اللجنة الدستورية: “لحظة تاريخية” خارج زمن الأزمة

يحتاج السوريّون إلى قدرٍ غير متوفر من التفاؤل لكي يؤمنوا أن خمساً وأربعين شخصية تجتمع حالياً في جنيف للتباحث في الإصلاح الدستوري، ستتحقق على أيديها معجزة حلّ الأزمة السورية.

لا يتعلّق عدم اليقين بقدرة “اللجنة الدستورية” على إنجاز المهمة المطلوبة، بتركيبة اللجنة ذاتها، والتي تقوم على تناقضات غير قابلة للتجانس في ما بينها، أو بآليات عملها الخاضعة لقواعد تتوخى التوافق بين أفرقاء ما زال الخلاف يتعمّق بينهم، بل هو يعود بالدرجة الأولى إلى طبيعة الأزمة السورية نفسها، وعدم اتضاح مآلاتها النهائية، لا سيما في ظل عدم انضباط تطوراتها وتحولاتها، على وقع استمرار التدخلات الخارجية التي ما زالت تتجاذبها من جانب إلى جانب.

قد يجد البعض في اجتماع وفدَي الموالاة والمعارضة تحت سقف واحد في جنيف “لحظة تاريخية” تستحق التنويه كما ذهب إلى ذلك المبعوث الأممي غير بيدرسون في تعليقه على انعقاد أول جلسة موسعة للجنة الدستورية. لكن الأزمة السورية عرفت منذ بدايتها الكثير من هذه “اللحظات التاريخية” التي تبيّن أن “تاريخيتها” هي مجرد وجهة نظر نابعة من دوافع ومصالح مهنية لدى البعض، من دون أن تكون لها أية علاقة بالتأثيرات الحقيقية على الأزمة ومسارات حلّها.

ثمة شرطان أساسيان يجري التركيز على دورهما في عمل اللجنة الدستورية، هما: اتخاذ القرارات في اللجنة بالتوافق قدر الإمكان وإلا بغالبية 75% من الأصوات، ورفض أي تدخل خارجي في عملها.

ومن شأن هذين الشرطين أن يكشفا عن موقع اللجنة الدستورية في مسار الأزمة السورية، وعما إذا كانت ستشكل منعطفاً نحو الحلّ أم أنها ستكون مجرد انعكاس لموازين القوى والتناقضات بين الأطراف الفاعلة في الأزمة، والتي تلعب الدور الرئيسي في عرقلة التوصل إلى تسوية نهائية.

وبالنسبة إلى شرط التوافق، يبدو من السذاجة السياسية أن يقتنع أحد ما أنه بالإمكان التوصل إلى توافق بين ثلاثة وفود – الموالاة والمعارضة والمجتمع المدني – التي تفصل في ما بينها بينها مسافات شاسعة لجهة الرؤى والأهداف والخلفيات الفكرية والمرجعيات السياسية وطبيعة المصالح التي يمثلها كل  منها. وقد يكون “التوافق” ممكن الحدوث في حالة واحدة، إذا كان مرادفاً للإقرار بالهزيمة وإعلان الاستسلام. أما إذا كان كل وفد من الوفود الثلاثة ينطلق من مقولة أن “السياسة هي استمرار للحرب” فهذا كاف لتقويض أي أمل في اللجنة الدستورية وعملها.

ولا يبدو أن القائمين على تشكيل اللجنة والإشراف على عملها كانوا بعيدين عن هذا التصور لمآلات الأمور، إذ أن اشتراط موافقة 75% على أية قاعدة دستورية لا تحقق التوافق، كانت الغاية منه منع أي وفد من فرض وجهة نظره على الوفود الأخرى.

وفي المقابل تم إعطاء “الأقل تمثيلاً في اللجنة” (ومن بين هؤلاء الكرد) سلاحاً معطلاً يتمثل في تجميع 37 صوتاً من أجل منع تمرير أية قاعدة تمس بمصالحهم الحيوية.

وعليه يمكن القول أن تشكيل اللجنة الدستورية قد راعى التقدم الميداني للجيش السوري، لكنه في المقابل لم يعلن انكسار المعارضة على نحو يوجب استسلامها. وبالتالي فإن عمل اللجنة لن يخرج عن هذا الإطار وسيظل أسير معادلة التوازن. والنتيجة أن اللجنة ستصل عاجلاً أم آجلاً إلى أفق مسدود.

تشكيل اللجنة الدستورية راعى التقدم الميداني للجيش السوري لكنه لم يعلن انكسار المعارضة على نحو يوجب استسلامها

أما بالنسبة إلى شرط عدم التدخل الخارجي. فهو مجرد ماكياج يتوخى منه كل طرف من الأطراف الخارجية إخفاء بصمته في اللجنة الدستورية وتأثيره على عملها لتبدو كأنها نتاج حوار سوري – سوري لا شائبة خارجية فيه. والمفارقة أن تشكيل اللجنة الدستورية تزامن مع موجة واسعة من التدخل الخارجي في الشأن السوري كادت تقلب المشهد رأساً على عقب. تمثلت هذه الموجة في شن تركيا عملية “نبع السلام” واحتلال تل أبيض ورأس العين، وانعقاد اتفاق أميركي – تركي حول المنطقة الآمنة في الشمال السوري، وكذلك انعقاد اتفاق روسي – تركي حول الشريط الحدودي. وتُوجت موجة التدخل هذه بسياسة جديدة أطلقتها الولايات المتحدة تقوم على “احتلال النفط” بعدما تراجع الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن قرار الانسحاب الشامل.

وهذا مؤشر على أن أي منعطف سياسي تمر به الأزمة السورية، لا بد أن يستجلب نوعاً ما من أنواع التدخل الخارجي. وعلى سبيل المثال، ألم يأت الاحتلال التركي لمدينة الباب ومحيطها بداية العام 2017 متزامناً مع إطلاق مسار أستانا؟ وما تبعه أيضاً من إنشاء نقاط مراقبة تركية في محيط منطقة إدلب لخفض التصعيد بناء على مخرجات اجتماعات استانا المتلاحقة. ألا يدل ذلك على أن الأدوار الخارجية ما زالت فاعلة ومؤثرة في مسار الأزمة ومساعي حلها، وأنه من الصعب وقفها في هذه المرحلة؟ وإذا كان الأمر كذلك كيف يمكن تصور أن تعمل اللجنة الدستورية بدون تدخلات خارجية؟

ولعلّ السؤال الأهم الذي يطرح نفسه في هذا السياق، لا يتعلق بوجود التدخل الخارجي من عدمه فهذا أمر مفروغ منه، بل يتعلق بكيفية عمل اللجنة وقدرتها على تحقيق نتائج فعلية في ظل عدم تبلور طبيعة بعض الأدوار الخارجية وعدم وضوح الأهداف التي تسعى إليها. وهذا ينطبق على تركيا كما ينطبق على الولايات المتحدة الأميركية، فأنقرة ما زالت تهدد بتوسيع توغلها العسكري في الأراضي السورية نتيجة عدم رضاها عن تنفيذ الاتفاقين مع روسيا وواشنطن، وهذا من شأنه أن يجعل خريطة السيطرة عرضة لتغييرات جديدة، الأمر الذي لا بد أن ينعكس على اي مسار سياسي بطبيعة الحال.

كذلك فإن واشنطن لم تبلور بعد الأهداف السياسية التي تريد تحقيقها من وراء خطوة “الاحتلال النفطي” وما هي علاقة ذلك بحلفائها الكرد وطبيعة توجهاتهم في المرحلة المقبلة لا سيما أن هؤلاء غير ممثلين في اللجنة الدستورية وأعلنوا أنهم لن يعترفوا بما يصدر عنها.

ويقال مثل ذلك بالنسبة لمنطقة خفض التصعيد في إدلب. فهذه المنطقة تسيطر عليها “هيئة تحرير الشام” المصنفة على قائمة الارهاب والرافضة لأي مسار سياسي وخاصة مسار اللجنة الدستورية.

وعليه إذا كان التوافق بين الوفود الثلاثة متعذراً بل ربما ممنوعاً في ظل الظروف الميدانية الحالية، وإذا كان التدخل الخارجي يشهد إحدى أوسع موجاته في المشهد السوري، فكيف يمكن الرهان على اللجنة الدستورية وإمكان تحقيقها اختراقاً ما في سبيل حل الأزمة السورية؟ قد لا يكون ذلك وارداً إلا في حالة واحدة هي أن يكون الهدف هو جعل اللجنة الدستورية مجرد واجهة لما يجري تقريره في الخارج ويراد فرضه على السوريين بطريقة ناعمة تحت ستار الحوار السوري – السوري.

هذا احتمال وارد … ولكن ألم تعلن دمشق مراراً وتكراراً أنها لا يمكن أن تقبل به أو تسمح بمروره؟ ألا يشي ذلك بأن “اللحظة التاريخية” التي أشاد بها بيدرسون قد لا تدوم طويلاً وربما تنتهي بأسرع مما هو متوقع؟

Download Premium WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
online free course

180Post