسكرية معاً، يظهر نمط يجعل مسقط أقرب إلى هدنة تكتيكية منها إلى اختراق تاريخي. فتعريف “النجاح” متباعد إلى حد يصعب ردمه: واشنطن تريد اتفاقاً يقترب من “صفر تخصيب” ويشدّد القيود على الصواريخ والسلوك الإقليمي، بينما تريد طهران اعترافاً بحقها في برنامج نووي مدني سلمني ورفعاً ملموساً للعقوبات دون المساس بصواريخها أو وكلائها. وإلى جانب ذلك، تصر إيران على ضيق الأجندة في وقتٍ يتوسع فيه الطرح الأميركي باستمرار، بما يجعل أي أزمة ثقة صغيرة مرشحة لأن تتحول إلى سببٍ كافٍ لانهيار التفاوض.

ثم هناك الخلفية التي لا تخطئها العين: حضور عسكري كثيف يطارد المشهد، ويوحي بأن “الخيار العسكري” ليس عبارة تُقال في البيانات، بل مزاجٌ يُستحضر في ممرات التفاوض. ويزداد هذا كله حساسية لأن الداخل السياسي على الجانبين ليس مستقراً: ترامب يواجه اختباراً مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية النصفية ومعارضة جزء من المؤسسة لأي اتفاق يبدو كأنه يمنح إيران “طوق نجاة”، بينما يخشى النظام الإيراني، الخارج من عام بالغ العنف في تعامله مع الاحتجاجات، أن تُفسر أي تنازلات على أنها رضوخ يفتح شهية الشارع على مطالب أوسع.

لهذه الأسباب، يبدو الاحتمال الأرجح – إذا كُتب لهذه الجولة أن تخرج بشيء – هو ترتيب مؤقت: تجميد عند مستوى معين من التخصيب أو مخزون اليورانيوم مقابل تخفيف محدود للعقوبات أو وقف مؤقت لبعض الإجراءات التصعيدية، مع ترحيل الملفات الأعمق إلى “جولات لاحقة” قد لا تأتي. وبذلك تتحول مسقط إلى إدارة أزمة، لا حل أزمة.

ومع أن ضربة حزيران/يونيو 2025 حقّقت هدفاً عسكرياً واضحاً بتأخير زمن “الاختراق” نحو سلاح نووي، فإنها لم تغيّر الحقائق الأعمق التي تُعقّد أي حديث عن حسمٍ نهائي. فالمعرفة التقنية لدى العلماء الإيرانيين لا يمكن قصفها، وقدرة إيران على إعادة توزيع بنيتها النووية إلى مواقع أكثر تحصيناً أو سرّية لم تُستأصل، كما أن الرد الإيراني عبر الصواريخ على قاعدة العديد في قطر- برغم محدودية خسائره – أظهر استعداداً لرد مباشر على الولايات المتحدة عندما ترى أن “هيبتها” مهددة، لا عبر الوكلاء فقط.

ومع ذلك، يتصرف الطرفان اليوم كأن جولة أخرى من “حرب قصيرة وحاسمة” قد تُجبر الآخر على تغيير جذري. غير أن هذا الوهم، إذا تمدد، قد يقود إلى واقع مختلف: حرب جوية–صاروخية أوسع نطاقاً تفتح باب استنزاف طويل في الخليج والبحر الأحمر والعراق ولبنان، وربما أبعد، حيث لا يعود من السهل إطفاء الحرائق بالتفاهمات المؤقتة.

ولهذا، إذا كان الهدف الحقيقي هو تجنّب الحرب، فإن ما ينبغي أن يحدث في مسقط يبدو أبسط، وأصعب، في آن واحد. أولاً، خفض سقف التوقعات ومحاولة بناء صفقة ضيقة يمكن التحقق منها بسرعة: سقف واضح للتخصيب والمخزون، وآلية تفتيش معززة، وتخفيف محدد للعقوبات النفطية والمالية، على أن تُرحّل الصواريخ والملفات الإقليمية إلى مسارات موازية أطول نفساً. ثانياً، تقليل الرموز الاستفزازية في محيط التفاوض، لأن استعراض القوة قد يطمئن الحلفاء لكنه يضيّق هامش المناورة ويغذي في طهران سردية “التفاوض تحت فوهة المدفع”. وثالثاً، الاعتراف المتبادل بحدود الإكراه: إيران لا تستطيع إغلاق هرمز دون أن تختنق اقتصادياً، والولايات المتحدة لا تملك ترف حرب مفتوحة جديدة بينما تنظر إلى روسيا في أوروبا والصين في شرق آسيا.

في النهاية، ما قد يخرج من مسقط ليس سلاماً تاريخياً، بل تعريفاً جديداً، أو مؤقتاً، لما يعنيه “الانتصار” لكل طرف. فإذا بقيت واشنطن ترى الانتصار في تصفير كامل للقدرتين النووية والصاروخية والنفوذ الإقليمي، وإذا أصرت طهران على أن الانتصار يعني الاستمرار في كل ما تقوم به مقابل تخفيف للعقوبات، فإن هذه المحادثات لن تكون سوى استراحة قصيرة قبل جولة أشد عنفاً. أما إذا قبل الطرفان بأن الانتصار، في منطقة مثقلة بالصواريخ والناقلات والأسواق الهشة والاحتجاجات الداخلية، يعني ببساطة تجنّب الحرب الشاملة، فقد تصبح مسقط بداية هشّة لمعادلة أقل طموحاً وأكثر واقعية: ردع متبادل، وتحكّم مضبوط بدرجات التصعيد، وإدارة نزاع طويل دون أن يتحول إلى حريق لا يبقي ولا يذر.

800-42.jpg
18018029/01/2026

يقول الكاتب السياسي الإيراني، حميد رضا عزيزي، وهو زميل زائر في "المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية" وباحث غير مقيم في "مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية"، إنه من منظور طهران، لم تُنهِ حرب الأيام الاثني عشر في حزيران/يونيو 2025 المواجهة مع إسرائيل، بل حدّدت معالم صراع أطول. فقد انتهى القتال بلا أي اتفاق على آليات تمنع تكرار المواجهة. والأهم أن الملفات الاستراتيجية الأساسية (البرنامجان النووي والصاروخي) بقيت إلى حدّ كبير على حالها، ما جعل استمرار الضغط واحتمال اندلاع جولة جديدة مسألة شبه مؤكدة في حسابات صانعي القرار الإيرانيين.

801-3.jpg

في سياق التوترات الإقليمية المستمرة، ولا سيما بعد حرب يونيو/حزيران الأميركية الإسرائيلية ضد إيران، استغلت الولايات المتحدة، بشخص رئيس جمهوريتها دونالد ترامب، هذه الأجواء ليدخل على خطّ الاحتجاجات الاقتصادية التي بدأها البازار الإيراني في طهران، محاولًا تحويل الاحتجاجات المطلبية الرامية إلى تحسين الوضع الاقتصادي إلى اضطرابات وأعمال عنف وشغب، بعد أن وجّه دعواته لمن خاطبهم بالتظاهر ومهاجمة المباني الحكومية والاستيلاء عليها، واعدًا إياهم بالمساعدة من دون أن يحدد آلية تلك المساعدة.

777.jpg

الاجتماع الديني الشيعي ـ والنظام السياسي الذي يفرزه ـ ليس مجرد انتماء مذهبي كأي انتماء ديني أو مذهبي آخر، بل هو منظومة قيمية ومعرفية وإيديولوجية وتنظيمية متكاملة، أنتجت عبر قرون من الزمن مؤسساتها ورموزها ونخبها وآليات حمايتها الذاتية. أي أن النظام في إيران معجون بهذا الاجتماع، ويستحيل الفصل بينهما، إلا إذا حصل تفكيك شامل للبنية الاجتماعية الدينية الشيعية ذاتها، وهو تفكيك لم تتمكن دول وقوى كبرى في التاريخ من تحقيقه؛ ليس أولها الدولة العباسية، وليس آخرها الولايات المتحدة الأميركية.