على مرّ الأجيال وحتى يومنا هذا، نشأ اللبنانيون على فكرة أن الزعامة هي العمود الفقري للمجتمع والدولة معاً. لكل طائفة زعيمها، ولكل منطقة مرجعها، يُنظر إليه أو إليهم على أنهم “حماة الجماعة” وملاذها عند غياب الدولة أو تقصيرها. وللمفارقة، فإن هذه الدولة، التي يقال إنها غائبة أو عاجزة أو مقصّرة، هي نفسها منظومة مؤسسات يتحكّم بها هؤلاء الزعماء أنفسهم، مباشرة أو عبر شبكات نفوذهم داخل الإدارات والمؤسسات العامة.
عندما اخترت موضوع أطروحتي للدكتوراه في العلاقات الدولية، قرّرتُ خلافا للمتوقّع للاختصاص، دراسة الزعامة السنية في لبنان خلال المرحلة الممتدة بين ١٩٧٩ و١٩٩٠ (وطبعاً كان عليّ المرور على كلّ الطوائف والمذاهب)، أي في ما أعتبره الفترة الفاصلة بين دولة – أو هيكل دولة – كانت لا تزال تملك بعض مقوّمات القرار، وبين مسار “اللادولة” الذي تكرّس لاحقاً منذ بدء تنفيذ تسوية الطائف في العام ١٩٩٠. كان أحد أهدافي هو فهم بنية السلطة في لبنان من منظور أكاديميّ وبعيداً عن السرديات اللبنانية الجاهزة، وأن أحاول أن أفهم أكثر سبب الالتفاف شبه المقدّس حول فكرة “الزعيم – الحامي”، برغم الفشل المتكرر، بل والانهيارات المتتالية.
في تلك المرحلة، ربما كان سؤال الزعامة منطقيّاً لفهم الدولة في لبنان، من باب أن الزعيم ظهر كضرورة تاريخية في ظل الحروب المتتالية، وانهيار المؤسسات، والوصايات الخارجية. لكن مع مرور الوقت، ومع القدرة على النظر إلى التجربة اللبنانية، من خارج منطق التبرير، بتُّ على قناعة بأن الزعامات في لبنان تحوّلت إلى مأزق أساسي للدولة.
يحتاج لبنان الذي يعاني من خطر وجودي فعليّ، خارجيّ وداخليّ، إلى خطوة جريئة من أركان الحكم الجديد وهي: تحمّل كلفة القرار، بالدستور وبالقانون، ولو أدى ذلك إلى انقسامات سياسية. فالكلفة أياً كانت كبيرة، تبقى أقلّ من كلفة الاستمرار في هذا الاستنزاف المفتوح
ففي لبنان، تكاد تكون القاعدة بفعل الواقع والممارسة أنه حين يحكم الزعيم، تغيب الدولة. فليس من الجديد القول أو إعادة التذكير بأن الزعامات على مرّ العقود وعلى اختلاف الأجيال، بنت نظاماً زبائنيّاً باسم الرعاية الاجتماعية حلّ مكان الدولة، ثم استخدمت مؤسسات الدولة نفسها كأدوات للفساد المُمأسس، ولأجل تثبيت النفوذ والامتيازات باسم الطائفة والحقوق، حتى بات الخارج، في أي مفاوضات أو تسويات، يتعامل مع الزعيم لا مع مؤسسات الدولة، إن وجدت.
بعد الحرب الأهلية وتحديداً في العام ١٩٩٠، فوّت لبنان فرصة ذهبية لإعادة بناء المؤسسات بشكل صحيّ وسليم، وقام على تسوية لم تؤمن الحد الأدنى من المصارحة والمحاسبة. منذ ذلك التاريخ، كان ثمّة ما يشبه الإطار الخارجي، الإقليمي والدولي، لضبط هذا النظام ومنع انهياره بالكامل. بعد العام ٢٠٠٥، ومع تغيّر أولويات المنطقة والعالم، بدأ رفع الغطاء تدريجيّا عن لازمة “إنقاذ لبنان” كلما اقترب من السقوط، فانهارت هذه الهندسة. لكن الزعامات لم تتغيّر، بل كابرت، واستمرّت (وما تزال)، حتى وقع الانهيار الكبير في العام ٢٠١٩.
ومع تكرار الانهيارات والأزمات، وفشل الزعامات نفسها وإن لم تعترف أو تعترف جماهيرها، وتحوّل الزعامة من تمثيل في المؤسسات إلى تعطيل للمؤسسات باسم الحقوق والطائفة والوجود، باتت الزعامة في لبنان آلية لإدارة العجز والأزمات وغطاء لغياب القرار، ومن تمثيل إلى تعطيل، ومن إدارة شؤون الناس إلى إدارة العجز، وهنا أصل المشكلة التي لا يمكن إغفالها في الحديث عن الإصلاح السياسي ومنه المالي القضائي في لبنان، حتى صحّ القول إن مشكلة لبنان ليست بغياب الزعماء، بل في فائضهم!
إن الدولة في مفهومها البسيط هي آلية قرار وتنفيذ ومحاسبة، بينما اللادولة هي تعدّد مرجعيات القرار كما السلاح، وتعطيل المؤسسات، واستبدال القدرة على فرض القرار بحوارات مكرّرة لا تنتهي. وللمفارقة أيضاً، فإن غالبية القرارات تتخذ على شكل “تفاهمات” خارج الأطر الدستورية ويتمّ التصديق عليها في مجلس النواب أو الحكومة، انطلاقا من بدعة “التوافق” و”التوازنات” في الحكم. من هنا، لا يُنتج القرار داخل الدولة، ولا يُحسم، بل يُدار، على الرغم من كل الخطابات الواعدة. فالدولة لا تقاس بنواياها، بل في قدرتها على فرض قرار واحد وتطبيقه، الدولة التي يحكمها الزعماء باسم التوافق، تتحوّل دائماً إلى ساحة صراعات وأزمات مفتوحة.
ما العمل؟
بالطبع، الجواب ليس في إلغاء الزعامات، أقلّه في واقعنا الحالي، ولا في إنكار الواقع الطائفي، ولا في أوهام التغيير السريع، بل في تطبيق الدستور، أي في نقل مركز القرار من الزعيم إلى المؤسسات الدستورية، إذ أن الزعيم يجب أن يلعب دوره كممثّل سياسيّ وليس صاحب قرار سياديّ، بديلاً عن الدولة.
في هذا السياق، واستطراداً، وفي ظلّ ما يحكى عن محاولات لإلغاء الزعامات أو كسرها أو اهتزاز شرعيتها، ثمّة نافذة متجددة لإعادة التفكير في الحياة الحزبية في لبنان، لا بوصفها مجرد فوضى أو فراغ، بل فرصة لبناء تعددية حزبية صحّية، قائمة على البرامج لا على الأشخاص، وعلى التنافس داخل الدولة لا على الدولة. فلبنان الحديث لم يعرف التعددية الحزبية الفعلية، بل أعاد إنتاج زعاماته بأسماء مختلفة. والتحدي اليوم لا يكمن باستبدال زعيم بآخر، بل ببناء أحزاب حديثة، تقوم على البرامج، وتقبل بقواعد اللعبة الدستورية، ربحاً وخسارةً.
يحتاج لبنان الذي يعاني من خطر وجودي فعليّ، خارجيّ وداخليّ، إلى خطوة جريئة من أركان الحكم الجديد وهي: تحمّل كلفة القرار، بالدستور وبالقانون، ولو أدى ذلك إلى انقسامات سياسية. فالكلفة أياً كانت كبيرة، تبقى أقلّ من كلفة الاستمرار في هذا الاستنزاف المفتوح.
