“النووي” من فيينا إلى جنيف.. لعبة حافة الهاوية مُجدداً!

من شباط/فبراير القارس في فيينا عام 2022 إلى شباط/فبراير القارس أيضاً في جنيف 2026، ثمة مسافة من الزمن والأحداث، وما زال النقاش ذاته: اتفاق أو لا اتفاق. حرب أو لا حرب. أميركا وإسرائيل وإيران ووسطاء عديدون تتجاذبهم عقد عديدة بعناوين الملف النووي والبرنامج الصاروخي والأذرعة.. لذا، كل الاحتمالات تبقى مفتوحة.

كان مساءً نمساويًّا باردًا حين ألقى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خطابه الشهير حول حربه على أوكرانيا. إنّه الثلاثاء 21 شباط/فبراير 2022، فيينا، حيث كنت حاضرًا لتغطية المفاوضات النووية بين إيران ومجموعة الخمسة من جهة، والولايات المتحدة من جهة أخرى. كلّ المؤشرات كانت تدلّ على أنّ اتفاقًا حول الملف النووي بات وشيكًا. أخبرني بذلك منسّقو الاتحاد الأوروبي، وكذلك أعضاء من الوفد المفاوض الإيراني.
لكن الحرب في أوكرانيا بدأت، ومات الاتفاق النووي قبل أن يولد.

قدّر مستشارو الوفد الإيراني أنّ العالم بعد حرب أوكرانيا لن يكون كما كان من قبل، ونقلوا هذا التقدير إلى قيادتهم.
هذه الصورة القاتمة جعلت من الجملة المفتاحية في مسلسل “صراع العروش”، التي تقول فيها الشخصيات الأساسية: “الشتاء قادم”، عبارةً ردّدها جزء من الإيرانيين. لاحقًا، بدا واضحًا أنّ الشتاء مرّ من دون أن يكون الرهان صحيحًا. كان التعويل على أن تؤدي هذه الحرب إلى أزمة طاقة في أوروبا فاشلًا. لم تشعر أوروبا بالبرد القارس.

التقدير الرغبوي حرم طهران حينها من اتفاق كان بالإمكان الاستفادة منه لرفع العقوبات، ولو نسبيًا، في فترة رئاسة بايدن. لم تعمل مجسّات طهران كما يجب، وربما عملت كما تمّت برمجتها لا كما هي الحاجة إليها في فهم الوقائع.

تكرار سوء التقدير

أزمة التقدير لا تبدو مسألة عرضية لدى منظومة الحكم الإيرانية. ظهر ذلك أيضًا عشية الحرب التي خاضتها إسرائيل ضدّها. حينذاك، وقعت في فخ سوء التقدير كرةً أخرى.

قدّر القادة الإيرانيون، بناءً على مجموعة معطيات دبلوماسية، بأن إسرائيل لن تضرب فجر الجمعة 13 حزيران/يونيو 2025، بل بعد انتهاء الجولة التفاوضية السادسة المقرّرة الأحد في مسقط. وقدّرت القوات المسلحة أنّ القصف لن يطال العاصمة، بل المواقع النووية. لكن طهران استفاقت فجرًا على حملة جوية وعمليات بالطائرات المسيّرة من الداخل، أدّت إلى اغتيال غالبية الطبقة الأولى القيادية في القوات المسلحة. استمرّت الحرب أكثر من أسبوع، قبل أن يتدخل الرئيس الأميركي دونالد ترامب ويرسل طائرات بلاده لقصف المواقع النووية الثلاثة بهدف تدميرها.

الصاعق في المشهد أنّ الإيرانيين لم يُخرجوا مسبقًا كمية اليورانيوم المخصّب على ستين درجة من المفاعلات، أو على الأقل هذا ما يقوله المسؤولون هناك. بالتالي، هم لم يقدّروا أيضًا أنّ ترامب سيدخل الحرب، لكنه دخل.

انتهت المعركة، أو الحرب، بوقف إطلاق نار تلا قصفًا صوريًا لقاعدة العديد العسكرية الأميركية في قطر، وقدّرت طهران حينها أنّ بإمكانها العودة إلى خطاب ما قبل الحرب في ما يتعلّق بالمفاوضات. الفارق هنا أنّ الحرب وقعت، التخصيب بات صفرًا بحكم الأمر الواقع الجديد، المفاعلات النووية الرئيسة معطّلة، والأهم أنّ أوراق القوة الإيرانية في النووي وغيره باتت معطّلة.

جغرافيًا وسياسيًا، سقطت سوريا من حسابات إيران بسقوط نظام بشار الأسد، وحزب الله وحماس فقدا القدرة على الدفاع عن نفسيهما، والعراق تحوّل سريعًا. وباختصار، المنطقة لم تعد كما كانت قبل حرب غزة، إذ لم يعد لدى إيران أوراق القوة التي كانت حاضرة معها على طاولة المفاوضات السابقة. لكنها في الآن ذاته تتصرّف وكأنّ العالم لم يتغيّر.

إلى هذه اللحظة، إيران مقتنعة تمامًا بأن طاولة المفاوضات ستصنع المخرج الأخير للأزمة، وهناك سيولد الحل. ربما يحدث هذا. لكن الخطر يكمن في أنّ إيران من جهة، والولايات المتحدة من جهة أخرى، تبنيان استراتيجياتهما على الفرضية نفسها: أن الطرف الآخر سيرمش أولًا. في لعبة حافة الهاوية، المقتل الحقيقي يكمن في اعتقاد كل طرف أنه فهم الآخر أكثر مما ينبغي

قراءة طهران للحشد الأميركي

اليوم، القراءة الإيرانية للحشد الأميركي المتزايد، مع إعلان الرئيس دونالد ترامب إرسال حاملة طائرات ثانية، تخلص إلى أنّ أميركا ليست هنا لتحارب، بل لكي تفاوض. الرأي السائد في طهران يقول إن صفقة نووية متكاملة يمكن أن تؤدي إلى احتواء المشهد، من دون الانجرار إلى التصعيد. لكن هذا لا يعني أنّ إيران لا تستعد للحرب. المشكلة تكمن في القناعة الكاملة لدى صانع القرار الإيراني بأن أميركا تريد تسوية نووية، برغم التكرار اليومي لترامب بأنه يريد حسمًا لما وصفه بالتهديد الباليستي ولنُفوذ إيران في المنطقة.

ويختصر دبلوماسي إقليمي مطّلع على مسارات الوساطة الجارية القلق السائد لدى الوسطاء بالقول إن المنطقة كانت على بعد أسابيع قليلة فقط من الانزلاق إلى الحرب، لولا تدخلات إقليمية مكثفة نجحت في احتواء التصعيد مؤقتًا. غير أنّ ما يثير قلقه هو استمرار سوء فهم إيراني لطبيعة الإدارة الأميركية الحالية. فهذه، برأيه، ليست إدارة تقليدية تعمل وفق الإيقاع المؤسسي المعروف أو وفق جداول تفاوض طويلة ومفتوحة. ترامب، كما يقول، يبحث عن انتصارات سريعة ومرئية، والصبر ليس جزءًا من غريزته الاستراتيجية. ولذلك فإن أي افتراض داخل إيران بإمكانية إطالة أمد المفاوضات أو تأجيلها تكتيكيًا حتى الانتخابات النصفية الأميركية بهدف تحسين شروط التفاوض لاحقًا قد يشكّل خطأ في الحسابات.

إقرأ على موقع 180  ليفرج نادي رؤساء الحكومات عن الطائف

هذه الفجوة في فهم اللحظة لا يراها الوسطاء فقط، بل يعترف بها أيضًا بعض من كانوا داخل النظام الإيراني نفسه. مسؤول إيراني سابق يقول إن المؤسسة الحاكمة ما تزال أسيرة نموذج عام 2015، إذ إن كل ما تستطيع التفكير به يستند إلى أفكار وتجارب الماضي. لكن الظروف التي تلاقت آنذاك كانت استثنائية وغير قابلة للتكرار، سواء داخل الولايات المتحدة أو داخل إيران. فالاتفاق النووي (2015) لم يكن نتيجة مسار تفاوضي عادي، بل نتاج توازنات سياسية نادرة تزامنت في لحظة واحدة. أما اليوم، ومع إصرار واشنطن على إدراج الملف الصاروخي ضمن أي تفاوض جديد، فإن الوصول إلى اتفاق شامل لم يعد أمرًا واضحًا أو مضمونًا كما كان يُعتقد.

بين الحرب والاستقرار

في الشارع الإيراني، حديث الحرب يكاد يكون الأكثر تداولًا بعد السؤال الصباحي عن سعر العملة المحلية، الريال أو التومان، مقابل الدولار. ثم تأتي الأسئلة الكبرى، والافتراضات، والمخاوف، والآمال.

هناك العقائدي الذي لديه مصاعب مالية ويعترض على الظروف الحالية، لكنه لا يستطيع الفصل بين الاحتجاج على النظام وبين الحرب الخارجية. أي اعتراض سياسي يُعدّ تماهيًا مع الغرب تحت عنوان الدفاع المقدّس. وبين هؤلاء من ينتمي ثقافيًا إلى البيئة الشيعية ويعتقد بمشروعية النظام بوصفه نظام نائب الإمام المهدي، ما يجعله مستعدًا للقتال دفاعًا عنه.

كما توجد شريحة لا تريد سوى الاستقرار: أن يهدأ الدولار وتعود الحياة الطبيعية. هؤلاء يخشون تقسيم البلاد واستيراد النماذج الخارجية. لكن هذه الشريحة هشّة ويمكن استقطابها بسهولة.

في المقابل، هناك من يرى في الحرب خلاصًا من “الموت البطيء الطويل”. بعضهم يعتقد أن الضربات الأميركية ستستهدف المؤسسات فقط، وأنها ستفضي إلى نظام جديد يسمح لهم بالعيش كما لو أنهم في دبي. كثر من هؤلاء شبان دون الثلاثين، وبعضهم يرى أن “الكيّ سيصلح كل شيء”، غير آبهين بتجارب ليبيا وسوريا والعراق وأفغانستان.

لعبة حافة الهاوية

أمام هذا التشظي المجتمعي، نعود إلى النظام الإيراني ونظرته إلى اللحظة، بينما يُكرّر ترامب تهديداته باللجوء إلى القوة في حال عدم التوصل إلى تسوية مرضية لأميركا. المشكلة أنّ التسوية المطروحة تمسّ ضلعًا أساسيًا من العقيدة الدفاعية الإيرانية: البرنامج الصاروخي. وإيران تدرك أنها لحظة قبولها بالشروط حول برنامجها الباليستي، ستصبح عارية أمام أي ضربة عسكرية لاحقة.

لعلّ منسوب الثقة هو العامل الأكثر خطورة بالنسبة لإيران. فالموقف الأميركي اليوم يتجاوز مجرد الضغط لفرض تسوية نووية. ومع توافر عناصر كالحضور العسكري، والخرق الاستخباري، والتحولات الإقليمية، يتزايد الإغراء بإمكانية تغيير اتجاه طهران، حتى من دون إسقاط النظام.

إلى هذه اللحظة، إيران مقتنعة تمامًا بأن طاولة المفاوضات ستصنع المخرج الأخير للأزمة، وهناك سيولد الحل. ربما يحدث هذا.

لكن الخطر يكمن في أنّ إيران من جهة، والولايات المتحدة من جهة أخرى، تبنيان استراتيجياتهما على الفرضية نفسها: أن الطرف الآخر سيرمش أولًا.

في لعبة حافة الهاوية، المقتل الحقيقي يكمن في اعتقاد كل طرف أنه فهم الآخر أكثر مما ينبغي.

(*) بالتزامن مع “الجادة

Print Friendly, PDF & Email
علي هاشم

صحافي وكاتب لبناني

Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  البرلمان اللبناني وصندوق النقد: مَنْ يُقنع مَنْ بأرقامه؟