هذا الارتباط العضوي للنظام السياسي في إيران بالاجتماع الديني الشيعي يعني أن هذا النظام هو نتاج تفاعل تاريخي وعقدي وفقهي تشكّل عبر قرون طويلة، ولا يمكن للمؤسسة الشيعية، بقيادتها المرجعية وفقهائها ونخبها وقواعدها الشعبية، التي تتفوّق عدداً ونوعاً بأضعاف على النخب والقواعد الخارجة على الاجتماع الديني الشيعي، أن تضحي بكل ذلك التاريخ والتفاعل العقدي والفقهي لحساب حصار اقتصادي وغزو خارجي، عسكري أو ثقافي أو إعلامي، مهما بلغت قوته وشراسته، أو أن تتنازل عن الدولة الشيعية الوحيدة لصالح فئات قومية وعنصرية وعلمانية ومتغربة، منسلخة عن جلدتها ونظامها الاجتماعي الديني المذهبي.
بناءً على ذلك، فإن أي قوة داخلية أو خارجية ترى إمكانية إسقاط النظام الشيعي في إيران إنما تجهل هذه الحقيقة البنيوية أو تتجاهلها؛ إذ أن إسقاط هذا النظام لا يعني تغيير نظام سياسي أو إزاحة نخب سياسية، بل يعني بالضرورة اجتثاث الاجتماع الديني الشيعي نفسه. وهذا الاجتثاث ليس صعباً فحسب، بل هو يكاد يكون مستحيلاً من حيث الواقع التاريخي والاجتماعي؛ لأنه يساوي عملياً إعادة إيران إلى ما قبل الحكم الصفوي، أي قبل التحول المذهبي الجذري الذي أعاد تشكيل هوية الدولة والمجتمع في إيران والبلدان المحيطة. هذا السيناريو شبه المستحيل يتطلب حدوث استحالة مذهبية عامة في البلاد، تشمل تغيير العقيدة الجمعية، والبنية المرجعية، والذاكرة التاريخية، وأنماط التدين، والعلاقات الاجتماعية. وهذه الاستحالة ليست سوى خيال محض، مهما بلغت شدة الضغوط أو تنوّعت أدوات الصراع.
حين يكون الخطر حقيقياً، سواء كان داخلياً أو قادماً من الخارج، فإن فتوى دفاعية واحدة من مرجع الشيعة في النجف، أو من مراجع الشيعة في قم، أو من الولي الفقيه في طهران، ستقلب المعادلة رأساً على عقب، وتجتث عناصر التهديد في الحال
وقد بقينا، على مدى عقود، نُكرّر للخصوم والمحبين والباحثين، بكثير من الشرح والتحليل المنهجي، أن النظام الشيعي في إيران لن يسقط، وأن إيران لن تتفكك، وأن دولتها لن تضعف، وأن النفوذ الإيديولوجي الخارجي للنظام لن ينكمش، لا بعامل داخلي ولا بعامل خارجي. ولا يستند هذا الجزم إلى عناصر غيبية ولا إلى القوة المادية وحدها، بل يقوم على قراءة واقعية لبنية النظام والمجتمع في إيران، وعلى فهم علمي لطبيعة الاجتماع الديني الشيعي الذي يُشكّل الأساس العميق لهذا النظام، والإطار الذي يُحدّد هويته وغاياته ومساراته.
وعلى أهمية معايير القوة المادية، إلا أنها تبقى قاصرة عن حماية النظام الشيعي الإيراني، كأي نظام آخر؛ في حين أن العامل البنيوي، المتمثل في الاجتماع الديني الشيعي، وطبيعة قيادته المتمثلة بالمرجعية الدينية، وما تقرره هذه الطبيعة من ولاء ديني لرمزية المذهب الحية، هو عنصر الحماية المستدام والأساس للنظام. فالنظام في إيران ليس مجرد مؤسسة لسلطة سياسية، كغيره من الأنظمة السياسية، بل هو تعبير قانوني وسياسي مذهبي عن اجتماع ديني متجذر في التاريخ والثقافة والوعي الجمعي.
ولا تقتصر الحساسية المفرطة تجاه زعزعة النظام الشيعي في إيران وضعف نفوذه على شيعة إيران وفقهائها ومؤسستها الدينية المهيمنة اجتماعياً فحسب، وإنما تتسع لتشمل شيعة البلدان الأخرى وفقهاءها، بما في ذلك فقهاء العراق وحوزة النجف العلمية العالمية؛ لأن المؤسسة الدينية الشيعية تنظر إلى النظام في إيران على أنه نتاجها ووليدها وربيبها، وأنه أداة الحماية الأولى والأخيرة للمؤسسة نفسها، وللتشيع والشيعة، وهي النظرة نفسها التي ينتمي إليها شيعة العالم بأغلبيتهم الساحقة.
وحين يكون الخطر حقيقياً، سواء كان داخلياً أو قادماً من الخارج، فإن فتوى دفاعية واحدة من مرجع الشيعة في النجف، أو من مراجع الشيعة في قم، أو من الولي الفقيه في طهران، ستقلب المعادلة رأساً على عقب، وتجتث عناصر التهديد في الحال. وإذا كانت قوى المعارضة الإيرانية والجماعات المرتبطة بالولايات المتحدة وإسرائيل تستطيع، بمجموعها، تحشيد (500) ألف محتج سلمي ومسلح إيراني، فإن الفتوى تستطيع تحشيد ما لا يقل عن (30) مليون مواطن سلمي ومسلح، يحوّلون أي تهديد محتمل إلى فرص لقلع جذور بؤر التوتر، وهو واقع لا يحظى به أي اجتماع ديني وسياسي في العالم، إسلامياً كان أم غير إسلامي.
وعدم صدور أي فتوى دفاع عن النظام الشيعي في إيران منذ تأسيسه عام 1979 حتى الآن، يعني أن النظام الاجتماعي الديني الشيعي المحلي والعالمي ـ وقيادته المرجعية أيضاً ـ لم يشعر بتهديد حقيقي على حياة النظام، برغم التهديدات الكبيرة التي تعرّض لها، بما في ذلك الحروب.
ومن هنا، فإن نصيحتي العلمية لكل من يسعى إلى فهم الاجتماع الديني الشيعي وعلاقته البنيوية بالنظام السياسي الشيعي في إيران، وإمكانية كبح جماح هذا النظام وإضعافه وإسقاطه، سواء كان ناقماً عليه، أو مؤيداً له، أو مجرد مراقب وباحث، أن يقرأ كتاب «الاجتماع الديني الشيعي: ثوابت التأسيس ومتغيرات الواقع» (*)؛ فهذا الكتاب يوضح طبيعة «النظام الاجتماعي الديني الشيعي» الذي يوفر للنظام السياسي في إيران حماية بنيوية مستدامة، تجعله عصياً على الضعف والانهيار والسقوط، حتى لو استمرت محاولات الإسقاط والإضعاف ألف عام.
(*) د. علي المؤمن، «الاجتماع الديني الشيعي، ثوابت التأسيس ومتغيّرات الواقع»، دار روافد ومركز دراسات المستقبل العربي، بيروت، ط1، 2021.
