هل تعكس الجلسة الطارئة لمجلس الوزراء اللبناني في 2 آذار/مارس 2026 محاولة جدّية لإعادة الإمساك بقرار الدولة في لحظة انزلاق أمني خطير، أم أنها استجابة اضطرارية لاحتواء تداعيات تصعيد فُرض على الداخل اللبناني من خارج آلياته الدستورية؟
هل تعكس الجلسة الطارئة لمجلس الوزراء اللبناني في 2 آذار/مارس 2026 محاولة جدّية لإعادة الإمساك بقرار الدولة في لحظة انزلاق أمني خطير، أم أنها استجابة اضطرارية لاحتواء تداعيات تصعيد فُرض على الداخل اللبناني من خارج آلياته الدستورية؟
في التاسع من سبتمبر/أيلول 2025، استهدفت إسرائيل مقرّ حركة حماس في الدوحة، مدّعيةً أنها لا تستهدف قطر بل قيادات الحركة. هذا السيناريو هو نفسه الذي تسوّقه دوليًا وإقليميًا في لبنان، لكن الفارق كان في إدارة الردّ. آنذاك، لم تكتفِ القيادة القطرية ببيانات الاستنكار والإدانة، بل عملت منذ اللحظة الأولى على تكثيف حملاتها عبر مسارات متعددة: سياسية، ودبلوماسية، وإعلامية.
عند الفجر، قبل أن تفتح المدينة عينيها تماماً، يكون البحر قد سبقها إلى الضوء. وعلى الطريق الساحلية، حيث يختلط ملح الموج برائحة الديزل، يقف حاجز كأنه سطر مستحدث في كتاب قديم، راية لبنان وحدها تتدلّى فوق نقطة تفتيش، وجنود بالزي الرسمي يلوّحون للسائقين بالتقدم ببطء.
دخلت منطقة الشرق الأوسط مرحلة تحوّل جذري بعد أن شكّلت أحداث غزة (بدءًا من "طوفان الأقصى") بداية انعطافة كشفت هشاشة البنى الاستراتيجية الإقليمية في الشرق الأوسط. وفي ظل هذا الواقع المتقلّب، يشهد لبنان تحولات داخلية عميقة تتقاطع مع اقتراب الانتخابات النيابية في الربيع المقبل (إن حصلت في موعدها) بوصفها محطة مفصلية لإعادة تشكيل السلطة.
في مقال سابق، كتبتُ أن السلطة التنفيذية التي يقودها رئيس مجلس الوزراء نواف سلام، على قدر ما تمنحه الشرعية، يمكن أن تتحوّل إلى أداة لإسقاطه إن لم يُحسن تحصين نفسه. كانت "هزّة العصا" الأولى لنواف سلام، أو "التوريطة الثانية" إذا صحّ التعبير، في تحريك ملف العسكر المتقاعدين ورواتب موظفي القطاع العام، بعد "التوريطة الأولى"، وهي تعيين غراسيا القزي. وعلى الرغم من أحقية هذه المطالب، إلا أن لا شيء يحدث في السياسة بالصدفة، لا سيّما في التوقيت
لم يكن الخطاب الذي ألقاه سعد الحريري في الرابع عشر من شباط/فبراير 2026 مجرد استعادة رمزية لذكرى اغتيال والده رفيق الحريري، بل بدا أقرب إلى لحظة قياس سياسي دقيقة، اختبر فيها موقعه في مشهد لبناني وإقليمي متحوّل، وحدود حضوره، وطبيعة ما يمكن قوله وما يجب الإبقاء عليه في منطقة الصمت. فاللغة التي اعتمدها، بقدر ما حملت شحنة وجدانية، جاءت محسوبة بعناية، خالية من الإعلانات الصريحة، ومفتوحة على أكثر من تأويل، في انسجام مع مرحلة تتّسم بالسيولة وعدم الاستقرار في موازين القوى.
ليس السؤال اليوم ما إذا كانت الدولة اللبنانية تريد حصر السلاح، بل السؤال الحقيقي هو: هل تستطيع تحويل هذا الالتزام المعلن إلى مسار سياسي قابل للحياة، في ظل توازنات داخلية معطَّلة، واعتداءات إسرائيلية مستمرة، وضغط دولي متصاعد؟
في العقدين الأخيرين، شهد الشرق الأوسط تحوّلات عميقة في بنية الأمن والسياسة، أعادت رسم خريطة الفواعل المؤثرة، وأبرزت ظاهرة الفاعلين المسلحين من غير الدول بوصفهم لاعبين مركزيين، لا مجرد أطراف هامشية في الصراعات. فقد ترافق تراجع الدولة الوطنية، وتآكل مؤسساتها، وتفكك قدرتها على احتكار العنف المشروع، مع صعود جماعات مسلحة استطاعت أن تملأ فراغات السلطة والأمن، وأن تفرض نفسها جزءًا من المعادلة السياسية والاجتماعية، سواء بالقوة الميدانية أو بالشرعية الرمزية والهوياتية.
في لحظة دولية وإقليمية شديدة التعقيد، يعود الحضور الفرنسي في لبنان، وهو حضورٌ لطالما شكّل عنصرًا ثابتًا في المشهد اللبناني عند كلّ أزمة لبنانية أو مرحلة انتقالية أو استحقاق من أي نوع كان.
يعيش لبنان اليوم سباقاً بين مهمّتين مصيريتين هما: حصر السلاح بيد الدولة على كامل الأراضي اللبنانية، وإطلاق مسار إصلاحي سياسي ومالي وقضائي وإداري يعيد الاعتبار لمفهوم الدولة المفقود. لكن السؤال الجوهري هو في كيفية تحقيق هذين الهدفين في نظام لم يبنَ أصلاً لإنتاج القرار، بل لما يسمّى إدارة التوازنات؟