روسيا على ناصية المتوسط: وحدة ليبيا… وتحرير “كنيسة الروم”!

هل يمكن للعرب أن يتخيلوا أن ربيعهم العربي لم يكن في الحقيقة فرصة لتحقيق أحلامهم وطموحاتهم بأوطان أفضل، وإنما هدفه غير المعلن هو سرقة مقدراتهم من الغاز الطبيعي، وانتهاك أراضيهم لمد أنابيب الغاز الطبيعي نحو أوروبا، سعياً من الأوروبيين للانفكاك من الحاجة الى الغاز الروسي؟

بدأ الربيع العربي أيامه في تونس المطلة على البحر الأبيض المتوسط، ويبدو أن ملامح نهاية هذا “الربيع” قد تنتهي هناك على مشارف البحر الأبيض المتوسط، وتحديداً حين يُحكم الدب الروسي سيطرته على منافذ الغاز الطبيعي المحيطة بأوروبا،

هنا على ناصية المتوسط، يتضح أكثر أن الجغرافيا لا تكذب، وأن المصالح الروسية-العربية متقابلة غير متناقضة.

على ناصية المتوسط، من صالح العرب ومن صالح روسيا أن تبقى ليبيا موحدة، وأن يتغلب خيار الحل السياسي فيها على خيار تمزيقها بين فرنسا وإيطاليا المتحفزتين للانقضاض على ليبيا، علّ أوروبا تتحرر من حاجتها للغاز الروسي.

وعلى ناصية المتوسط أيضاً، ثمة حلم عربي قديم بتحرير بطريركية الروم الأرثوذكس في فلسطين الأردن، فإن تناقضت المصالح الإسرائيلية واليونانية من جهة، والمصالح الروسية، عبر سعي إسرائيل وقبرص واليونان لتزويد أوروبا بالغاز من خلال منتدى شرق المتوسط، سيهبّ الدب الروسي لحماية مصالحه، والأمل كبير في أن تكون إحدى تلك القنوات هي تحرير بطريركية الروم الارثوذكس من حكم اليونان.

هذا الحلم ما فتئ يراود الوطنيين العرب منذ قامت روسيا القيصرية بتحرير الشقيقة بطريركية أنطاكية في أواخر القرن التاسع عشر من اليونان.

الكلمة الفصل للغاز 

بعيداً عن العواطف التي تمكنت الولايات المتحدة من تجييشها في قلوب الشعوب العربية ضد الرئيس السوري بشار الأسد، وبعيداً عن العواطف نفسها التي لا تؤسس سياسة خارجية، بل كمائن للشعوب التي لا تمتلك أسس الوعي، فإن كلمة السر “المُعلن” في الأزمة السورية كانت الغاز. ولحسن الحظ فإن الجغرافيا، وبرغم تبدل العصور وتغير الناس، تبقى كلمتها واحدة. كان على الدب الروسي الناهض من جديد أن يثبت أركان عودته إلى العالم عبر تمكين سوريا من الصمود، وقد نجح في ذلك بالفعل، ليقطع تماماً هو وحلفاؤه (سوريا وإيران) محاولة خط غاز نابكو.

ما زالت أوروبا تعتمد على الغاز الروسي، إذ تستورد 80% من حاجتها من الغاز من روسيا، ونقرأ في دراسة لمركز الدراسات الاستراتيجية والدبلوماسية بعنوان “المصالح الروسية في ليبيا” إن “الدول الأوروبية ترجمت  رغبتها بالتخلص من الاعتماد على الغاز الروسي، بتدشين مشروع لنقل الغاز الطبيعي من بحر قزوين عبر أذربيجان، وعلى طول الأراضي التركية مروراً برومانيا وبلغاريا والمجر، ووصولاً إلى الحدود النمساوية، وذلك بتمويل أوروبي مشترك وبدعم أميركي، إذ أطلق عليه اسم خط أنابيب نابوكو”.

حينها، وحسب الدراسة، ستتمكن أوروبا من الحصول على الغاز القطري الطبيعي عبر مد أنبوب عبر السعودية وربطه بأنبوب الغاز العربي الذي أنشئ في عام 2003  ليتم نقل الغاز المصري من العريش إلى الأردن وسوريا وربطه بمشروع “نابوكو” لتصدير الغاز إلى أوروبا.

لا نحتاج الإتيان بأدلة لنثبت أن دعم روسيا لصمود سوريا بدد ذلك الحلم الذي راود أوروبا، فماذا تبقى في جعبة الغرب لتطويق الدب الروسي، بعدما كسب نقطة عندما عاد إلى منطقتنا عبر سوريا؟

في جعبة الغرب؛ أوكرانيا، وليبيا، ومنتدى غاز شرق المتوسط.

بداية سعت روسيا إلى تقليص دور أوكرانيا كممر لا بد منه للغاز الروسي إلى أوروبا، وتوجت ذلك بمشروع “السيل التركي” الذي دشنه كل من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس التركي رجب طيب أردوغان يوم الأربعاء 8 كانون الثاني/ يناير الحالي. وبذلك تضمن روسيا وصول غازها الطبيعي إلى دول جنوب وشرق أوروبا عبر أنابيب ناقلة تمر من البحر الأسود وعبر الأراضي التركية. وتبلغ قدرة “السيل التركي” الإجمالية 31.5 مليار متر مكعب سنويا، وسيغطي احتياجات دول شرق وجنوب أوروبا بالكامل من الغاز.

بعد ذلك بأيام قليلة وتحديداً يوم 11 كانون الثاني/ يناير الحالي أجرى الرئيس الروسي اتصالين؛ الأول مع ولي عهد ابو ظبي والثاني مع امير قطر. في الاتصال الأول أطلع بوتين ولي عهد ابو ظبي على نتائج مباحثاته مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، التي جرت في الثامن من كانون الثاني/يناير الجاري في إسطنبول، وأعرب عن تأييده لتفعيل الجهود الرامية إلى الوقف السريع لإطلاق النار في ليبيا وتعزيز العملية السلمية بين أطراف النزاع. وهذا كان مضمون الاتصال الثاني مع أمير قطر.

وفي اليوم ذاته، قامت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، بزيارة إلى موسكو، حيث التقت الرئيس فلاديمير بوتين، لبحث الأزمة الليبية والوضع في الشرق الأوسط على ضوء تزايد التوتر بين طهران وواشنطن.

اعلنت ميركل خلال الزيارة أنه لابد من تنفيذ مشروع “التيار الشمالي” (نوردستريم) بغض النظر عن العقوبات الأميركية، مشددة على أن ألمانيا ستقدم كل الدعم لإتمام المشروع.

و”التيار الشمالي” هو خط أنابيب الغاز الأوروبي الشمالي، ويعرف أيضا باسم خط أنابيب الغاز الألماني الروسي، وهو خط أنابيب غاز طبيعي قيد الإنشاء يمتد من روسيا إلى ألمانيا، ويقوم بإيصال الغاز الروسي إلى أوروبا الغربية.

لن تترك روسيا أية فرصة أمامها للاستئثار بالغاز الليبي، وتطويق أوروبا من الضفة الجنوبية للبحر المتوسط.

في ظل سعي أوروبا للبحث عن بدائل عن الغاز الروسي تقول الدراسة التي أشرنا إليها سابقاً: “من المؤكد أن ما حدث في المشرق العربي من صراع بين روسيا والغرب، ممكن الحدوث في شمال إفريقيا. وتتوقع الدراسة أن تكون ليبيا إحدى ساحات الصراع الساخنة خاصة في ظل ظروفها السياسية والأمنية،  ما يجعل أمنها القومي ومسألة وجودها كدولة أمراً مهدداً، إلي أن تنجح العملية السياسية وتستعيد الدولة عافيتها. وتؤكد الدراسة أن روسيا لن تترك أية فرصة أمامها للاستئثار بالغاز الليبي، وتطويق أوروبا من الضفة الجنوبية للبحر المتوسط.

إن الدب الروسي الذي ثبت أركانه في سوريا تماماً منذ عامين، يستمر في تطويق أوروبا حتى تبقى أسيرة حاجتها لغاز روسيا الطبيعي. وإذا قمنا بتقسيم العالم وتحليل المنطق بناء عليه وفق ألكسندر دوغين المفكر الروسي الذي اعتاد السياسيون تسميته  “عقل بوتين” أو رأس بوتين” فإن أوراسيا التي تتمتع بمنطق أرضي في سياستها وليس بحرياً كما هي الولايات المتحدة، حتى تقوم وتنهض لا بد أن تتكامل مع دول موحدة غير مقسمة، من هنا نفهم حرص روسيا على وحدة سوريا، ونفهم حرص روسيا على وحدة ليبيا. وهنا يكمن التقاء المصالح العربية الروسية.

هل تُحرر حرب الغاز بطريركية الروم الارثوذكس في فلسطين والأردن؟

سبقت الإشارة إلى أنه في جعبة الغرب كلاً من ليبيا ومنتدى غاز شرق المتوسط، والظاهر أن روسيا تسعى لتغليب الحل السياسي على تقسيم ليبيا وجعلها فريسة سهلة لكل من إيطاليا وفرنسا. يتبقى هنا منتدى غاز شرق المتوسط، الذي تسعى إسرائيل واليونان وقبرص من خلاله إلى مد أنبوب للغاز في شرق المتوسط لتوريد الغاز الإسرائيلي إلى اليونان وقبرص وعبرهما إلى أوروبا، ما يشكل تهديداً لروسيا.

تنقل “دويتشه فيلله” عن نائب مدير “منتدى الطاقة اليوناني” إثارته لبعض الشكوك حول مردودية الأنبوب. ففي المقام الأول تبقى التكاليف عالية: على الأقل عشرة مليارات يورو. وحقيقة أن توافق اليونان واسرائيل وقبرص على المشروع لا يعني أنها تملك رأس المال الضروري لتنفيذه، وفقا لـ”دويتشه فيلله”. ومن غير المتوقع الحصول على مساعدات أوروبية، لأن أوروبا انسحبت من موارد الطاقة الأحفورية وتراهن على مشاريع طاقة خضراء. فهناك أذن أجندة جديدة في بروكسل والخلاصة هي أنه “يجب تمويل أنبوب (إيست ـ ميد) من جهات خاصة وهذا سيكون صعبا”.

وبالتزامن مع إعلان منتدى غاز شرق المتوسط نهاية العام 2019، كان هناك إعلان يسترعي الانتباه، إذ كشف السفير الفلسطيني في موسكو، عبد الحفيظ نوفل، لوكالة “سبوتنيك”  عن أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سيزور بيت لحم يوم 23 كانون الثاني/يناير 2020.

وفي تشرين الثاني/ نوفمبر 2019 أكد بوتين أنه سيزور إسرائيل في منتصف شهر كانون الثاني/يناير 2020، مشيراً إلى ضرورة مواصلة حماية المسيحيين في الشرق الأوسط تحت إشراف الكنيسة الأرثوذكسية الروسية والكنائس المحلية.

توقيت الزيارة مع توقيت إعلان المنتدى، يفتح باب السؤال حول ما إذا كان الدب الروسي سيتخذ من حماية المسيحيين في الشرق الأوسط تحت إشراف الكنيسة الأرثوذكسية الروسية وسيلة لتطويق اليونان التي تترأس بطريركية الروم الارثوذكس في فلسطين منذ ما يزيد على 400 عام، والتي لا تخفي تعاونها مع إسرائيل عبر قيامها ببيع وتأجير أملاك الكنيسة الأرثوذكسية للكيان الصهيوني.

قبل أعوام فتح الوطنيون الأرثوذكس في الأردن وفلسطين شهيتهم على تحرير كنيستهم، وأسعدتهم عودة الدب الروسي إلى المنطقة، لكن روسيا حينها كانت تثبت أركانها، وكانت الحرب في سوريا مشتعلة، وكان الأمل أن يحدث التناقض الإسرائيلي اليوناني من جهة مع روسيا من جهة مقابلة، بسبب الغاز الطبيعي، ما يجعل من زيارة الرئيس بوتين إلى بيت لحم تحديداً وليس رام الله تحمل رسائل سياسية واقتصادية على الجانب الآخر أن يسمعها.

شكلت فلسطين بؤرة مصالح روسيا في بلاد الشام، لما فيها من ذكريات توراتية وإنجيلية عزيزة على الشعب الروسي

ينقل الأب حنا كلداني في كتابه “المسيحية المعاصرة في الأردن وفلسطين” ما جاء في مراسلات راهب روسي إلى الدوق يوحنا باسيلي (1462-1505) عن الدور الروسي المنتظر اتجاه المسيحية عموماً والأرثوذكسية خاصة: “سقطت روما الأولى في الهرطقة، وسقطت روما الثانية (القسطنطينية) تحت النير التركي، ولكن انبثقت روما ثالثة (موسكو) في الشمال تنير العالم أجمع كشمس ساطعة … فقد هوت روما الأولى والثانية، أما روما الثالثة فستظل قائمة حتى نهاية الدهور وهي روما الأخيرة، فلا خليفة لموسكو، وقيام روما رابعة أمر غير معقول”.

كما يشير كلداني في كتابه إلى أن فلسطين شكلت بؤرة المصالح الروسية في بلاد الشام، لما فيها من ذكريات توراتية وإنجيلية عزيزة على الشعب الروسي.

إن الأهمية الدينية لفلسطين بالنسبة لروسيا ما عادت تقتصر في العصر الحديث على تلك الذكريات التوراتية والانجيلية العزيزة على الشعب الروسي، فأهمية فلسطين تعدت ذلك إلى مراتب السياسة والاقتصاد، ففيها وعبر محتليها إحدى محاولات العبث مع الدب الروسي عبر الغاز الطبيعي.

فهل يفعلها “المسيح الروسي المنتظر” ويتمكن من تحرير بطريركية الروم الارثوذكس في الأردن وفلسطين، كما فعلها قبل ما يزيد على المائة عام عبر تحرير بطريركية أنطاكية؟

Download Nulled WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
free download udemy course

180Post